رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الدعوات الجميلة التي كنا صغاراً نسمعها من الشيخ يوسف القرضاوي، وهو يبدأ برنامجه الأسبوعي "هدي الإسلام" بتلفزيون قطر: "اللهم يا معلّم آدم وإبراهيم، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما"، انطلاقاً من الوصية الإلهية لنبيه الكريم –صلى الله عليه وسلم– الاستزادة من العلم (وقل رب زدني علما)، وفيها إشارة إلى أن قطار التعلم عند الإنسان لا يتوقف، بل لا يجب أن يتوقف، طالما في الإنسان بقية طاقة وقدرة على التعلم وطلب الاستزادة، أو هكذا نفهم الإشارات القرآنية الحاثة على العلم والتعلم.
من قال أنا عالم فقد جهل. أو هكذا نص الحديث –بغض النظر عن درجة صحته– لكن معناه صحيح وواضح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يقول عن نفسه عالم، دون تحديد مجال واختصاص معين دقيق. كما أنه لا يمكن لإنسان في هذا العصر الزعم بأنه اكتفى من العلم، أو ليس بحاجة لأن يتعلم أكثر مما تعلمه.
نعم قد يصل المرء منا إلى حد عميق في تخصصه، لكن ماذا عن بقية التخصصات والعلوم والمعارف؟ لا أقول بالطبع أن يتعلم كل العلوم كما يتعلمها المتخصصون فيها، ولكن شيئاً من كل شيء، تماماً كما أخذ تقريباً كل شيء من شيء واحد، في إشارة إلى التخصصية.
موسى والخضر
في سياق التزود بالعلم، يضرب القرآن لنا مثلاً بنبي الله موسى -عليه السلام- حين جاء يوماً فخطب أمام حشد كبير من بني إسرائيل، ثم سأله سائل: هل هناك من هو أعلم منك يا موسى؟ فأجاب دون تردد: لا. إجابته السريعة تلك ربما لاعتقاده أنه لم يكن هناك على الأرض حينها أحد غيره له صلة بالسماء يأتيه الوحي من الله، وبالتالي هو يعرف ما لا يعرفه بقية البشر.
لكن الله أوحى إليه فوراً أن يا موسى: هناك من هو أعلم منك. فتعجب من ذلك وسأل الله أن يدله على ذاك الذي هو أعلم منه. فكانت قصته مع الخضر -عليه السلام- الذي اتفق المفسرون على أنه كان نبياً كُشف له عن بعض ما في الغيب، فحدثت الوقائع الثلاث معه، كما جاءت في سورة الكهف: إتلاف السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار، وهي مفسرة مفصّلة لمن أراد قراءتها والاستزادة فيها.
من هنا يتبين لنا أهمية الاستمرار في التعلم أو التعلم مدى الحياة، وهي مفاهيم انتشرت في السنوات الأخيرة، تفيد كما هو واضح دون كثير شروحات، أن المرء لا يجب أن يقف عند حدود معينة في العلم، إنما عليه الاستمرار في التعلم إلى الدقيقة الأخيرة من حياته -إن كان حينئذ على وعي وقدرة كافيتين- لكسب علم جديد. وقد جاء عن الفاروق عمر- رضي الله عنه- قال: "لا تتعلَّمِ العلْم لثلاث ولا تتركهُ لثلاث.. لا تتعلَّمه لتتمارى به، ولا لتُباهيَ به، ولا لتُرائيَ به، ولا تتركهُ حياءً من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضاً بالجهل به.
هل لرحلة التعلم نهاية؟
حتى تتعلم من الآخرين، لابد أن تتوفر في طالب العلم عدد من الصفات. أهمها، وجود شغف وحب مستمرين نحو التعلم. البعض منا قد يكتفي عند بلوغه نقطة معينة، وتحقيق هدفه من التعلم، أو بلوغ منصب معين، أو تحقيق نجاح وإنجاز كان يهدف الوصول إليه. فيلجأ بعد ذلك الإنجاز إلى ما يسمى بمنطقة الراحة عنده، فيتوقف عن التعلم، مكتفياً بما اكتسبه، معتقداً وصوله لنهاية رحلة العلم.
ذلكم خطأ يرتكبه كثيرون، لأن رحلة العلم والتعلم في الأصل لا تتوقف، بل لا نهاية لها (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، وهي إشارة قرآنية واضحة إلى أن رحلة العلم والبحث لابد لها من الاستمرار، لأن مجال العلم أوسع مما يمكن تخيله، وبالتالي من يرغب في تطوير نفسه واستمرار نموه العقلي والذهني، عليه التنبه لهذه الحقيقة الكونية، وعدم ترك قافلة أو قطار التعلم أبداً.
من الصفات الأخرى المطلوبة في طالب العلم والراغب في استمرار التعلم، ضرورة تقدير الآخرين وعدم التقليل من شأنهم في مسائل التعلم. فقد تحضر مثلاً، ندوة ربما يكون المتحدثون فيها أقل خبرة وسناً منك، فتعتقد أن حضورك مضيعة للوقت. فما الإضافة التي عند هؤلاء يقدمونها لك، أو هكذا يراودك شعور الفوقية ولو للحظات سريعة.
لكن قد تتمالك نفسك وتضبطها فتدخل وتحضر وتستمع إليهم، فتذهلك معارفهم وخبراتهم، لتخرج بعدها وقد أضفت إلى حقيبة خبراتك الحياتية والعلمية الكثير الكثير، والسبب هو ضبطك لذاك الشعور السلبي، أو شعور التعالي على الآخرين ممن هم أقل خبرة وسناً منك، وتواضعك في طلب العلم. تماماً كما حدث مع نبي الله موسى -عليه السلام– الذي دفعه تواضعه مع الخضر لتعلم حكم ودروس معينة قصيرة، وكان بالإمكان أن يزيد عددها لو كان قد تحلى ببعض الصبر على مشقة التعلم مع الخضر، كما ورد عن النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم-: "رحم الله أخي موسى، لو صبر لأرانا من عجائب علم الله عند الخضر عليه السلام".
التواضع والصبر
مما سبق يتبين لنا أهمية التواضع في طلب العلم وأهمية الصبر أثناء التعلم. وهما دعامتان أساسيتان لأي رحلة تعلم ونمو مستمر ناجحة تريد القيام بها، والبحث عن أصحاب القدرات والمهارات التي لا تمتلكها، أو لم تحظ بفرصة لكسبها وتعلمها.
إن استطعت أن تتصل بصاحب مهارة أو علم محدد، ولو كان في سن أصغر منك، وطلبت أن تتعلم منه بصورة وأخرى، ووافق برحابة صدر على ذلك، فهذا إنجاز لابد أن تتواضع وتصبر وتحرص عليه وتستمر فيه. حاول إذن أن تتعلم من أي أحد، أي شيء مفيد. ولا تمنعك مشاعر المكانة الاجتماعية أو المادية أو حتى السن أن تتعالى وتتكبر، لأن الخاسر هاهنا هو أنت لا أحد غيرك.
حتى تتعلم أو تكسب علماً، لابد أن تصفي نفسك من كل موانع عدم التعلم، وأهمها روح الكبرياء، كما أسلفنا، أو التعالي لأي سبب كان. لا يمكن أن تتعلم وأنت لا تحترم وتوقر من يعلمك، بغض النظر عمن يكون هذا المعلم. ولن ترتقي بما تعلمته إذا اعتقدت لحظة واحدة أنك اكتفيت من العلم. وكلما تواضعت تعلمت أكثر فأكثر.. وهذا لب حديث اليوم.
قمة جدة التشاورية.. تجسيد للموقف الخليجي الموحد
جاءت القمة الخليجية التشاورية التي عُقدت بجدة أمس، في توقيت بالغ الأهمية، حيث خصص أصحاب الجلالة والسمو قادة... اقرأ المزيد
135
| 29 أبريل 2026
الاستثمار المنسي داخل المؤسسات
عندما يتراجع الأداء في بعض المؤسسات، تتجه أصابع الاتهام سريعًا نحو الموظف، بينما يغيب السؤال الأهم، هل حصل... اقرأ المزيد
144
| 29 أبريل 2026
جبراً أيها المسلمون لا كسراً
اليوم لا أود أن أشغلكم بمقال يخوض في بطون السياسة التي ترهق العقل وتشعل الرأس شيبا ولا بقضية... اقرأ المزيد
171
| 28 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3174
| 22 أبريل 2026
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
1779
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1041
| 24 أبريل 2026