رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت أولى بشارات الخير حصول قطر على حق استضافة مونديال 2022 نهاية العام الماضي وما سيترتب عليه ذلك من إنفاق المليارات على البنية الاساسية والإنشاءات الرياضية في الدولة، وآخرها عزم الدولة والشركات على إنفاق أكثر من 820 مليار ريال قطري في استراتيجيتها الوطنية للتنمية (2011 — 2016) التي أعلنتها الأسبوع الماضي.
الدولة، وبتوجيهات من سمو أمير البلاد المفدى وولي عهده الأمين — حفظهما الله — عملت الكثير للتخفيف من أعباء الأزمة العالمية على قطاعات الدولة الاقتصادية، وكان لها دور فعال في تجنيب الكثير من البنوك خسائر كبيرة في قيامها بشراء المحافظ والاستثمارات العقارية التي كانت عالقة كشوكة في حلوق البنوك المحلية. فقد مولت البنوك وضخت مبالغ كبيرة في استثمارات عقارية كبيرة في الدولة وخارجها خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدها العالم في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي. ولما انتهت الطفرة وجاءت الفكرة لم يستطع الدائنون تسديد استحقاقات البنوك نظراً لانخفاض الأسعار وتقلص رغبات الشراء وقلة السيولة النقدية في أيديهم. وكانت الخطوة الحكومية في شراء المديونيات طوق النجاة للقطاع المالي.
خلال الفترة الماضية، كنا نجادل زوارنا في أن الأزمة التي عصفت بالعالم لم تصب قطر إلا شطحاً، وأن الاقتصاد القطري قوي بما فيه الكفاية ليمضي قدما في إنجاز تطلعات الدولة لبناء دولة يفتخر بها زوارها قبل ابنائها (وهو كذلك إن شاء الله). وكنا نغض الطرف عن رافعات البناء المتوقفة والأبراج غير المكتملة وخاصه في جزيرة اللؤلؤة، أملاً في أن نراها بعد مدة وقد عاد العمل فيها بشكل سريع يتوافق مع وتيرة وسرعة تطور النهضة القطرية. البعض عاد للعمل، إلا أن المدة طالت للبعض الآخر أكثر مما توقع أكثر المتشائمين.
مناسبة حديثي هذا، هي "معرض قطر السادس للعقار والاستثمار" الذي عقد خلال الفترة من 22 : 25 مارس الماضي. لم يتسن لي — للأسف — زيارة المعرض، ولكني استمعت إلى مدير إحدى الشركات العقارية المشاركة وإلى بعض الأخوة من زوار المعرض.
يقول صاحبنا مدير الشركة إنه انفق أكثر من مليون ونصف المليون للمشاركة بالمعرض المذكور ومعارض أخرى مشابهة في دول الخليج للترويج عن الوحدات التي يرغب في بيعها بمشروع جزيرة اللؤلؤة. إلا أنه صُدم من ضعف الإقبال في المعرض بالنسبة للشركات المشاركة محلياً ودولياً وقلة عدد الزوار. فقد شاركت 11 شركة محلية فقط و33 شركة خليجية ودولية في المعرض. وغاب عنه العديد من الشركات الكبرى، أهمها الشركة المتحدة (UDC) وهي الشركة المالكة والمطورة لمشروع جزيرة اللؤلؤة، وشركة الأرض التي تملك 17 برجاً وشركة الصبان التي تملك أكثر من برج في الجزيرة. كما أن عدد الزائرين كان ضئيلاً مقارنة بالأعوام السابقة. وكانت اهتمامات أكثرهم تنحصر في تجميع الكتلوجات والهدايا التعريفية، ولم تكن لهم أي رغبة في مناقشة عروض الشراء أو الاستماع لمندوبي الشركة. ويسترسل أخونا في انه ذهل من أن القلة التي أبدت رغبة في مناقشة العروض التي قدمتها الشركة (3 أشخاص فقط)، عزفت تماما عن التباحث في الأسعار لدى علمها بأن المشروع يتعلق بجزيرة اللؤلؤة. فقد كانت ملاحظاتهم أن مشروع اللؤلؤة يواجه مشاكل جمة وأن الأسعار لا تقارب المستوى المعروف لمثل هذه المشاريع. كما أن الشروط والرسوم الشهرية والسنوية المفروضة على سكان الجزيرة لا تشجع أحدا على الاستثمار أو السكن. وكما يقول أحدهم: "أن أعيش في باريس أرخص من أن أسكن في اللؤلؤة".
يقول مديرو الشركات المستثمرة وشركات التطوير إنهم استنفدوا جميع سبل التسويق خلال الفترة الماضية ولم يحققوا أي نتيجة خلال المعرض السادس ولم يبق لهم إلا المشاحنات القانونية في المحاكم. وقد بلغ اليأس بأحد المستثمرين أن قام بالدعاء "أن يغرق تسونامي الجزيرة بكاملها حتى يتخلص من التزاماته ومشاكله بشكل قانوني وتحت بند الظروف القاهرة. وكما يقول: أخسر دفعة الـ 20% ولا أخسر مجهود عمري كله على هذه الجزيرة ".
تحدثت لاحقاً مع أحد الزملاء المستثمرين في أحد الأبراج بجزيرة اللؤلؤة، وكان انطباعه أن الوضع في المشروع بالنسبة للمستثمرين سيئ جداً. فهم بين نارين، نار التزاماتهم مع المقاولين والملاك والشركة المتحدة UDC في اتمام البناء، ونار توقف حركة بيع الوحدات السكنية ومطالبات البنوك.
الدولة تدخلت مشكورة بشكل إيجابي في تقليل الآثار السلبية التي عصفت بالعديد من قطاعات الاقتصاد. فقد اسعفت البنوك كما ذكرنا سالفاً وضخت المليارات في مشاريع تقوم عليها المئات من الشركات، وفيما يتعلق بمشروع جزيرة اللؤلؤة، فقد كان دعم الدولة لها غير محدود في العديد من المجالات. وكمثال، فقد ذكر لي احد العاملين بقطاع الكهرباء والماء ان الدولة قامت بشراء شبكة الكهرباء والمياه في الجزيرة من الشركة المتحدة بـ 1.4 مليار ريال بعد أن تورطت الشركة في عدم قدرتها على ادارتها وصيانتها بالشكل الصحيح، بالرغم من ان تجهيزات الشبكة في الجزيرة لا تتوافق مع الشبكة المعمول بها في الدولة، وقامت أجهزة الدولة ممثلة في كهرماء بصرف مئات الملايين لعمل التعديلات اللازمة لإدارتها وصيانتها بشكل صحيح.
يقول صاحب الشأن إن الشركات المستثمرة تعرض الوحدات السكنية في أبراج اللؤلؤة بأقل من أسعار التكلفة، إلا أن السعر يظل أعلى من القيمة السوقية لمشاريع مماثلة في اللؤلؤة أو خارجها، وأنهم بالرغم من اجتماعاتهم المتكررة مع مسؤولي الشركة المتحدة وطلبهم إعادة النظر في الأسعار والرسوم وتخفيضها ليتمكنوا من مجاراة الأسعار السائدة في السوق، إلا أن الشركة لم تبد اي تجاوب في هذا الشأن. فهي اقل المتضررين وأقل المتحمسين لإيجاد حل لهذه المعضلة.
نعرف أن أسعار التكلفة للمستثمرين وللشركات التي باعت بها الشركة المتحدة في بداية المشروع تراوحت بين 6،000 و 8،000 ريال للمتر المربع. أي أن الجدوى الاقتصادية المبني عليها تطوير الجزيرة كانت أقل من هذا السعر. ونعرف أنها وصلت بأسعار البيع الى 19،000 ريال مع الطفرة العقارية بسبب حمى الشراء وبسبب ارتفاع تكلفة البناء. ونعرف ايضاً أن زيادة تكلفة البناء لم تصل اطلاقاً الى 100% من الأسعار التي كانت سائدة قبل الطفرة. وعليه، فإن مجال ومرونة تعديل الأسعار قائمة اذا رغبت الشركة المتحدة في تسهيل الأمور لتحويل الجمود القائم حالياً الى حركة بيع وشراء تحيي الجزيرة.
وأقول إن الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة والعالم، تتطلب التفكير في حلول استثنائية للخروج بأقل الأضرار للشركات وللمستثمرين في جزيرة اللؤلؤة. ولن نكون اتكاليين في الاعتماد على الدولة في كل شيء لنطلب منها التدخل بشكل مباشر بالشراء لإنقاذ المشروع، ولكن نطلب منها النظر لإيجاد حلول تفرض على الأطراف المعنية تقديم تنازلات تمثل أهون الضرر للخروج من أزمة الجمود القائمة حالياً في الجزيرة.
بالنسبة للمستثمرين والمطورين، فقد أبدوا الاستعداد لتقديم تنازلات مؤلمة لتقليص خسائرهم، وعلى الشركة المتحدة واي أطراف أخرى أن تفعل الشيء نفسه. ويمكن للحكومة تحمل تكاليف الرسوم التي تفرضها الشركة المتحدة على ملاك الوحدات السكنية وتسقطها من حساباتهم لتشجيع المستثمرين على الشراء في وحدات اللؤلؤة، وذلك باعتبار الجزيرة كأي منطقة في الدوحة. إذ أن امتلاك أي وحدة سكنية في الدوحة لا يتطلب دفع رسوم، في حين أنه يتم تحصيل رسوم تغطي كل جزئية من أجزاء جزيرة اللؤلؤة. فأنت تدفع لصيانة الطرق وإزالة القمامة والتمتع بالمساحات الخضراء... إلخ.
وكما تقوم الدوله مشكورة بنشاطها المعروف للتوسط لحل معضلات ومشاكل عربية ودولية، فإننا ندعوها للتوسط لحل هذه المعضلة ودعوة الأطراف المعنية (الشركة المتحدة — المستثمرين — المطورين — البنوك) للجلوس على طاولة المفاوضات بجزيرة اللؤلؤة، والتباحث لإيجاد حل يعيد للجزيرة روحها المفقودة.
تضافر الجهود وتقديم التنازلات سيؤديان بعون الله إلى إعادة حركة البناء والبيع والشراء، وبالأخص إعادة إحياء الجزيرة كمعلم من معالم قطر الحديثة.
عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم في أواخر 2007 وتداعياتها في السنين التي تلتها، كانت قطر — والحمدلله - الأقل تضررا مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي. فقد استطاعت الدولة أن تصمد أمام العاصفة بثوابت اقتصادية كثيرة، اهمها عزم الدولة في عدم الانكفاء على نفسها تقشفاً كما حدث في السابق بعد انهيار أسعار البترول في الثمانينيات من القرن الماضي. بل أظهرت عزيمة جيدة في التزامها بالمضي قدما بجميع المشاريع التي سبق أن أعلنتها. العزيمة هذه أعطت انطباعا جيداً للسوق وللمستثمرين - محليين وخارجيين - بأن الانفاق الحكومي سيظل يجري في عروق ومفاصل الدولة في كافة المجالات، لتظل حركة الاقتصاد على وتيرتها السابقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4536
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4143
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
990
| 12 مايو 2026