رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشعر العرب بألم شديد مع اقتراب موعد الانفصال بين شمال السودان وجنوبه، وينبغي أن يكون واضحاً ما هو المصدر الحقيقي للألم وسببه، فالأمر ليس عاطفيا فقط، ولا يتعلق بنهاية اطمئنان "قومي" إلى وجود بلد عربي شاسع المساحة غني بالموارد الطبيعية وكان يشكل في اللاوعي العربي احتياطياً استراتيجياً لـ"الأمة"، مصدر الألم ان العلل والأمراض التي اعتملت ودفعت بجنوبيي السودان إلى نشدان الانفصال هي نفسها في البلدان التي لا يشكل الانفصال أحد خيارات شعوبها وجماعاتها.
في أزمنة الاقتصاد المتأزم والثروات المبددة والعصبيات المتشنجة والسياسات المتحجرة، تبرز الحاجة إلى الحكم الرشيد كعامل حاسم في عقلنة السلطات ولجم الأهواء والأشخاص تغليباً لأولوية الصالح العام، فالحديث عن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص عن التأهيل المهني وتنمية موارد التعليم والثقافة والطبابة وعن تطوير البنى القانونية ووسائل الإنتاج، ليس كلاما إنشائيا، وإنما هو في حد ذاته دعوة إلى العمل والانخراط في الحركة، لأن "الصالح العام"، لا يأتي من تلقائه، أو من فراغ، وإنما بمساهمة الجميع، بل يجب أن يستحق،أي خلل في المنظومة، أي إهمال أو ايثار أو شطط وفئوية، لابد أن تخلف جماعات مظلومة، منسية أو مضطهدة أحياناً، لا تلبث أن نشعر بأن ثمة تمييزاً يمارس ضدها، أو أنها مدعوة للرضوخ إلى إخضاع تتعرض له بسبب خصوصياتها الموروثة.
ما يؤسف له في حال السودان، والصومال من قبله، وربما العراق واليمن من بعده، هو تلك الهشاشة التي انتابت ثقافة "الدولة للجميع"، لذا تحتم مع استشراء التهروء فيها أن تعود الجماعات إلى توقعاتها لتتمكن من العيش والبقاء، المؤسف أكثر أنها بعد تقوقعها تحاول إيلاء دول أو دويلات على النمط الساقط ذاته، أي مبنية على عقلية التسلط من دون اعتبار كبير لواجبات السلطة جنبا إلى جنب مع حقوقها، ولا حقوق لها إلا في إطار سعيها إلى إنصاف جميع رعاياها بلا تمييز أو استفتاء.
لعل حالات السودان والعراق والصومال، ولا داعي لذكر سواها الآن، تذكر العالم العربي بأن دوله وشعوبه تعيد النظر، عن وعي كامل أو بدونه، في ظروف نشأتها وتكونها، ولذلك فهي كما ظهرت في أوضاع استعمارية وكان للقوى الخارجية دور أساسي في تطهيرها، تنتهز اللحظة التاريخية شبه الاستعمارية، الراهنة، لتشرع في ما تعتبره تصويبا لأوضاعها، شيء من بدايات القرن الماضي حتى منتصفه يستعاد الآن في تبرير نشوء الكيانات الجديدة، قد يعزو البعض هذه الظواهر إلى أن مرحلة الاستقلال ساهمت في توعية الجماعات بهوياتها وطموحاتها، وأيضا بمساهماتها وبما يحق لها لكن يجب ألا ينسى أبدا أن النمط الاستبدادي في الحكم كان العامل المرجح في فرز الجماعات، ويتحمل مسؤولية تفسخ المجتمع وعدم ارتباط جميع أبنائه بوطنهم، وبالتالي نفور البعض منهم ونقمته على استغلال مجحف لموارده، كثير من الدراسات والأبحاث أحال تلك المسؤولية بمجملها على القوة المستعمرة السابقة التي حرصت على تنصيب أنظمة تؤمن لها مصالحها وتدين لها بالاستمرار في السلطة، ثمة جانب حق في ذلك، ولعله مبرر ومفهوم في المراحل الأولى، اما ان تستمر الحال على ما هي عليه جيلاً بعد جيل، ورغم تغير الظروف وتقلب العهود وتراكم الوعي والمعاناة، فهذا مما يستعصي على أي فهم وإدراك لأبسط مغازي الاستقلال وبناء الدول.
ولعل هذه الحالات، وغيرها مما لا ينذر بالضرورة الآن بوجود بوادر انفصام أو توق إلى انفصال، تذكر أيضا خصوصا بأن استشراف تشظي الدول العربية لا يبدأ الآن بمناسبة الاستفتاء السوداني على تقرير المصير، وإنما بدأ قبل عقود، بعد مرور عشرين إلى ثلاثين سنة من حقبة الاستقلالات تحديدا في السبعينيات فهذا الزمن كان كافيا لاستبيان الوجهات التي اتخذتها الأنظمة في تدبير شؤونها، ولرؤية الثغرات والتمزقات المحتملة، وقد ذهب بعض مراكز البحث في الولايات المتحدة وأوروبا إلى رسم لسيناريوهات التقسيم وخرائطه، بل عمدت أحيانا إلى تصحيح توقعاتها وفقا للمتغيرات، وعندما اندلعت الحرب الأهلية منتصف سبعينيات القرن الماضي في لبنان، لم يعرف غالبية اللبنانيين لماذا وكيف طرح فريق منهم خيار التقسيم، وقد ساهم القتال في إقامة الجبهات وخطوط التماس التي راحت تتكرس كأنها حدود بين الكانتونات المرتقبة، ثم ان التهجر والفرز السكاني أديا إلى ما يشبه "التطهير الطائفي" للمناطق، وبعد غزو العراق واحتلاله، طرح مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وخرجت الخرائط من مكامنها ثانية لتشرح ما هو معني فعلا، ولم يتردد عدد من المسؤولين الأمريكيين في التصريح بأن الهدف هو إعادة رسم خريطة الشرق ما تمكن ترجمته بأن حدوداً ستتعدل وبلدانا ستخسر وحدة أراضيها الحالية.
منذ احتلالها العراق لم تكن واشنطن حريصة، في مجمل مواقفها السياسية، على تأكيد التزامها وحدة أراضيه ودولته، ولا يزال كثيرون يذكرون الاستهجان الذي قوبل به موقف لجوزف بايرن، النائب الحالي للرئيس الأمريكي قال فيه "إن تقسيم العراق هو أحد الحلول لمعضلات الحكم والأمن وللصعوبات التي تواجه إنشاء نظام جديد على أنقاض النظام السابق، واقع الأمر أن العراقيين المعارضين الذين وقفوا إلى جانب الغزو الأمريكي ناقشوا احتمالات ما بعد الاحتلال وتوصلوا مسبقا إلى قناعات بأن البلد لن يبقى كما كان، وإذ توصلوا إلى تفاهم مبدئي على "الفيدرالية"، فقد تبدى أن هذا مجرد اسم تقني لــ"التقسيم"، وبناء على ذلك أيدوا إلغاء الدولة السابقة بمؤسساتها وجيشها وشرطتها ليبدأوا عمليا من نقطة الصفر".
حديث الانفصال مع بداية العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين، ربما يدشن مرحلة عربية جديدة، لكنه يدق ناقوس إنذار أخير بأن أساليب الحكم والسياسة وإدارة شؤون الناس لا يمكن أن تستمر على حالها من دون أن تفضي إلى نتائج كارثية، فعدا السودان والعراق واليمن والصومال، هناك بضع حالات أخرى تعتمل والأصعب من الانفصال أن تكون هناك حالات احتقان داخلي محكومة بأن تعالج داخلياً قبل أن تنفذ إليها القوى الخارجية لتستغلها.
وإني والله لأحذركم
اعذروني إن كنت أبدأ معكم الحديث عن هذا الموضوع تحديدا ونحن الذين قد خرجنا للتو من أيام عيد... اقرأ المزيد
42
| 31 مايو 2026
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد... اقرأ المزيد
234
| 31 مايو 2026
دلالات وكلفة سيطرة الرئيس ترامب على حزبه الجمهوري..!!
السؤال المهم في الدوائر السياسية الأمريكية منذ نجاح الرئيس ترامب في انتزاع الفوز منذ انتخابات الرئاسة عام 2016... اقرأ المزيد
33
| 31 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1503
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
789
| 24 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة التاريخية، والقفزة التاريخية لما تمخض عنها من نتائج من شراكة اقتصادية وأمنية، ومساعدات عسكرية كبيرة لأرمينيا، وضوء أخضر للانضمام للاتحاد، وبذلك نجح الاتحاد في اختراق القوقاز، أو بصريح العبارة ضرب النفوذ الروسي هناك، وهو ما منح لتلك القمة تحديداً صفة التاريخية. وتتأتى تاريخيتها أيضا من مناقشة الاتحاد مسألة الاستقلالية بصورة أكبر وأكثر جرأة وتوسعاً، كرد فعل على قرار ترامب سحب قواته من ألمانيا، تمهيدا لمزيد من الانسحابات من أوروبا، وتقليص الدور الأمريكي في الناتو بعد موقفه من أزمة مضيق هرمز. في القمة صرح أكثر من زعيم أوروبي ومن بينهم ماكرون حول مفترق الطرق الذي تعيشه أوروبا، واستمرار التحدي الروسي الخطير، وموقف الولايات المتحدة المتذبذب، مع الحث على ضرورة تقوية أوروبا عسكريا وتعزيز تضامنها. لكن اللافت أيضا أن الزعماء الأوروبيين وزعماء الاتحاد قد أشاروا إلى واقع "التعددية القطبية" الذي يعشه العالم الآن، مما يفرض على أوروبا تعزيز استقلالها لتصبح أحد أهم أقطاب ذلك النظام المتعدد. ولعل المغزى الأكبر يكمن في إقرار الاتحاد بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن ثم قد ولى أيضا زمن الاعتماد التام على الحماية الأمريكية، ناهيك عن أن الحماية الأمريكية لأوروبا تمر بمرحلة تحول إثر الانشغال بالصين والشعبوية الترامبية. وربما هنالك مغزى آخر يرمي إليه الأوروبيون وهو ضرورة الانفتاح على شراكات شاملة جديدة لاسيما أمنية. وهو ما تبدى بوضوح في استضافة كندا للقمة في واقعة نادرة الحدوث عامة، إذ نادرا ما يتم استضافة ضيف في القمم الأوروبية الخاصة من خارج أوروبا، كندا لم تحضر كمتفرج فقط، بل شاركت الأوروبيين رؤية النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مع وعود ضمنية لتعزيز الشراكة مع أوروبا في مجالات مختلفة من بينها أمنية. القمة قفزة هامة لأوروبا بلا شك من حيث تحدي النفوذ الروسي في القوقاز، استقطاب قوى خارجية للأمن والاقتصاد الأوروبي، والإقرار بواقع التعددية الدولية وتراجع الدور الأمريكي وحتمية تقليل الاعتماد عليه، قفزات جيدة قطعاً في مسيرة تقوية واستقلال أوروبا، ومع ذلك، سيظل السؤال المعضلة للأوروبيين أنفسهم قبل المراقبين، هل ستنجح أوروبا في تحقيق الاستقلالية التامة لا سيما الأمنية؟ مسألة الاستقلالية الأمنية التامة لأوروبا قد استحوذت على مئات الأوراق البحثية، لكن اللافت أنها قد أجمعت على أنها حلم ليس مستحيلاً لكنه شديد الصعوبة، ويحتاج إلى وقت طويل ليس أقل من عقدين حال توافر عمل وإرادة جبارة، وهذا من حيث المبدأ. لكن أيضاً يجب الاستناد أو الإحالة إلى تطور القوة والاستقلالية الأوروبية منذ الحرب الأوكرانية 2022، حيث قد عزمت أوروبا على ذلك بصورة جدية غير مسبوقة، لكن ما تم خلال تلك الفترة قد دعم فرضية الصعوبة بصورة جازمة، بل أيضا قد رسخ للكثيرين حتى دول أوروبية استحالة تحقيق الاستقلالية تماما لأنه قد تم اختبار تحدياتها على أرض الواقع. إذ قد تبدى جلياً الانقسام المزمن بين اتحاد من 27 دولة، وشكوك حول قيادة بديلة لواشنطن، وتحدي إنفاق دفاعي مطرد يناهز المليارات سنويا، وتحدي تصنيع عسكري استراتيجي يحتاج عقودا من النمو بجانب تريليونات الدولارات، وتباين حاد في المصالح والرؤى الأمنية بعض الدول الأوروبية مثل المجر لا تعتبر روسيا عدواً. وفوق كل ذلك- وهو الأهم- استمرار الثقة المطلقة في الناتو ومن خلفه واشنطن من جانب جل الدول الأوروبية ربما الاستثناء فرنسا، فالدول الأوروبية تؤمن ضمنيا أنه لا بديل مطلقا عن الناتو ولا تتصور بديلا آخر، وان قيادة أوروبية بديلة مجرد هراء. خلاصة الأمر، أوروبا حقا في ورطة شديدة فهي تتمنى فعليا عدم فك الارتباط بالناتو والولايات المتحدة، لكنها تصطدم يوميا بواقع متغير لا سيما واقع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يرجح استقلالية الاتحاد مطلقاً، بقدر ما يرجح مزيدا من الانقسام، وتزايد النزعة الاستقلالية الفردية للدول الأوروبية عن الناتو والولايات المتحدة.
666
| 26 مايو 2026