رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

507

د. سلوى حامد الملا

للموت حُرمة

03 سبتمبر 2026 , 02:00ص

•    الحقيقة المؤلمة التي تجتمع عندها المشاعر وتتحد، هي حقيقة الموت. فالفقد أمر عظيم، يصعب على الروح تقبله، مهما حاول الإنسان أن يتهيأ له. ولكننا مؤمنون بقضاء الله وقدره، وبالتسليم لقضائه، واحتساب الأجر والصبر عند المصاب: إنا لله وإنا إليه راجعون.

•    أتذكر منذ سنوات، وقبل وفاة والدتي رحمها الله، أن زميلة سألتني سؤالًا غريبًا: لو خُيّرتِ بين أن تموتي أنتِ أو تموت والدتك، ماذا تختارين؟ ومن دون تفكير قلت: أنا بالطبع، والله يطيل في عمر أمي. فقالت لي: اختيارك ليس بالضرورة رحمة بها؛ فقد يكون رحيلك أنتِ سببًا في كسر قلبها، وربما كان فقد الأم لابنتها أشد عليها من فقدك أنتِ لها.

•    مرّت السنوات، وبقي ذلك الحوار عالقًا في ذاكرتي. وبعد أن عرفت معنى فقد الأم، أدركت أكثر أن الفقد لا يمكن قياسه، وأن لكل فقد وجعه الخاص؛ فلا الأم التي تفقد ابنتها تستطيع الكلمات وصف ما في قلبها، ولا الابنة التي تفقد أمها يعود العالم في عينيها كما كان. ولا فقد أب وابن.

•    عادت إليّ تلك الذكرى وأنا أقرأ وأشاهد ما نُشر عن وفاة ياسمين سيف أبو النجا، رحمها الله، وأرى صور والدتها الفنانة نجلاء فتحي، ووالدها المهندس سيف أبو النجا، وقد أنهكهما رحيل ابنتهما الوحيدة.

•    أن تفقد ابنتك أمر موجع، فكيف إذا كانت ابنتك الوحيدة؟ وكيف يشعر أب وأم وهما يودعانها إلى مثواها الأخير، ثم يعودان إلى بيت بقيت فيه تفاصيلها وذكرياتها وصوتها وأشياؤها، بينما غابت هي؟ هناك أحزان لا تحتاج إلى تفسير، ولا تحتمل الأسئلة.

•    والمؤلم أكثر أن تتحول لحظات الانكسار الإنساني إلى مادة تتسابق عليها الكاميرات والقنوات والصحف ومنصات التواصل؛ عدسة تلاحق دمعة أم، وأخرى تترصد وجه أب كسره الحزن والوجع والفقد، وأسئلة تُطرح على أهل الفقيد في لحظة قد لا يملكون فيها حتى القدرة على ترتيب كلماتهم.

•    هل نحتاج فعلًا إلى أن نسأل أمًا فقدت ابنتها: كيف تشعرين؟ وماذا ننتظر أن يقول أب دفن ابنته؟ بعض الأسئلة لا تضيف معلومة، وإنما تقتحم مساحة يفترض أن تظل مصونة. فليس كل ما يمكن تصويره ينبغي تصويره، وليس كل ما يمكن نشره يستحق النشر، وليس كل صمت فراغًا يجب على الإعلام أن يملأه.

•    الحزن له حرمته. والإنسان في لحظة الفقد ليس “مشهدًا” ولا “سبقًا صحفيًا” ولا مادةً لزيادة المشاهدات. تلك الدموع التي نراها على الشاشات ليست مشهدًا دراميًا؛ إنها حياة إنسان انقسمت إلى ما قبل الفقد وما بعده.

•    وهنا تأتي مسؤولية الإعلام، وكذلك مسؤوليتنا نحن المتلقين. فكما أن على المصور والصحفي أن يعرفا متى يقتربان ومتى يتراجعان، علينا نحن أيضًا أن نسأل أنفسنا قبل أن نعيد نشر صورة أم منهارة أو أب مكسور: ما القيمة التي يضيفها نشر هذه اللحظة؟ وهل نرضى أن تُلتقط لنا الصورة نفسها في أضعف لحظات حياتنا، ثم تتناقلها الهواتف والمنصات؟

•    ربما يكون أجمل ما نقدمه لأهل الفقيد أحيانًا ألا نسأل، وألا نصور، وألا ننشر؛ أن نترك لهم حقهم الكامل في البكاء بعيدًا عن العيون، وأن نحفظ لهم كرامة الحزن وخصوصية الوجع، وأن نسأل الرحمة والمغفر لموتاهم وان يرزقهم الله الصبر والسلوان.

•    آخر جرة قلم:

الموت حقيقة، والفقد ابتلاء، والصبر عبادة؛ لكن الرحمة أيضًا موقف. ومن الرحمة أن نعرف متى نواسي، ومتى نصمت، ومتى نخفض الكاميرا احترامًا لدمعة لا تخصنا. والله يرحم موتانا وموتى المسلمين ويرزق ذويهم الصبر والاحتساب والصبر. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مساحة إعلانية