رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت أولى بشارات الخير حصول قطر على حق استضافة مونديال 2022 نهاية العام الماضي وما سيترتب عليه ذلك من إنفاق المليارات على البنية الاساسية والإنشاءات الرياضية في الدولة، وآخرها عزم الدولة والشركات على إنفاق أكثر من 820 مليار ريال قطري في استراتيجيتها الوطنية للتنمية (2011 — 2016) التي أعلنتها الأسبوع الماضي.
الدولة، وبتوجيهات من سمو أمير البلاد المفدى وولي عهده الأمين — حفظهما الله — عملت الكثير للتخفيف من أعباء الأزمة العالمية على قطاعات الدولة الاقتصادية، وكان لها دور فعال في تجنيب الكثير من البنوك خسائر كبيرة في قيامها بشراء المحافظ والاستثمارات العقارية التي كانت عالقة كشوكة في حلوق البنوك المحلية. فقد مولت البنوك وضخت مبالغ كبيرة في استثمارات عقارية كبيرة في الدولة وخارجها خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدها العالم في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي. ولما انتهت الطفرة وجاءت الفكرة لم يستطع الدائنون تسديد استحقاقات البنوك نظراً لانخفاض الأسعار وتقلص رغبات الشراء وقلة السيولة النقدية في أيديهم. وكانت الخطوة الحكومية في شراء المديونيات طوق النجاة للقطاع المالي.
خلال الفترة الماضية، كنا نجادل زوارنا في أن الأزمة التي عصفت بالعالم لم تصب قطر إلا شطحاً، وأن الاقتصاد القطري قوي بما فيه الكفاية ليمضي قدما في إنجاز تطلعات الدولة لبناء دولة يفتخر بها زوارها قبل ابنائها (وهو كذلك إن شاء الله). وكنا نغض الطرف عن رافعات البناء المتوقفة والأبراج غير المكتملة وخاصه في جزيرة اللؤلؤة، أملاً في أن نراها بعد مدة وقد عاد العمل فيها بشكل سريع يتوافق مع وتيرة وسرعة تطور النهضة القطرية. البعض عاد للعمل، إلا أن المدة طالت للبعض الآخر أكثر مما توقع أكثر المتشائمين.
مناسبة حديثي هذا، هي "معرض قطر السادس للعقار والاستثمار" الذي عقد خلال الفترة من 22 : 25 مارس الماضي. لم يتسن لي — للأسف — زيارة المعرض، ولكني استمعت إلى مدير إحدى الشركات العقارية المشاركة وإلى بعض الأخوة من زوار المعرض.
يقول صاحبنا مدير الشركة إنه انفق أكثر من مليون ونصف المليون للمشاركة بالمعرض المذكور ومعارض أخرى مشابهة في دول الخليج للترويج عن الوحدات التي يرغب في بيعها بمشروع جزيرة اللؤلؤة. إلا أنه صُدم من ضعف الإقبال في المعرض بالنسبة للشركات المشاركة محلياً ودولياً وقلة عدد الزوار. فقد شاركت 11 شركة محلية فقط و33 شركة خليجية ودولية في المعرض. وغاب عنه العديد من الشركات الكبرى، أهمها الشركة المتحدة (UDC) وهي الشركة المالكة والمطورة لمشروع جزيرة اللؤلؤة، وشركة الأرض التي تملك 17 برجاً وشركة الصبان التي تملك أكثر من برج في الجزيرة. كما أن عدد الزائرين كان ضئيلاً مقارنة بالأعوام السابقة. وكانت اهتمامات أكثرهم تنحصر في تجميع الكتلوجات والهدايا التعريفية، ولم تكن لهم أي رغبة في مناقشة عروض الشراء أو الاستماع لمندوبي الشركة. ويسترسل أخونا في انه ذهل من أن القلة التي أبدت رغبة في مناقشة العروض التي قدمتها الشركة (3 أشخاص فقط)، عزفت تماما عن التباحث في الأسعار لدى علمها بأن المشروع يتعلق بجزيرة اللؤلؤة. فقد كانت ملاحظاتهم أن مشروع اللؤلؤة يواجه مشاكل جمة وأن الأسعار لا تقارب المستوى المعروف لمثل هذه المشاريع. كما أن الشروط والرسوم الشهرية والسنوية المفروضة على سكان الجزيرة لا تشجع أحدا على الاستثمار أو السكن. وكما يقول أحدهم: "أن أعيش في باريس أرخص من أن أسكن في اللؤلؤة".
يقول مديرو الشركات المستثمرة وشركات التطوير إنهم استنفدوا جميع سبل التسويق خلال الفترة الماضية ولم يحققوا أي نتيجة خلال المعرض السادس ولم يبق لهم إلا المشاحنات القانونية في المحاكم. وقد بلغ اليأس بأحد المستثمرين أن قام بالدعاء "أن يغرق تسونامي الجزيرة بكاملها حتى يتخلص من التزاماته ومشاكله بشكل قانوني وتحت بند الظروف القاهرة. وكما يقول: أخسر دفعة الـ 20% ولا أخسر مجهود عمري كله على هذه الجزيرة ".
تحدثت لاحقاً مع أحد الزملاء المستثمرين في أحد الأبراج بجزيرة اللؤلؤة، وكان انطباعه أن الوضع في المشروع بالنسبة للمستثمرين سيئ جداً. فهم بين نارين، نار التزاماتهم مع المقاولين والملاك والشركة المتحدة UDC في اتمام البناء، ونار توقف حركة بيع الوحدات السكنية ومطالبات البنوك.
الدولة تدخلت مشكورة بشكل إيجابي في تقليل الآثار السلبية التي عصفت بالعديد من قطاعات الاقتصاد. فقد اسعفت البنوك كما ذكرنا سالفاً وضخت المليارات في مشاريع تقوم عليها المئات من الشركات، وفيما يتعلق بمشروع جزيرة اللؤلؤة، فقد كان دعم الدولة لها غير محدود في العديد من المجالات. وكمثال، فقد ذكر لي احد العاملين بقطاع الكهرباء والماء ان الدولة قامت بشراء شبكة الكهرباء والمياه في الجزيرة من الشركة المتحدة بـ 1.4 مليار ريال بعد أن تورطت الشركة في عدم قدرتها على ادارتها وصيانتها بالشكل الصحيح، بالرغم من ان تجهيزات الشبكة في الجزيرة لا تتوافق مع الشبكة المعمول بها في الدولة، وقامت أجهزة الدولة ممثلة في كهرماء بصرف مئات الملايين لعمل التعديلات اللازمة لإدارتها وصيانتها بشكل صحيح.
يقول صاحب الشأن إن الشركات المستثمرة تعرض الوحدات السكنية في أبراج اللؤلؤة بأقل من أسعار التكلفة، إلا أن السعر يظل أعلى من القيمة السوقية لمشاريع مماثلة في اللؤلؤة أو خارجها، وأنهم بالرغم من اجتماعاتهم المتكررة مع مسؤولي الشركة المتحدة وطلبهم إعادة النظر في الأسعار والرسوم وتخفيضها ليتمكنوا من مجاراة الأسعار السائدة في السوق، إلا أن الشركة لم تبد اي تجاوب في هذا الشأن. فهي اقل المتضررين وأقل المتحمسين لإيجاد حل لهذه المعضلة.
نعرف أن أسعار التكلفة للمستثمرين وللشركات التي باعت بها الشركة المتحدة في بداية المشروع تراوحت بين 6،000 و 8،000 ريال للمتر المربع. أي أن الجدوى الاقتصادية المبني عليها تطوير الجزيرة كانت أقل من هذا السعر. ونعرف أنها وصلت بأسعار البيع الى 19،000 ريال مع الطفرة العقارية بسبب حمى الشراء وبسبب ارتفاع تكلفة البناء. ونعرف ايضاً أن زيادة تكلفة البناء لم تصل اطلاقاً الى 100% من الأسعار التي كانت سائدة قبل الطفرة. وعليه، فإن مجال ومرونة تعديل الأسعار قائمة اذا رغبت الشركة المتحدة في تسهيل الأمور لتحويل الجمود القائم حالياً الى حركة بيع وشراء تحيي الجزيرة.
وأقول إن الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة والعالم، تتطلب التفكير في حلول استثنائية للخروج بأقل الأضرار للشركات وللمستثمرين في جزيرة اللؤلؤة. ولن نكون اتكاليين في الاعتماد على الدولة في كل شيء لنطلب منها التدخل بشكل مباشر بالشراء لإنقاذ المشروع، ولكن نطلب منها النظر لإيجاد حلول تفرض على الأطراف المعنية تقديم تنازلات تمثل أهون الضرر للخروج من أزمة الجمود القائمة حالياً في الجزيرة.
بالنسبة للمستثمرين والمطورين، فقد أبدوا الاستعداد لتقديم تنازلات مؤلمة لتقليص خسائرهم، وعلى الشركة المتحدة واي أطراف أخرى أن تفعل الشيء نفسه. ويمكن للحكومة تحمل تكاليف الرسوم التي تفرضها الشركة المتحدة على ملاك الوحدات السكنية وتسقطها من حساباتهم لتشجيع المستثمرين على الشراء في وحدات اللؤلؤة، وذلك باعتبار الجزيرة كأي منطقة في الدوحة. إذ أن امتلاك أي وحدة سكنية في الدوحة لا يتطلب دفع رسوم، في حين أنه يتم تحصيل رسوم تغطي كل جزئية من أجزاء جزيرة اللؤلؤة. فأنت تدفع لصيانة الطرق وإزالة القمامة والتمتع بالمساحات الخضراء... إلخ.
وكما تقوم الدوله مشكورة بنشاطها المعروف للتوسط لحل معضلات ومشاكل عربية ودولية، فإننا ندعوها للتوسط لحل هذه المعضلة ودعوة الأطراف المعنية (الشركة المتحدة — المستثمرين — المطورين — البنوك) للجلوس على طاولة المفاوضات بجزيرة اللؤلؤة، والتباحث لإيجاد حل يعيد للجزيرة روحها المفقودة.
تضافر الجهود وتقديم التنازلات سيؤديان بعون الله إلى إعادة حركة البناء والبيع والشراء، وبالأخص إعادة إحياء الجزيرة كمعلم من معالم قطر الحديثة.
عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم في أواخر 2007 وتداعياتها في السنين التي تلتها، كانت قطر — والحمدلله - الأقل تضررا مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي. فقد استطاعت الدولة أن تصمد أمام العاصفة بثوابت اقتصادية كثيرة، اهمها عزم الدولة في عدم الانكفاء على نفسها تقشفاً كما حدث في السابق بعد انهيار أسعار البترول في الثمانينيات من القرن الماضي. بل أظهرت عزيمة جيدة في التزامها بالمضي قدما بجميع المشاريع التي سبق أن أعلنتها. العزيمة هذه أعطت انطباعا جيداً للسوق وللمستثمرين - محليين وخارجيين - بأن الانفاق الحكومي سيظل يجري في عروق ومفاصل الدولة في كافة المجالات، لتظل حركة الاقتصاد على وتيرتها السابقة.
مجرم وقاتل قطري
تتابع الأوساط القطرية بقلق شديد تزايد حالات القتل والاعتداءات التي تمارس ضد المواطنين والمقيمين بطريقة منهجية لأكبر الحوادث... اقرأ المزيد
2456
| 13 مارس 2012
من يحمي حقوق المواطنين في اللؤلؤة؟
لم أكن أرغب فى ان استرسل فى هذا الموضوع الذى تطرقت له فى مقالين سابقين فى 3 و12... اقرأ المزيد
2249
| 30 يناير 2012
"الهيبة تقضي على الوقاحة"
تلقيت دعوة كريمة من وزارة الداخلية للمشاركة في ملتقـى السـلامة المـرورية الذي انعقد يـوم 24/1/2012 بفندق شيراتون الدوحة،... اقرأ المزيد
857
| 29 يناير 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3552
| 23 سبتمبر 2026