رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن سلاح العقوبات الأمريكية الذي بدأت واشنطن في استخدامه منذ العام 1807 حين أصدرت ما عرف بقانون الحظر، أصبح يفقد قوته الفتاكة؛ إلا أن واشنطن مازالت تصر على استخدامه بكثرة، فلا يمضي شهر أو شهران وإلا يسمع العالم بضحية جديدة للعقوبات الأمريكية، وليست الضحايا هي الحكومات والأنظمة الحاكمة وإنما هي الشعوب المسكينة المكتوية بنار حكامها ونار العقوبات. فالأنظمة والحكومات تعود إلى واشنطن لتصالحها وتتبادل القبلات معها، فها هو الرئيس السوري يعود للمجتمع الدولي بالاحضان عبر البوابة العربية بضوء أخضر أمريكي. اليوم وفي المسرح السوداني تفرض واشنطن عقوبات جديدة على الخرطوم، فيما يبدو أن زيادة الضغط الأمريكي على السودان تحكمه علاقة طردية مع تقدم الجيش السوداني واقترابه من حسم المعركة مع مليشيات الدعم السريع المتمردة عليه. فقد أعلن البيت الأبيض أمس الأول الخميس عقوبات اقتصادية وقيودا على التأشيرات على جهات سودانية شملت الجيش السوداني وهو الجهة المعتدى عليها من قبل المليشيا بل هو الجهة المسؤولة عن حماية أمن واستقرار البلاد.
وقال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن واشنطن فرضت عقوبات على شركات سودانية لدورها في دعم شركات إنتاج أسلحة ومركبات للجيش السوداني، كما فرضت عقوبات على هيئة التصنيع الحربي التي تديرها الدولة وتنتج معدات وأسلحة للجيش. وغضبت واشنطن من تعليق الجيش السوداني للهدنة بسبب عدم انصياع مليشيا الدعم السريع لشروط الهدنة ومنها خروجها من المستشفيات التي اتخذتها ثكنات عسكرية، وفيما تقول الوساطة التي تشارك فيها الولايات المتحدة أن الهدنة معنية بايصال المساعدات الانسانية لا سيما الأدوية والمستلزمات الطبية وتساءل الجيش السوداني عن كيفية ايصال المساعدات الطبية والمستشفيات مازالت محتلة تماما؟.
ولعل السودان سبق له أن بقي يرزح تحت عقوبات أمريكية زهاء ربع قرن من الزمان ثم رفعت مؤخرا قبل نحو 3 سنوات غير أن المفارقة المدهشة أن البلاد شهدت خلال فترة العقوبات تطورا في شتى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية لا سيما في مجالات الصناعات الحربية، بينما شهدت الثلاث سنوات الأخيرة تدهورا مريعا في كل المجالات مع تدخل أجنبي سافر في شؤون البلاد أدى في نهاية المطاف إلى تحريض مليشيا الدعم السريع على الجيش عبر محاولة فاشلة للاستيلاء على الحكم بالقوة. وليس من المنتظر أن تشكل العقوبات الأخيرة ضغضا كبيرا على الخرطوم خاصة في ظل التجاذب الدولي بين القوتين الأعظم في العالم روسيا والولايات المتحدة، حيث يتوفر هامش من المناورة لدى الدول المستضعفة. ويعتقد الجيش السوداني أن العقوبات الأمريكية لن تؤثر كثيرا على مقدراته كون الجيش يقوم بتصنيع ما يحتاجه داخل البلاد منذ عقود مضت ويصدر ما يفيض عن حاجته. فيما قد تؤثر بشكل كبير على مليشيا الدعم السريع، كونها تستهدف الإمبراطورية المالية لأسرة محمد حمدان حميدتي قائد المليشيا. لقد تحدثت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية قبل فترة عن «نهاية عصر العقوبات الأمريكية، وكيف استطاع المتضررون منها حماية أنفسهم منها واجتراح بدائل تجنبهم الآثار السالبة للعقوبات. وأشار تقرير المجلة إلى إفراط الولايات المتحدة في استخدام العقوبات، وكيف أدّى ذلك إلى فقدان هذا السلاح لقيمته وفعاليته على الصعيد الدولي، وخلص إلى أنّ الأيام الذهبية للعقوبات الأمريكية قد تنتهي قريباً.
ويشير تاريخ العلاقات السودانية الأمريكية القريب إلى أن واشنطن فرضت أول عقوبات على نظام الرئيس السابق عمر البشير في نوفمبر 1997 حين أصدر الرئيس الأسبق بيل كلينتون قراراً تنفيذياً بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية له، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأمريكيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان. وبعد نحو عقدين من الزمان ومع سريان الضعف في نظام البشير ثم سعيه عبثا خطب ود واشنطن، ارتفع سقف التفاؤل السوداني بعد شهادات براءة متواترة من قبل مسؤولين أمريكيين تؤكد التزام السودان بالبنود التي تضمنتها خارطة رفع العقوبات والمتمثلة في إحلال السلام، ومواصلة جهود مكافحة الإرهاب، وتقديم تسهيلات في وصول المساعدات الإنسانية لمناطق يسيطر عليها متمردون في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، والإسهام في إحلال السلام في دولة جنوب السودان والتوقف عن دعم جيش الرب في أوغندا.
في ذات الوقت لا تتأخر واشنطن عن اعتماد براغماتية انتهازية حينما تتطلب مصالحها التعامل مع نظام تصفه بالإرهابي. ففي العام 2016 يوليو وبدون مواربة أعلن القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم عن استئناف واشنطن للتعاون الأمني مع الخرطوم وفتح فرص تدريب لعناصر جهاز الأمن والمخابرات السوداني باشراف خبراء من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA). وقبل ذلك وفي اطار سياسة العصا والجزرة مع الخرطوم، قدمت واشنطن عرضا للخرطوم في يناير 2011 برفع العقوبات عليها إذا ما وافقت على نتائج الاستفتاء الذي أدى إلى فصل جنوب البلاد، وذكر حينها المبعوث الأمريكي للسودان برنستون ليمان، أن السودان قد يزال من لائحة الدول التي تعتبرها واشنطن راعية للإرهاب اعتباراً من يوليو من نفس العام، في حال احترام الخرطوم لنتائج استفتاء الجنوب ووافقت الخرطوم على نتائج ذلك الاستفتاء الكارثي، بيد أن واشنطن نكصت عن وعدها.
وظلت مماطلات الولايات المتحدة مستمرة مع رغبتها في فرض نفوذها على الخرطوم واستغلال سعي الأخيرة المضني لرفع العقوبات لأقصى درجة ممكنة، وصولا لتنفيذ كل الشروط الأمريكية المعلنة وغير المعلنة. فالعقوبات فرضت لتحقق أهدافها ولن ترفع إلا إذا تحققت تلك الأهداف، والتي تتلخص في إضعاف السودان أيّا كان نظام الحكم الذي يحكمه خدمة لإستراتيجية أمن إسرائيل التي تقوم على القضاء على كل عناصر القوة في الأمة العربية والاسلامية. كذلك إسقاط نظام حكم البشير أو احتواؤه لتبنيه طرحا وطنيا استقلاليا، فضلا عن ضمان السيطرة على ثروات السودان وابعاد روسيا والصين عنها واستغلالها عند الحاجة إليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3321
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026