رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
متابعة للجزء الأول من المقالة، فإنني أود أن أؤكد بأن التنمية في قطر منذ بداياتها في الخمسينيات شملت جميع البلديات دون استثناء، وبالدرجة الأولى التنمية البشرية وهي الأسبق. وقد عنيت هذه البدايات كثيرا بالجوانب الاجتماعية للقطريين من تعليم وخدمات صحية وإسكان وتوظيف، ولم تفرق الدولة بين بلدية وأخرى وبين مجموعة وأخرى. والمقالة كان الهدف منها التنبيه من قبل جغرافي له دراسات ومعرفة بجغرافية قطر، رأى بأن جغرافية الشمال فيها من المقومات التي يمكنها أن تستغل لأجل دور أكبر كجزء عزيز من أرض البلاد في مسيرة البناء والتطور والتنمية الشاملة والمستدامة التي تنشدها الدولة. فمن هذه البلدية كما غيرها خرج وزراء وسفراء ومشرعون ومديرون وأكاديميون وتجار وشعراء وأطباء وخبراء مارسوا دورهم في تأسيس التاريخ الحديث لدولتهم كأجدادهم وآبائهم.
ففي الانتخابات التشريعية الأولى، حازت البلدية أربع دوائر انتخابية، وذلك اعترافا بأهمية البلدية ومن سكنها في تاريخ قطر ونشأتها من العائلات الكريمة. وهي: الغارية لعائلة البوكوارة والرويس لعائلة السادة، وبوظلوف لعائلة المنانعة، ولجميل لعائلة لكبسة، وذلك بناء على القانون الانتخابي لسنة 2021 والذي حدد الدوائر الثلاثين بناء على الجغرافيا القديمة لنشأة المستوطنات في قطر في الخمسينيات وقبلها. وقد بلغ إجمالي المترشحين 51 بينهم 7 سيدات، وكان شرف الفوز لتمثيلهم السادة: مبارك محمد الكواري ويوسف احمد السادة ومحمد عمر المناعي وناصر حسن الكبيسي، والذين يبلون بلاء حسنا في القيام بأدوارهم في نهضة البلاد وسلامته.
وقبل ذلك بكثير، صدر في عام 1973 قرار بإنشاء بلدية الشمال ضمن مجموعة من القرارات أصدرها سمو الشيخ خليفة بن حمد بإنشاء مجموعة من البلديات في مدن الدولة، وقد ضم مجلسها كلا من: ناصر عبدالله الكعبي رئيسا وخميس متعب الكعبي وعبدالله علي حسن النعيمي وعبدالله محمد شمسان السادة وعلي عمر المناعي وعيسى مبارك الفضالة وناصر عيسى الطوار الكواري، وحدد القانون مهماتها، ومنها الشؤون العمرانية والتي بدأت تتحقق بوتيرة أسرع، بتطوير الخدمات البلدية. وفي الانتخابات البلدية للمجلس البلدي المركزي للدولة في دورتها الأولى في عام 1999، بلغ عدد الناخبين في الدائرة 219 ذكورا وإناثا، ليتم انتخاب السيد سعد علي حسن النعيمي، من بين 8 مرشحين. واليوم ممثلها في المجلس البلدي المركزي في دورته السابعة السيد محمد عبدالله السادة.
وفي منتصف السبعينيات أجريت أولى الدراسات المسحية الميدانية عبر منظمة الأغذية والزراعة وبطلب من الحكومة حول خصائص المياه الجوفية والتربة للدولة، أظهرت أن المناطق الشمالية هي الأقوى بالحوض المائي الشمالي بمياهه الأكثر عذوبة، وكذلك بتربتها الأغنى والأعمق والمتجددة، وأنها المنطقة الأفضل لممارسة التنمية الزراعية للدولة والتي يمكن أن تكون سلة غذاء قطر في كثير من المنتجات، لكن بالاستعانة بالوسائل والطرق الأحدث.
واستمرارا لإلقاء مزيد من الضوء على الخصائص الجغرافية للبلدية، فأرضها تتميز بانتشار ظاهرة الروض بها وهي من الظواهر الجيمورفولوجية المتجددة. ومن أكثرها اتساعا روضة الماجدة وروضة الخضيرة والهرم والوعب، وهي مساحات تحتفظ بمياه الامطار كغدران موسمية، أنشأت الدولة فيها آبار التغذية لدعم مخزون أحواض المياه الجوفية، وتحتاج اليوم الى بناء المزيد منها. فأقام المواطنون عليها وفي جوارها عددا كبيرا من المزارع المنتجة. ويحلو الحديث عندما نتحدث عن بحر الشمال وشواطئه وعمقه البحري، فإن تبني المشروعات على شواطئه البيضاء النظيفة وعلى جزره، لتشجيع السياحة الخارجية والداخلية مجال لا يمكن تجاهله.
ومن الأنشطة المتوافقة مع مقومات أرض البلدية، توسيع نشاط تربية الحيوان ويمكن على سبيل المثال زيادة عدد العزب الموزعة على مواطني المنطقة بهدف تكثيف أعداد الثروة الحيوانية، وتغطية أكبر للأمن الغذائي المنشود. فالتجربة الممارسة حاليا بانتشار العزب بالآلاف في أنحاء البلاد تؤكد نجاح الفكرة. وتعد محمية الريم ذات المساحة الكبيرة معلما حضاريا ويجب أن تستغل لتضفي على بلدية الشمال صفة جديدة في خصوصيتها، وخاصة عندما تتأهل أكثر وأكثر عبر الزمن لتكون مزارا علميا وسياحيا في حياتها البرية والبحرية.
ومما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في كل هذه المشروعات محاولة تقليل العمالة الأجنبية، بالاعتماد على التقنية والوسائل التي تغنينا عن المزيد منهم في شتى المجالات الإدارية والاقتصادية، وكم جميل أن يكون للمتقاعدين من أبناء البلدية مساهمة بتمكينهم من تملكها وإدارتها.
وأرى في الختام، بأن البلدية تحتاج اهتماما أكثر لتحويلها الى بلدية أكثر جذبا واستيعابا للسكان، وفي نفس الوقت المحافظة على استمرار غالبية أهلها فيها. وقد زارها سمو الأمير منذ سنوات وكان الوعد بهذا الاهتمام، وسيكون بإذن الله. فتبنى جامعة متخصصة فيها أو فرع لجامعة قطر، وبناء مستشفى أكبر وأشمل وقرية ترفيهية اجتماعية، ومنطقة صناعية غذائية، والاهتمام بآثار مدينة الزبارة هي وسائل تحقيق الهدف بأن تصبح بلدية الشمال بمقوماتها الجغرافية مزدهرة ومستدامة العطاء للوطن.
الطلاق.. جرحٌ في جسد الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد... اقرأ المزيد
39
| 12 فبراير 2026
حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما... اقرأ المزيد
72
| 12 فبراير 2026
الغرب الذي فضحه إبستين
لهذا لم يكن هناك تعاطف لأطفال ورُضع غزة حينما كانت تُنتَزع أرواحهم انتزاعا ويُمثَل في أجسادهم الصغيرة لأنهم... اقرأ المزيد
69
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
12528
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1227
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
783
| 10 فبراير 2026