رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يدعو للعجب هو بقاء أسعار برميل النفط لفترة غير قصيرة في حدود 100 دولار للبرنت رغم التقلبات الكبيرة القوية في الأسواق من ناحيتي العرض والطلب. لا يمكن إنكار أهمية الطاقة للحياة، لذا يحاول الإنسان على مدى الأجيال الحصول عليها حتى لو اضطر إلى القيام بالحروب العنيفة. بداية من الخشب كمصدر للطاقة، تحول العالم إلى الفحم في القرن الثامن عشر مما سمح للثورة الصناعية بأن تحصل. من الفحم إلى النفط حيث حصلت ثورة في الإنتاج والإنتاجية والتطور والتنمية. حتى الخمسينيات، سيطرت شركات قليلة عملاقة أهمها سبع على إنتاج وتسويق النفط العالمي. أصبح النفط سلاحا اقتصاديا وسياسيا رئيسيا لأهميته في تفعيل الإنتاج العالمي وتحقيق النمو. هنالك محاولات عدة اليوم لتنويع مصادر الطاقة منها الجديد نسبيا كالشمس والنووي والرياح، والقديم كالفحم بعضها نجح لكن النفط مازال المصدر الأساسي للطاقة عالميا. حصل الخلل خاصة في ميدان النقل حيث مازال القطاع يتكل بـ 96% من نشاطاته على النفط بينما تنوعت أكثر مصادر القطاعات الأخرى. هنالك واقع آخر وهو أن 60% من النفط المنتج عالميا يذهب إلى النقل مما يجعله المصدر الأساسي بل سيبقيه على ذلك طويلا، لا بديل حتى اليوم عن النفط للنقل.
حقبة الشركات الغربية الكبرى المسيطرة على الإنتاج انتهت مع تزايد دور الدول المنتجة بفضل الوعي السياسي للشعوب والحكام، فأسست مجموعة "الأوبيك" لتتولى تنظيم وتنسيق الإنتاج حتى تبقى الأسعار مناسبة للمنتجين. تشكلت مجموعة الدول المستهلكة في المقابل مما جعل من عمليات العرض والطلب في القطاع النفطي غير حرة، أي مقيدة بمصالح مجموعتين كبيرتين تتواجهان عند اللزوم كما تتعاونان في أحيان عدة. تطورت الأدوات المالية النفطية في الأسواق العالمية مما جعل من النفط ليس فقط سلعة تجارية بل أداة استثمار تجذب التوقعات والمخاطر في أهم البورصات في الولايات المتحدة وأوروبا. أصبحت عمليات العرض والطلب معقدة وتتكل ليس فقط على الحاضر بل على التوقعات المستقبلية للسوق التي لا يمكن حصرها. ما الذي يحصل اليوم في أسواق النفط؟
أولا: في الإنتاج هنالك تقلبات كبرى تتلخص في انخفاض الإنتاج الليبي نتيجة الأوضاع العنيفة المقلقة التي تمر بها البلاد، الأوضاع العراقية ليست جيدة وتؤثر على الإنتاج وهنالك تغيرات كبرى في السياسة تنعكس سيطرة على الأرض لمجموعات سياسية دينية متطرفة. في نيجيريا، العنف والفوضى والأمن والخطف تجعل كلها الإنتاج متقلبا بل معرضا للمخاطر مع إبقاء حوالي 3.5 مليون برميل من النفط خارج السوق يوميا. في فنزويلا، من الصعب زيادة الإنتاج لأن الاستثمارات لم تحصل خلال وقت طويل، مما جمد تطور الطاقة الإنتاجية للبلاد. في إيران، موضوع العقوبات بشأن النووي معروف، إلا أن الإنتاج الإيراني سيرتفع أكثر في حال تم الاتفاق مع مجموعة 5 + 1 وبالتالي تعود إيران بقوة إلى الأسواق. أما العقوبات المتزايدة على روسيا بسبب الوضع الأوكراني، فلابد وأن تؤثر على العرض وبالتالي على الأسعار. كل ما سبق يشير إلى أن الأسعار سترتفع إلى حدود أعلى بكثير مما هو عليه اليوم. لم يحصل، لماذا؟ لابد من الانتقال إلى الطلب كما إلى مزايا العرض الجديد.
ثانيا: الطلب الأوروبي ضعيف بسبب الأوضاع الاقتصادية التي يمكن وصفها بالركود والتي تحدث تقلبات كبرى اجتماعية وسياسية منها ارتفاع حصة أحزاب أقصى اليمين في الانتخابات البرلمانية الأوروبية وربما لاحقا في الانتخابات الوطنية. أوروبا في خطر سياسي نتيجة انتشار التطرف الذي يتعزز في أوقات الضيق الاقتصادي. لذا لابد من عمل المستحيل لتنشيط النمو ومحاربة البطالة كما الفقر.
ثالثا: ما هي مزايا العرض الجديد؟ هنالك النفط الآتي من الصخور الذي ينتج عبر ضخ المياه تحت الأرض بقوة كبيرة مما يساهم في تفتيتها وتحويلها إلى نفط وغاز. المياه وحدها لا تكفي، بل يجب إضافة مواد كيميائية تقتل البكتيريا وتساعد بل تسبب هذا التفتيت. هنالك من يعترض على هذه الطريقة المعتمدة في أمريكا منذ سنة 1940 في الإنتاج من ناحية التلوث الذي تسببه للمياه الجوفية، وبالتالي يمكن أن تضر بالإنسان والبيئة. تم استخراج النفط من حوالي مليون بئر أمريكي حتى اليوم. إلا أن التجربة الأمريكية خاصة في ولاية بنسلفانيا تشير إلى عكس ذلك بسبب تفتيت الصخور على مستويات منخفضة جدا، بينما تسحب المياه من أعماق أقل بكثير مما يمنع مزج السوائل. أسهم الاستخراج الصخري في إبقاء أسعار الطاقة منخفضة كما في ارتفاع العمالة في القطاع، كما خف الاعتماد نسبيا على الفحم الملوث الأكبر. نشير هنا إلى أن الولايات المتحدة خفضت الاستيراد وتعتمد أكثر فأكثر على الإنتاج الصخري الداخلي وربما تصدر قريبا النفط الخام. انخفض الاستيراد النفطي الأمريكي من 60% من الاستهلاك إلى 28%، مما سحب الضغط على الطلب في الأسواق العالمية. كما أن كندا زادت إنتاجها تعويضا. في غياب هذين العاملين، لشاهدنا ربما سعر نفط في حدود 150$ للبرميل الواحد.
رابعا: عطفا على البند السابق، لابد من ذكر انخفاض الطلب الأمريكي على النفط النيجيري الذي تدنى من مليون برميل يوميا في سنة 2010 إلى حوالي 38 ألفا اليوم، مما سمح لآسيا باستيعاب هذه الكمية الآتية من القارة السوداء. أسهم هذا الواقع في تخفيف التشنج في الأسواق، وبالتالي أراحها من ناحيتي العرض والطلب.
خامسا: هنالك واقع استثماري جديد في النفط. بينما كانت الشركات ترفع إنفاقها الاستثماري بحوالي 14% سنويا منذ سنة 2005، توقفت عنه بسبب عامل الطلب وعدم إمكان تسويق الإنتاج. تخفض الشركات اليوم إنفاقها الاستثماري، مما يمكن أن يؤثر ارتفاعا على الأسعار في المستقبل القريب.
هل يستمر هذا الهدوء في الأسواق؟ ما هي العوامل المؤثرة وكيف تتجه؟
أولا: تشير الإحصاءات إلى أن الإنتاج النفطي خارج مجموعة الأوبك سيرتفع بكمية 1.7 مليون برميل في اليوم خلال هذه السنة بينما يرتفع الطلب 1.4 مليون فقط تبعا لمجموعة الدول المستهلكة مما يساهم في إبقاء الأسعار مستقرة.
ثانيا: انخفاض النمو الاقتصادي الصيني مما ينعكس انخفاضا في الطلب على النفط. هنالك تحول كبير في خصائص أسواق النفط أي تبدل مصادر التغيير من العرض في العقود الماضية إلى الطلب اليوم. الطلب يحرك الأسعار اليوم أكثر بكثير من العرض، مما يشير إلى ضعف سيطرة المنتجين على الأسعار.
ثالثا: المخزون النفطي الأمريكي هو في أعلى مستوياته بسبب ارتفاع الإنتاج الداخلي مما يساهم في إبقاء الأسعار العالمية منخفضة. يساهم هذا الواقع في إبقاء التوقعات منخفضة كما المضاربات متحفظة لغياب معالم التغيير الواضحة والمحتملة.
جميع هذه العوامل تشير إلى بقاء الأسعار مستقرة إلا إذا حدثت مستجدات طارئة إيجابية أو سلبية كعودة الإنتاج الليبي إلى سابق عهده كما الإيراني والعراقي وغيرهما.
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
117
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
153
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
168
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2055
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026