رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا نملك ترف الاستسلام طويلا لنشوة السكرة التي استشعرها كثيرون بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في مصر، حيث لا مفر من مواجهة الفكرة، التي هي أكثر تعقيدا وتلغيما مما يتصوره البعض، وفي المقدمة منهم الرئيس محمد مرسي.
(1)
يوم الأحد الماضي (1/7) نشرت صحيفة الأهرام رسما كاريكاتوريا صور الرئيس مرسي وهو يفكر فيما عليه أن يفعله خلال المائة يوم الأولى من توليه السلطة، وفي الفضاء المحيط برأسه ظهرت عناوين تحدثت عن الأجور والبطالة والتعليم والسياحة والحريات والفن والمرور والأمن. كأنما عليه أن يتعامل مع مشكلات كل تلك القطاعات خلال المائة يوم القادمة. كما نشرت صحيفة «الشروق» تقريرا في اليوم ذاته طالب الرئيس بحل مشكلات الغزل والنسيج خلال تلك الفترة أيضا. وقرأت تعليقا لزميلنا الأستاذ عماد الدين حسين نشر في عدد الشروق قال فيه إن الرئيس مرسي لو نفذ نصف ما وعد به لتحولت مصر خلال فترة قصيرة إلى سنغافورة أو ماليزيا.
هذه الانطباعات من وحي الوعود التي أطلقها الدكتور مرسي بعد فوزه وإعلان تسلمه السلطة رسميا. وكلها تتحدث عن أمنيات الرجل وما يحلم بتحقيقه في عهده. الأمر الذي رفع سقف توقعات الناس بقدر ما رفع من أسهم شعبيته التي كان بحاجة إليها، بعد حملات التشهير القاسية التي تعرض لها منذ ترشحه للرئاسة. وأتفهم جيدا حقه في أن يحلم بعدما فوجئ هو وفوجئت مصر كلها بأن الرجل الذي كان في السجن يوم 28 يناير أصبح رئيسا للجمهورية وجلس على مكتب فرعون مصر، في حين أن الأخير صار سجينا وأودع المستشفى للعلاج، إلا أنني أزعم أن ذلك الخطاب بحدين. فإذا حدثت المعجزة وحقق الرجل ما وعد به فقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه. أما إذا لم يستطع فإنه سيخسر الكثير، ولن يرحمه ناقدوه ناهيك عن المتربصين به والمتصيدين له.
ربما لاحظت أنني استخدمت كلمة «المعجزة» في وصف نجاحه في تحقيق ما وعد به. وقد تعمدت ذلك لأنني أزعم أن نواياه الطيبة وشوقه إلى إحداث نقلة تؤسس لانطلاق ونجاح النظام الجديد دفعاه إلى أن يسرف في التمني. حتى حمل نفسه بما لا يقوى على حمله، إلا إذا جاء مدد من حيث لا نحتسب وهبطت عليه المعجزة المرجوة. وتلك مراهنة إذا كانت مقبولة عند الدعاة والحالمين، فإن السياسيين يعتبرونها فخا يحذرون من الوقوع فيه.
(2)
ربما يذكر البعض أن لدي موقفا معلنا ومنشورا في 21 فبراير الماضي حذرت فيه من إقدام الإخوان على تشكيل الحكومة، وقت إن كان ذلك خيارا مطروحا من جانبهم، وقلت آنذاك إن المجتمع ليس جاهزا لاحتمال حكومة يشكلها الإخوان، كما أن الإخوان ليسوا جاهزين لتشكيل الحكومة، حيث يصعب في بلد بحجم مصر أن تظل الجماعة خارج المنظومة طوال أكثر من ثمانين عاما، ثم تصبح فجأة على رأس المنظومة. وقد تراجع ذلك التحفظ نسبيا حين تنافس مرشح الإخوان على الرئاسة، ثم فاز الدكتور مرسي ووعد بتشكيل حكومة ائتلافية ترأسها كفاءة وطنية من غير الإخوان. وكان تقديري ولا يزال أن الحكومة هي التي ستتحمل المسؤولية التي ستكون موزعة على الجميع، بما يسمح لرئيس الجمهورية بأن ينشغل بالسياسات العليا وبتوجيه الجهاز التنفيذي دون الاستغراق في تفصيلاته. ولذلك اعتبرت أن حمل الرئاسة في هذه الحالة سيكون أخف، وأن نقص الخبرة السياسية أو الإدارية يمكن تعويضه بحكومة ائتلافية قوية.
ما لم أقله آنذاك أن لي رأيا متواضعا في اشتغال أصحاب الرسالات بالعمل السياسي من خلال تشكيل الأحزاب. ذلك أن هدف الحزب هو تبني مشروع يستهدف الوصول إلى السلطة، الذي به يتحقق المراد وبه يقاس نجاحه أو فشله. في حين أن أصحاب الرسالات يستهدفون تغييرا للمجتمع يتجاوز كثيرا حدود السلطة. وفي حالات كثيرة فإن انخراطهم في لعبة السلطة يفسد عليهم مشروعهم الرسالي، من حيث إنه يفتح أمامهم مجال الافتتان بالمناصب والتنافس عليها، الأمر الذي يصرفهم عن أهدافهم الدعوية والتربوية.
الخطر يصبح أشد حين تتولى الجماعة الرسالية المسؤولية لكي تنفذ مشروعها الإصلاحي وهي في قمة السلطة، في حين أن التجارب أثبتت أهمية أن تنطلق حكومة الجماعة الرسالية من القاع إلى القمة وليس العكس. وخبرة الناشطين الإسلاميين مع هذا النهج الأخير لم تكن مبشرة أو مطمئنة. على الأقل فذلك ما تعلموه من فشل محاولات إصلاح المجتمع من القمة في كل من إيران والسودان، وفي تجربة حركة حماس في قطاع غزة.
(3)
طريق الرئيس محمد مرسي ليس مفروشا بالصعاب فقط، ولكنه مسكون بالألغام أيضا. ذلك أنني أزعم أن أمامه ثلاثة أنواع من المشكلات. مشكلات من داخل الساحة الإسلامية - ومشكلات مصدرها الطبقة السياسية - ومشكلات ثالثة مزمنة ومعقدة في الواقع المصري.
فيما أخص مشكلات الساحة الإسلامية، فإن بعضها مصدره جماعة الإخوان ذاتها. التي لم يستقر لديها بعد مبدأ الفصل بين الحزب الذي يباشر النشاط السياسي والجماعة التي تركز على المهام التربوية والدعوية. ذلك أن التداخل بين الطرفين حاصل بشكل لافت للنظر، حيث لا يكف المسؤولون عن المهام الدعوية والتربوية عن الخوض في الشأن السياسي الذي هو صلب مهمة الحزب. ورغم أن الأولين يقومون بالدور الأهم ويؤدون دور الصناعة الثقيلة عميقة التأثير وبعيدة المدى، إلا أن الدعاة لم يستطيعوا مقاومة الإغراء التلفزيوني والحضور الإعلامي. فتكلموا فيما ينبغي أن يتصدى له الآخرون، وبعضهم أضر بأكثر مما نفع وأفسد بأكثر مما أصلح.
في الساحة تيارات أخرى يمكن أن تشكل مصادر مختلفة للضغط الذي قد لا يحتمله الرئيس مرسي. فالدائرة السلفية تتعدد فيها الأصوات التي يجتمع أغلبها حول فكرة تطبيق الشريعة بمفهومها الضيق الذي يصعب على المجتمع هضمه واحتماله في الوقت الراهن، والعقلاء في الدعوة السلفية أو في حزب البناء والتنمية «الجماعة الإسلامية» يتعرضون لضغوط المزايدين الذين يمكن أن يؤدوا إلى إرباك الساحة وتعويق أي تقدم في الاتجاه الصحيح. وذلك كله في كفة وما تفعله عناصر حزب التحرير في كفة أخرى. ورغم قلة أعداد هؤلاء إلا أن كلامهم عن إحياء الخلافة مثلا يمثل نوعا من السلوك العبثي الذي يصب في مجرى الضجيج والإرباك، ناهيك عن أنه يقدم مادة مجانية للراغبين في التشهير والتخويف والاصطياد.
مشكلات الطبقة السياسية متعددة بدورها. فأزمة الثقة بينها وبين الإخوان قائمة وبينها وبين الجماعات الإسلامية الأخرى أشد وأعمق. والمجموعات العلمانية الناشطة في هذا الجانب التي أصرت على احتكار الصفة المدنية وضعت نفسها في موضع التقاطع مع الإخوان، ولم تفتح بابا للتلاقي. في ميل واضح لتكريس الاستقطاب وإشاعة الحرب الأهلية الباردة في الساحة السياسية. وفي ظل ذلك الاستقطاب جرى تعميق الفجوة بين الطرفين من خلال الإلحاح على تكريس فكرة الإسلاموفوبيا، إضافة إلى تحريض الأقباط واستمرار الوقيعة بينهم وبين الإسلاميين، وهذه التعبئة أصابت فكرة الوفاق الوطني في مقتل في مرحلة دقيقة يشكل فيها ذلك الوفاق رافعة لا غنى عنها لدفع مسيرة الثورة.
مشكلات المجتمع، التي هي الأهم والأساس، بلا حصر. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن النظام السابق عمل طوال ثلاثين عاما على تدمير خلايا العافية فيه، وتشويه جميع مؤسساته ومرافقه. حتى بدا وكأنه تحول إلى تل شاهق من الأنقاض. فخدمات التعليم والإسكان والصحة دمرت، وثروته العقارية نهبت وأرضه الزراعية لم تسلم من العدوان المستمر، وصناعته وضعت أمامها العراقيل التي كبلتها وأخرجتها من سوق المنافسة، إلى غير ذلك من التشوهات التي تتطلب سنين لإزالتها. وهو ما يعني أن أمامنا شوطا طويلا لتحقيق أهداف الثورة، من تحقيق العدالة الاجتماعية إلى تأسيس النظام الديمقراطي الجديد.
ثمة عنصر رابع ولا أستطيع أن أسميه مشكلة في الوقت الراهن، لكن أعتبره تحديا حتى إشعار آخر، يتمثل في حدود وطبيعة الدور الذي سيقوم به المجلس العسكري في المرحلة المقبلة وإلى أي مدى سيكون ذلك الدور عبئا على رئيس الجمهورية أو عونا له. خصوصا في ظل الظروف التي تضغط للإبقاء على دور المجلس في الحياة السياسية، ومعروف أن بعض دعاة «الدولة المدنية» يسهمون في تلك الضغوط!
(4)
إذا جاز لي أن ألخص ما سبق فلعلي أقول إن الهم ثقيل والرحلة شاقة وطويلة، والعبء أكبر من الرئيس محمد مرسي وأكبر من أي شخص أو فصيل، بل ومن أي حكومة أيضا. ومن ثَمَّ فإن التبصير بالتحديات أهم وأولى من التعلق بالأمنيات أو الإسراف في الوعود المنوط تنفيذها بمؤسسات وأجهزة أخرى في الدولة. لذلك تمنيت على الرئيس أن يصارح المجتمع بطبيعة وحقيقة تلك التحديات، لكي يتأهب لتحمل مسؤوليته ويصبح مستعدا لدفع ضريبة التقدم المنشود، من جهده وعرق أبنائه.
ترن في إذني دائما كلمات الخطبة التي أعلنها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، حين كلف بتشكيل الحكومة أثناء الحرب العالمية الثانية (14 مايو عام 1940)، وقال فيها إنني أعدكم بالدم والدموع والشقاء والعرق. وهي الرسالة التي كررها في اجتماع مجلس الوزراء وفي مجلس العموم، بعد أن شكل حكومة من خمسة أشخاص، قادت مقاومة الشعب البريطاني حتى النصر.
صحيح أن التحدي في مصر أقل جسامة، لكنه يستحق أن يصارح الشعب بمسؤولياته إزاءه، ولذا تمنيت أن يقول الرئيس للشعب صراحة إنه إذا أردتم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية حقا، فأنتم مطالبون بنبذ الخلافات والتوحد والتقشف وشد الأحزمة على البطون وبمضاعفة الإنتاج وبالتشدد في احترام القانون. ومن جانبي فإنني أضمن لكم الدفاع عن استقلال البلد وكرامته، واحترام الحريات الخاصة والعامة، والحفاظ بمنتهى الحزم على حق المواطنة، وأن تقدم رئاسة الجمهورية النموذج في التقشف الذي يطالب به الجميع.
إننا نريد من الرئيس أن يستنفرنا ويستنهض همتنا لا أن يدغدغ مشاعرنا، وأن يصدمنا بصراحته وبجرأته في مواجهة التحديات لا أن يأسرنا بطيبته ورسائله العاطفية.
هذا كله عن هم الداخل، أما الخارج فلهمومه حديث آخر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4287
| 23 سبتمبر 2026