رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن من يحظى بأقل درجات الإنصاف فإنه يجد نفسه يمتلئ بالاعتزاز بأن يكون رئيس مصر رجلا في مكانة الدكتور محمد مرسي، ومن يفيض قلبه حبا للدكتور مرسي يجد نفسه معتذرا عن مواقف من الدكتور الرئيس، وهناك قسم ثالث وهم الذين حملوا راية الحقد الأسود أو الخوف الأعمى من الإسلاميين فراح يحمل الفضيحة لا النصيحة، والتجريح لا التصحيح، وصار منفلتا من كل سياج أخلاقي، أو اعتبار وطني، فصرتَ لا تسمع منه إلا قذفا، ولا ترى إلا قذى، ولا ينطق إلا عن هوى، ولا يكتب إلا كذبا، ولا يرمي إلا بهتانا لدرجة أن لفَّق أحد أصحاب الشاشات قصة رخيصة أن مرسي منعدم الإنسانية لأنه – كطبيب – رفض علاج طفل يحتضر على يدي أبيه المسكين لأن الأب لم يدفع ال 300 جنيه قبل الكشف الطبي، فمات الطفل بسبب قسوة الدكتور الطبيب مرسي، على حد كذبه، لأن د. مرسي لم يكن طبيبا يوما واحدا!! بل هو الدكتور المهندس لا الطبيب، لكنا هنا نقدم لرئيسنا اعتزازنا بكونه حافظا للقرآن، وحفظه للقرآن يحفظه من الخلل والمؤامرات والكيد والمكر، لقوله تعالى: "وَِإذَا تَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَْخِرَةِ ْ قَرَأ حِجَابًا مَسْتُورًا" (الإسراء: 54 )، وآية الكرسي وحدها من جوامع الحفظ الرباني لمن يحفظها ويرددها بقلبه وعقله ووجدانه، بل حفظ القرآن مصدر من أكبر مصادر الهدى والرشاد، ونعتز برئيسنا د محمد مرسي لأنه أستاذ جامعي من نوابغ مصر في الهندسة، والله تعالى يقول: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ وتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة: من الآية 11 )، وقد أورد ُ أ السيوطي بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".
وقد نَقل إلينا في جامعة القاهرة أحد مستشاري المخلوع حسني مبارك عندما أضربنا عن العمل يوما واحدا احتجاجا على اغتصاب وزير داخليته زكي بدر أرضنا بنادي هيئة التدريس، فجاءنا مستشاره برسالة من الرئيس: (قول لأساتذة الجامعة دول، إذا كانوا عندهم دكتوراه في العلم، أنا عندي دكتوراه في العند!)، فالحمد لله تخلصت مصر من صاحب الدكتوراه في العند، وانتخبوا لأول مرة رئيسا مدنيا عنده دكتوراه في العلم من أعرق جامعات أمريكا وقدم أبحاثا عديدة في تطوير مركبة الفضاء في وكالة ناسا، ونعتز برئيسنا الذي فاز بأفضل برلماني في العالم بالمعايير العالمية رغم كل الأذى والتضييق الذي كانت تعاني منه الكتلة البرلمانية الإسلامية، ونعتز به أن شكل مع إخوانه حزبا قويا "الحرية والعدالة" في وقت قياسي، وفاز – في أجواء عصيبة – بأغلبية نسبية في انتخابات البرلمان والشورى والنقابات، واستطاع أن يجمع الكثير من الشتات المصري في أكبر تكتل سياسي، ونعتز برئيسنا الشجاع الذي خرج عن البروتوكولات ووقف بصدره العاري أمام جماهير الثوار في ميدان التحرير وأقسم اليمين أمامهم شعبا قبل أن يذهب إلى المحكمة الدستورية المشكَّلة من الرئيس المخلوع ليعلن للشعب أنني منكم ولكم قبل كل شيء، ونعتز بالرئيس أن كان أول استعمال لسلطاته التشريعية أن أصدر قانونا بمنع حبس الصحفيين في قضايا النشر، رغم صدور حكم المحكمة بسجن صحفي بسبب واقعة سب للرئيس، ونعتز به أن اتخذ قراره الشجاع، بتغييرات واسعة النطاق في المجلس العسكري والجيش ولم يفوت فرصة إلا اعتز بأحرار وأبرار الجيش المصري، ونعتز به أن لم يترك الفساد ينهش في لحم وشحم وعظم مصر، بل طارده وقاومه، وقدم من القوانين ما جعل الفارق بين موظفي الدولة محدودا، فبدلا من موظفين يحصلون على أقل من 100 جنيه في الشهر وآخرين يحصلون على الملايين في الشهر لا السنة، صار الحد الأدنى 600 جنيه، والأعلى 50.000 جنيه، ونعتز بك رئيسنا أن أنجزت دستورا لمصر - يستحق الذكر والشكر- يرد لكل مصري حريته وكرامته وحقوقه، ونعتز به رئيسا يرفع رأس مصر العروبة والإسلام سواء في أوروبا أو أمريكا أو الهند أو الصين أو باكستان أو دول الخليج أو جنوب إفريقيا أو السودان، ويعتز بمذهب أهل السنة والجماعة في إيران، ويترضى على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخاطب رؤساء 40 دولة لوقف العدوان على غزة حتى أوقف هذا الظلم على أهلنا في غزة بعد أن كان هذا الظلم من رجال أمن الدولة حيث كان الضرب والقتل والتعذيب يصدر من الرئاسة والمخابرات وأمن الدولة لرجال المقاومة على يد النظام السابق، ومواقف أخرى لا ينكرها إلا جاحد ولا ينفيها إلا حاقد.
في الوقت نفسه صرنا نعتذر عن رئيسنا مرارا ونتساءل مع أبناء شعبنا عن مواقف يحتاج أن يراجع نفسه فيها تكرارا، لأنك منا ونحن منك، ومما نعتذر عنه البطء في اتخاذ القرارات في الأوقات المناسبة والتحرك في إصلاح مؤسسات الدولة بخطى وئيدة لا تتناسب مع كونك رئيسا ثائرا منتخبا من الثوار، نعتذر عنك فخامة الرئيس لأنك دخلت على مؤسسة الرئاسة وكانت تدير البلد بكل أنواع الظلم والقهر والفساد فأبقيت على 3000 في الرئاسة ودخلت بثلاثين من كرام أنصارك لا يكفون لإدارة محافظة من محافظات مصر الكبرى، وتحديات الثورة ومؤامرات الخارج وخيانة الداخل وصفاقة بعض أجهزة الإعلام وتعشش وتحكم الدولة العميقة، وأنصار المخلوع في مفاصل البلد، في الوقت الذي يدخل فيه الرئيس الأمريكي ب 6500 شخص يختارهم دون أن يراجعه الكونغرس أو تطارده وسائل الإعلام بالانحياز لحزبه وعشيرته، نعتذر عن رئيسنا وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة والشرطة أنه لم يأت بفرقة من الصاعقة من جيشنا المصري العظيم كي تحمي هيبة الدولة وقصر الرئاسة، ومرت 9 أشهر تتراجع فيها هيبة الدولة ويتساقط أمن المواطن، وتهدَّم المنشآت، وتعطَّل الطرقات، وينتشر في أرجاء مصر 300 ألف بلطجي منهم 93 ألف مسجل خطر ولا يزال رئيسنا متحرجا مترددا أن يدخل إلى جهاز الشرطة مغيرا للخونة ومصلحا للمرتعشين ومضيفا لشرفاء الشرطة ما يكفي لتحقيق الأمن سواء بقرار رئاسي أو تشريع قانوني عن طريق مجلس الشورى يضمن أبجديات الأمن والأمان لمصر التي تحبها، وللمصريين الذين انتخبوك أو عارضوك.
نعتذر عن رئيسنا أنه ترك لبعض وكلاء النيابة العنان أن يفسدوا هيبة القضاء وأن ينحازوا إلى المجرمين، فتضبط الشرطة البلطجي قاتلا معه سلاحه مصوَّرا بكاميرات التلفزيون والتليفون واليوتيوب، ثم تفرج النيابة عنهم ليخرج مفسدا مهددا قاتلا في اليوم نفسه، فهل تجوز معاملة اللئام بما يعامل به الكرام؟!، ولا يخفى على فخامتك أن الحرية المطلقة هي المفسدة المطلقة، وأنه لا عصمة لمجرم قاضيا أو متهما، إعلاميا أو صحفيا، أستاذا أو طالبا، مستثمرا أو عاملا، نعتذر عنك فخامة الرئيس أننا مع قطاع عريض من أبناء شعبك ومحبيك ومؤازريك ومناصريك وجميعهم يكادون يحلفون عليك بالله أن تخرج لشعبك ليس ساعة بعد منتصف الليل كل شهر، بل خمس دقائق كل أسبوع. تصارح شعبك، وتخبرهم بالحقائق، وتخاطبهم بالأرقام، وتستثير حميتهم أن يشاركوك حمل أمانة مصر الكبيرة التي يتآمر عليها الكثير في الداخل والخارج، والشارع كله الآن يتحدث أين الرئيس، لماذا نرسل النصائح ونقدم الحلول ولا يردُّ علينا ولا يعود علينا أعوان الرئيس بإجابة ولو برسالة على التليفون. فخامة الرئيس لقد صرنا حيارى بين مشاعر متدفقة من الاعتزاز بك رئيسا تستحق الحب والتقدير، والاعتذار عنك رئيسا يحتاج إلى مزيد من التغيير والتأثير! نريد كما تصلي في أول الوقت ولا تؤخر الصلاة عن أول وقتها أداءً، أو بعد فوات وقتها قضاء أن تتخذ القرارات في أول الأزمات، قالت العرب: "وفاز باللذة الجسور".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1845
| 20 أكتوبر 2026