رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد موفق زيدان

@ahmadmuaffaq

مساحة إعلانية

مقالات

948

د. أحمد موفق زيدان

لماذا فشلت ثورة 1857 ضد البريطانيين في شبه القارة الهندية؟ 6/6

03 يونيو 2025 , 02:00ص

حجم التجريف والتدمير الذي لحق بمدينة دلهي غير مسبوق في ذلك الزمان، لم يبق سوى خُمس مساحات القصر، وتم انتزاع كل القبب الذهبية ونقلها إلى لندن، أما الرخام النادر الذي كان يُزين بوابات دلهي، فقد تم تحويله إلى مناضد للجيش البريطاني، وتحوّلت كل قصور ظفر، الذي كان في قمة الروعة والفخامة بين قصور العالم يومها، إلى ثكنات ومعسكرات للجيش البريطاني، أما المسلمون فقد حُرموا من دخول المدينة كعقوبة لهم، ويذكر الشاعر غالب الذي سُمح له بالبقاء لتعاونه مع الجيش البريطاني، أنه لم يتعدّ عدد سكان المسلمين في دلهي كلها الألف، بعد أن كانوا نصف عدد سكانها في الماضي.

على الرغم من أن تقرير لجنة التحقيق البريطانية سوندرز قد برأ الثوار، مما اتهمهم به الجيش البريطاني من اغتصاب بريطانيات، إلا أن السردية ظلت رائجة ووثقت اللجنة اغتصاب 300 سيدة من القصر الملكي، بعيداً عن اغتصاب المحظيات للملك.

لم تعد المدينة هي نفسها كما دوّن غالب، فقد بيعت كل الممتلكات الإسلامية من مساجد وأسواق، وحتى المدرسة الرحيمية اشتراها المرابون الهندوس لتتحول إلى محل تجاري. لم تعد المدينة كما عهدها العالم، فقد نهبت المكتبات، وفقدت المخطوطات وأغلقت المدارس، واختفت المطابع والصحف الأوردية من المدينة. وقال غالب يومها إنه لم يتبق سوى شاعرين في المدينة وهما: أزوردا الغارق في صمته، وأنا المصاب بالصدمة، ولكن لم نكتب حتى يُتذوق الشعر، فلم يعد أحد هنا. كانت دلهي أخرى بلا هوية مغولية أوردية تظهر من جديد، وهكذا أرادها المحتلون الجدد.

بدت مرحلة جديدة مختلفة لما بعد سقوط دلهي، حيث انقطع حاضرها بماضيها، مع رحيل حكامها، فلا الشعر المغولي بات يسيطر على ذوق من أتوا، ولا التعايش السلمي غدا هو الرائج بعد أن دعم البريطانيون الهندوس في مواجهة المسلمين، أما العمارة المغولية التي غلب عليها المنمنمات السائدة فقد اختفت منها، بعد أن فرضت عليها العمارة القوطية الاستعمارية، وأشكال من الفن الفيكتوري، وكالعادة تبنى مفتخراً من تبقى من السكان كل ما يخص المحتل الجديد من ثياب وعمارة ومشية ولغة.

لقد بات من الطبيعي والعادي، لكل زائر ولو بشكل سريع إلى مدينة أكرا لرؤية تاج محل أعظم إنجازات العهد المغولي المعماري، فسيجد تماثيل لهندوس بعد ثورة 1857، ولن يجد بالمقابل تمثالاً لأي مغولي، بعد أن ركزت الدعاية التعليمية البريطانية طوال تلك الفترة على أن المغول غزاة متعصبون منحطون يقومون بتدمير المعابد الهندوسية، وهو ما نجحوا في مسح الذاكرة المغولية، وفصل الهند عن تاريخها، حتى لا تتجدد ثورة 1857.

كان جيش المجاهدين بقيادة الجنرال بخت خان وسرفراز قد رفضا الاستسلام، ولجآ إلى لكنهو لمواصلة المقاومة، واستمرت المقاومة لفترة، بينما تمكن البعض من مقربي الملك، من أمثال ظهير دهلوي، وهو الذي كان المخلص للملك، من الهرب والتخفي حتى عام 1911، حيث مات دون أن يتمكن منه الجيش البريطاني، كما تمكن من ملكه وزوجته وأبنائه، وفي أواخر 1858 استعدت بريطانيا في الهند لمحاكمة الملك ظفر بتهمة الخيانة والتمرد على بريطانيا.

كتب راسل الصحفي البريطاني للتايمز الذي التقى الملك في سجنه محملاً البريطانيين مسؤولية ما آلت إليه أوضاع دلهي والإمبراطورية والإمبراطور فقال «لم أستطع الامتناع عن التفكير، وأنا أنظر إلى الرجل الشيخ، أن حكامنا كانوا مسؤولين إلى حد ما عن الجرائم التي ارتكبتها في رأيي، كان منصب الملك من أكثر المناصب التي لا تطاق قبل اندلاع الثورة، قصره كان في الواقع منزلاً قائماً على العبودية، كان يعلم أن الامتيازات القليلة اليائسة التي تركت له، تركت له كاستهزاء من القوة التي كانت لديه، وأنه سيتم سلبها من خلفائه، وسيتم حرمانهم حتى من الحق في العيش في قصرهم، ونفيهم إلى مكان ما خارج جدرانها. رفضنا السماح لأقاربه من العائلة المالكة بالالتحاق بشركة الهند الشرقية، حكمنا عليهم بالعيش المهين، في الفقر والديون داخل حدود قصرهم. الأفضل للمرء أن يموت ألف مرة، عن أن يحيا في مثل هذه الحياة المهينة. ولو أنهم ماتوا وهم يدافعون عن بلادهم لكنت شعرت بالتعاطف مع مصيرهم».

مثُل الملك للمحاكمة الهزلية في الثامن والعشرين من يناير 1858، وكان ابنه جوان حاضراً، قبل أن يحظر دخوله جلسات المحاكمة لوقاحته، وضحكه مع مرافق والده، أما الملك فكان مشتتاً وكئيباً وأقرب إلى حلة النوم منه للصحو. لكنه كان يرفض كل الاتهامات له بالتمرد والثورة.

وبعد شهرين من المحاكمات، حكمت المحكمة بأن ظفر مذنب بالخيانة العظمى، وأن العقوبة هي الإعدام، ولكن نظراً لضمان هودسون له حين قبض عليه، فإن الملك يُنفى إلى المنطقة التي يراها الحاكم العام في دلهي، فكان الخيار أن يتم نفيه إلى رايجون عاصمة بورما اليوم، ليقضي بقية حياته مع المقربين منه، ومن بينهم زوجته وابنها التي لطالما حلمت بأن يكون وريثه، لكن تبدد ذلك كله.

مات الملك ظفر بعد سنوات في مكان احتجازه، أما بيته فقد تحول إلى أشلاء بيت، كما يصفه سجانه الكابتن ديفيز في رايجون، حين تمزق إلى شيع وأحزاب ثلاثة: فزينت كانت حزباً في نفسها، وجيوان بخت وزوجته حزب ثانٍ، وأما شاه عباس وأمه وجدته فيمثلون الحزب الثالث. كان الجميع منفصلاً عن الجميع، فلا تواصل بينهم، أما زينت محل فقد طلبت من السلطات البريطانية العودة إلى دلهي لتقضي بقية حياتها، حيث إن ابنها التي كانت تحلم بالعرش له يضطهدها. كانت تجد راحتها فقط في تعاطي الأفيون، وازداد إدمانها له حتى قضت عام 1882، أما ابنها جيوان فقد قضى بعد عامين من وفاتها بجلطة دماغية وهو في عامه الـ 42، وهكذا أُسدل الستار عن أعظم امبراطورية حكمت المنطقة لقرون.

اقرأ المزيد

تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي

أتفهم حالات التشكيك بأي انتصار للأمة المستضعفة، فقد عاشت الأمة منذ وقت طويل حياة الانكسارات والهزائم والخيبات، حتى... اقرأ المزيد

1026

| 01 يوليو 2025

تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء

التفجير الإرهابي الإجرامي الذي استهدف يوم «الأحد الأسود» كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، والذي راح... اقرأ المزيد

900

| 24 يونيو 2025

سوريا.. الجمهورية الثانية سوريا.. الجمهورية الثانية

في الثامن من ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي، كانت سوريا والعالم العربي والإنساني على موعد جديد في... اقرأ المزيد

1554

| 17 يونيو 2025

مساحة إعلانية