رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى لتحقيقه مخططون من خارج بلداننا أو من داخلها كما يقع في العديد من دولنا التي تعاني من صراع الإخوة الأعداء وتتذكرون أيها القراء الأعزاء ما صرح به رئيس وزراء إسرائيل في حوار أجرته معه القناة 12 الإسرائيلية حين قال: «نحن نرفض خريطة الشرق الأوسط التي رسمها سايكس عن بريطانيا وبيكوعن فرنسا»، وأضاف: «اليوم لسنا في سنة 1916 واختفت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية وأصبح القطب الأمريكي هو الأوحد والأقوى ومن الطبيعي أن يعيد رسم الخريطة وتحوير الجغرافيا حسب مصالحه وخدمة للنظام العالمي الجديد بشرق أوسط جديد». وفي هذا السياق يقول الكاتب محمد العرب على موقع (الجزيرة نت): «ليست الفوضى التي تضرب العالم العربي اليوم حدثًا طارئًا أو نتيجة أخطائنا العشوائية بل هي حصيلة مشروع طويل الأمد صُمِّم بعناية وتغذّى على هشاشة الداخل قبل أن يُغذّى بتدخل الخارج». وأضاف الكاتب: «حين ننظر إلى الخريطة العربية خلال العقود الأخيرة نكتشف أن ما جرى لم يكن مجرد صراعات قوى أجنبية متفرقة بل مسارًا متكررًا لتفكيك الدول العربية والمسلمة من الداخل وتحويلها من كيانات سيادية إلى ساحات مفتوحة للتجاذب والتجريب». وتساءل: «من المستفيد من أن تبقى الدول العربية ضعيفة متنازعة وممزقة بين الهويات الفرعية؟ من المستفيد من أن تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة صراع دائم بين مختلف الأعراق التي تشكلها؟». وحلل معضلة كل دولة على حدة مبتدئا بالعراق حيث لم يكن الغزو العسكري نهاية القصة بل بدايتها. فبعد إسقاط النظام الجامع بالرغم من كل أخطائه الكارثية وأفدحها احتلال الكويت الشقيقة جرى تفكيك مؤسسات الدولة لا إعادة بنائها فحُلَّ الجيش وتفكك الأمن وفُتحت الأبواب أمام الهويات الطائفية لتملأ الفراغ. وانتهى المحلل الواعي إلى الحقيقة الكبرى حيث أكد أن الهدف لم يكن تغيير نظام فاسد بل إعادة تشكيل وعي مجتمع كامل بحيث يصبح الانقسام هو القاعدة والوحدة استثناءً. وهكذا تحوّل العراق من دولة مركزية قوية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تُدار فيها المعارك بالوكالة. أما في سوريا فلم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا حيث بدأت الأزمة بمطالب سياسية واجتماعية لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية وانقسم المجتمع وتعددت الجبهات وتحوّلت الأرض إلى ساحة اختبار لموازين القوى. فلم تعد القضية فقط من يحكم بل من يملك قرار الحرب والسلم ومن يسيطر على الجغرافيا والموارد وحتى بعد رحيل الطاغية وهزيمة مشروع إيران في سوريا لا يزال هناك من يحاول خلق الفوضى والأزمات!
واستعرض الكاتب الحالة في ليبيا التي كانت نموذجًا صارخًا لتحويل الدولة إلى فراغ فسقط النظام لكن الدولة تمزقت إذ تعددت الحكومات وتنازعت الميليشيات وتحوّل النفط من نعمة إلى لعنة! كل طرف خارجي وجد موطئ قدم وكل قوة رأت في الفوضى فرصة للنفوذ والنتيجة أمامكم: بلاد غنية بالموارد لكن فاقدة السيادة! وانتقل محمد العرب إلى تفكيك الحالة اليمنية حيث تتجلى المأساة بأوضح صورها: بلاد ذات تاريخ عميق وهوية متجذرة تمزقه الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية بين انقلابي ومتمرد يضعف الشرعية اليمنية وهنا لا تُستخدم الحرب فقط لإسقاط دولة بل لإعادة تشكيل وعي شعب بأكمله ودفعه إلى صراع طويل يُنهك الجميع بينما تتقاسم القوى المتدخلة الغنائم والنفوذ على حساب الدم اليمني المهدور! أما في فلسطين فتُختبر ذاكرة الأمة يوميًا لأن هناك لا تُقصف الأرض وحدها ولا يقتل البشر فقط بل تُحاصر الحقيقة وتُشوَّه الرواية ويُطلب من الضحية أن تبرر وجودها! فلسطين ليست مجرد أرض محتلة بل اختبار دائم لضمير العالم ومقياس لمدى قابلية البشر للإبادة وسحق الفلسطينيين واغتصاب أرضهم حين يُقدَّم بلغة قانون القوة! وحلل محمد العرب تفكك السودان حيث تتجلى الصورة بأكثر قسوة. فندرك أن السودان دولة ذات عمق تاريخي وإنساني عريق تُستنزف من الداخل عبر صراعات تتفاقم وتُدار بعناية فلم يكن الانقسام صدفة بل جاء نتيجة تراكمات استُثمر فيها التنوع للتقسيم فيتم تفكيك الدولة عبر إنهاك المجتمع حتى يصبح الوطن ساحة صراع لا مشروع حياة مع وجود طرف ميليشياوي انقلابي متمثل في (حميدتي) ومشروعه. وفي الأنموذج الصومالي وهو المثال الأوضح على ما يحدث حين تترك بلاد كاملة خارج معادلة الاهتمام العالمي بشعب أنهكته الحروب وتُرك للفوضى ثم قُدِّم للعالم كنموذج للفشل لا كضحية لتجارب دولية متعاقبة! ومع ذلك ظل الصومالي متمسكًا بكرامته يثبت أن الشعوب لا تموت حتى لو تآمر الجميع على نسيانها.
واليوم نحن أمام مؤامرة إسرائيلية للتشطير واستغلال ما يسمى (أرض الصومال) بخيراته وموانئه والتصاقه بأفريقيا والشرق الأوسط! وتعرض المحلل إلى بقية الدول التي لم تنزلق إلى الحرب المباشرة مؤكدا أنها لم تكن بمنأى عن محاولات التفكيك الناعم! لأن الحروب اليوم لا تُخاض فقط بالسلاح بل بالإعلام والاقتصاد وإعادة تشكيل الوعي فتُضخ في مجتمعاتها سرديات تُفرغ الهوية من معناها ويُعاد تعريف الوطنية بوصفها عبئًا والانتماء بوصفه تهمة كما يُصوَّر الاستقرار على أنه استبداد والفوضى على أنها حرية. ويهتدي (محمد العرب) إلى أن المفارقة أنَّ كل هذا التفكيك المبرمج يحدث تحت شعارات براقة: الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات ومكافحة الإرهاب أي شعارات نبيلة في ظاهرها لكنها تُستخدم أحيانًا كأدوات ضغط لا كمبادئ إنسانية خالصة وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين تختلط القيم بالمصالح ويصعب التمييز بين الإصلاح الحقيقي والتفكيك الممنهج! ثم يطرح الكاتب السؤال الأهم وهو: من المستفيد إذًا من تفكيك دولنا؟ الجواب: «المستفيد هو كل من يرى في العالم العربي مجرد مساحة نفوذ وسوق سلاح وممر طاقة وساحة تصفية حسابات والمستفيد هو كل من يخشى قيام دول عربية قوية مستقلة القرار قادرة على إنتاج المعرفة والثروة وهو أيضًا من يجد في الانقسام الداخلي فرصة لتمديد نفوذه بأقل كلفة! ويستخلص المحلل العبرة التي تبعث الأمل في النفوس وهي أن التاريخ يثبت أن الشعوب التي تدرك مكامن الخطر قادرة على استعادة وعيها وأن المعركة الحقيقية اليوم ليست عسكرية فقط بل معركة وعي وإدراك أي حين يفهم المواطن أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج بل أحيانًا من السردية التي تزرع في داخله وعندما يعود هذا الوعي الضروري تبدأ أولى خطوات الخلاص. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء الإنسان وباستعادة معنى الانتماء وبفهم أن الخلاف السياسي لا يعني هدم الوطن فالدول لا تُحطَّم بالقنابل وحدها بل حين يفقد أبناؤها الإيمان بها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2859
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2613
| 09 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
2337
| 15 يونيو 2026