رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما أن رحل شهر رمضان المبارك عن السوريين وهو جد حزين من فرط القمع الوحشي الذي رآه في كل بؤرة من سورية وعلى كل شريحة في المجتمع دون أي اعتبار لقدسية أيام الصيام وليالي القيام حتى ليلة القدر أصبحت ليلة الدماء والأشلاء، حتى أتى شهر شوال الذي هو أول أشهر الحج، حيث ينتقل المسلمون من عبادة إلى عبادة أخرى حالين مرتحلين، فإذا بلهيب الظلم الطاغي الباغي على المتظاهرين العزل وعلى بقية الشعب يشتد قتلا وتعذيبا واعتقالا لم يسلم منه حتى الشيوخ والنساء والأطفال وحتى الشجر والحجر والدواب، وها نحن نشهد من بدء شهر ذي القعدة امتداد هذه النيران واحتدادها في كل موقع وموضع حتى طالت مدارس الأطفال بجنسيهم وهوجم الطلاب والطالبات بل الأساتذة والمعلمات بآلة القمع الذي لا يعرف أسودها إلا الشقاوة والقساوة والتعاطي البربري الدموي مع الشعب، حتى ظن البعض أن المحتجين ومن معهم سيتراجعون عن مظاهراتهم وأن صوت هدير المدافع بل والطائرات والراجمات والرشاشات سوف يسكتهم، وكم راهن النظام الأسدي منذ البداية على ذلك، ولكنه خاب ظنه فالشعب قال كلمته ألا عودة عن مناصرة الحق، والثوار مازالوا يهتفون: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت وكم ألهبت حادثة قتل الشهيدة زينب الحصني في عاصمة الثورة السورية حمص صدور الجماهير فازدادت التظاهرات في طول سورية وعرضها كماً ونوعاً. ولكن مع قراءة الواقع المر الذي يضغط على الناس أمنياً واقتصادياً ومع استفحال الجرائم ضد المدنيين بكل أشكالها الرعيبة جدا فقد لاحظنا مؤخرا عشرات اللافتات في المظاهرات تناشد المجتمع الدولي ضرورة الحماية للمدنيين وممتلكاتهم، إذ بات الخطب جللا، يتعمد النظام إنزاله بالمنتفضين السلميين وذويهم ومن يلوذ بهم قريبا أو بعيدا مقتلا معتقلا مشردا سارقا راسما الحسم الأمني بالقمع الشديد خريطة طريق له بهدف تغيير موازين القوى السياسية بين نظامه الفاشي وثورة الحرية والعدل لترجيح كفته على كفة المظلومين، وإذ هو السلطة اللاإنسانية التي تحكم شعبها فلا يخطر على باله أن الله تعالى كرم بني آدم أيا كان (ولقد كرمنا بني آدم....)، "الإسراء: 70"، وبعلاقة الشريعة الإسلامية بالقانون الدولي الإنساني نجد الآخر موافقا لحماية المدنيين، مؤكداً على حرمة الآدمي ضد أي جريمة تهدد السلم والأمن وتثير قلق المجتمع الدولي معتبرا أن الاهتمام بهؤلاء المدنيين من أولى الأولويات، مؤكدا حق النظر في احترام الذات الإنسانية وما تملك ولذا كان نابليون – ومع كونه محتلا – قد وجه رسالة إلى الملك فرانسيس كما أشار هنري دونان يقول له: أطلب من جلالتكم الاستماع إلى صوت الإنسانية! ونحن في زمن السلطة السورية التي لا تعرف إلا صوت النار والدمار وتقتل الأبرياء بمعظم جيشها وأمنها الخائن العميل، مدعية أنها تسير على درب التقدم والمقاومة والممانعة ناسية أن أوروبا اليوم التي أراد وزير خارجيتنا المعلم أن يمحوها من الخريطة إنما حققت أهدافها في الرقي والازدهار لما طبقت قانون الإنسانية على شعوبها مؤخراً بالرغم مما كانت قد شهدت من الحروب قبل ذلك مستلهمة وصية جان جاك روسو: إن قانون الأمم لا يجيز امتداد الحرب والغزو إلى المواطنين العزل المسالمين.
ولكننا – وفي هذا الصدد – نريد أن نؤكد على حرص الإسلام في تشريعه حماية المدنيين وأن له السبق في ذلك قبل خمسة عشر قرنا، فقد قال جمهور فقهاء المسلمين بذلك مستندين إلى الروايات الصحيحة عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وعمر بن عبدالعزيز ممثلين لهؤلاء المدنيين بالنساء والرسل والرهبان والسوقة كالتجار والأجراء والفلاحين – وكذلك الصبيان والشيوخ والزمنى – المرضى بعلل مزمنة – وحجة الجمهور عدة أدلة أولها القرآن الكريم بقوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، "البقرة: 190".
فالآية تنهى عن الاعتداء على غير المقاتلين كالنساء والصبيان والشيوخ وشبههم، وثانيها الحديث الشريف ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خرجه أبوداود كما في عون المعبود 7/274 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله للجيش "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة"، وثالثها: إجماع الصحابة فقد نقل القرطبي المفسر في الجامع لأحكام القرآن 2/349 ذلك معتمدا على وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم وفيها: إني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا نخلا ولا تحرقها ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكلة ولاتجبن ولا تغلل" رواه الإمام أحمد في المسند وانظر في الوسيط في القانون الدولي العام ص 234 د. عبدالكريم علوان.
وتأمل أن كل ما جاء النهي عنه اقترفته السلطة السورية في حق شعبها تماماً حتى قتلت الحمير، أقول: وهذا ما فعله القرامطة منذ أكثر من ألف سنة، حيث قتلوا الدواب في حماة ومعرة النعمان والسَلَمية كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية.
أما رابع الأدلة فهو المعقول فالعقل أصل الشرع ولا يمكن للعقل أن يؤدي إلى إفساد العالم بقتل وإيذاء المدنيين وأعيانهم وإنما هو يسعى إلى الإصلاح ونفع الناس كما جاء في حاشية رد المحتار 3/225 لابن عابدين وانظر كذلك كتاب الجهاد وأوضاعنا المعاصرة للأستاذ حسان عبدالمنان المقدسي من ص 237 ففيه زيادة تفصيل ولكنني أقول بعد ذلك إن مشروعية حماية المدنيين وقبولها حتى من غير المسلم، إذا دعت الحاجة إلى ذلك وهي اليوم داعية لأنها غير قضية التدخل العسكري جائزة سواء كان المجير من أهل الكتاب كحماية النجاشي ملك الحبشة للمهاجرين من الصحابة وقد كان نصرانيا وقتها قبل أن يسلم أو كان المجير مشركا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة بحمايتهم عندما رجعوا من الحبشة التي كان ملكها لا يظلم عنده أحد، أو كأبي طالب عم الرسول، حيث حمى ابن أخيه محمدا فاستفاد من دفاعه بل منع من اعتداء العشيرة عليه، وكذلك دخل الرسول صلى الله عليه وسلم في حماية المطعم بن عدي المشرك لما رجع إلى مكة عائدا من هجرة الطائف حين ردته قبيلة ثقيف، انظر الهجرة في القرآن لأحزمي سامعون ص 290 والسيرة النبوية د. علي الصلابي ص 202 وعلى هذا فإن طلب المتظاهرين والشعب في سورية الحماية الدولية للمدنيين من قبل الأمم المتحدة أمر مطلوب ومشروع لأنه قضية إنسانية عامة لا علاقة له بطلب تدخل عسكري لنصر طرف على آخر وليس من مهمة المراقبين الدوليين العمل على إسقاط النظام بل حماية المدنيين وهو حق تقره جميع الشرائع، فكيف لا يلجأ إليه لمواجهة نظام يستخدم بشكل لا قانوني ولا إنساني كل وسائل القمع ويقترف الجرائم المروعة ضد الإنسانية بما فيها انتهاك الحرمات واغتيال الأساتذة الأكاديميين كما جرى في مدينة حمص إن هذا النظام إن لم تقم الحماية للمدنيين سوف يعزز إجرامه السلطوي كما ذكر غسان مفلح في مقاله في السياسة الكويتية 8 سبتمبر 2011 ولذلك فإنه يمنع الحماية والغوث ولجان التقصي للحقوق كما يمنع الإعلام الحر.
وإذا كان شرع الإسلام يدعو إلى حماية الذميين تحت حكمه، أفليس المسلمون وغيرهم في سورية بأمس الحاجة إلى هذه الحماية من غير المسلمين إذ كدنا نيأس من أن تفعل البلاد العربية وجامعتها والبلاد الإسلامية شيئا إن ذلك لابد منه للناس والمدن على غرار ما حدث مؤخرا وللأسف من حماية بعد حرب التطهير العرقي في البوسنة والهرسك وفي الشيشان وغيرها بعد المقابر الجماعية التي اكتشفت وكم من المقابر الجماعية في سوريا في القرن السالف وهذا القرن، ولا ننسى ذلك عند القذافي، أفتنتظر الأمم المتحدة حتى يصير المدنيون إلى هذا المصير، انظر القضايا الدولية د. حسن أبوغدة ص 226 إذا انشق ضباط وجنود شرفاء من الجيش ليحموا المدنيين ولا يظلوا مع المجرمين لدك المدن على أهلها كما حدث في الرستن حيث قتل المئات من المدنيين وهدم أكثر من مائتي منزل وأحرقت حتى مقبرة الموتى وتم تجويع الناس حتى عن الخبز والدواء بل نهبوا المنازل ولا تنس مثل ذلك في تلبيسة والحولة وسرمين وقبلها في حماة المجاهدة، حيث فر منها بداية رمضان أكثر من ثلاثمائة ألف مدني، ناهيك عن القتلى وعن اغتصاب واختطاف النساء وخاصة في حمص، حيث قالت المتزوجة الحصان أم عبدالله اقتحم خمسة من الشبيحة البيت وسألوها ما اسم ابنك الصغير هذا قالت عبدالله قالوا: هذا عبد بشار وماهر، ثم تناولوها بالاغتصاب متحسرة إنها ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة ونحن نعرف أن القانون الدولي بقواعده واتفاقيات جنيف عام 1949 والمضاف إليها عام 1977 تؤكد أن العنف الجنسي محظور والاغتصاب والدعارة جريمة حرب وكذلك الأطفال، ففي الرستن أعدم أول أمس السبت عشرون طفلا، فأين المادة الرابعة من اتفاقيات جنيف التي تنص على عدم إعدام الأطفال بل حمايتهم من كل أذى، وماذا نقول عن انتهاكات الأعيان المدنية، خاصة دور العبادة التي قصفوها وشربوا السجائر فيها ومزقوا المصاحف وألصقوا الصور العارية في المحراب وماذا نقول عن العبث بالجثث والأشلاء التي نص القانون في المادة 17 عليها وكذلك إسعاف الجرحى في المادة 30 وهم يقتلونهم أما عن المعتقلين فحدث ولا حرج عن قتل بسبب التعذيب أقول وإذا كان القانون الدولي يجيز الدفاع كذلك عن النفس فلا علينا إلا أن نفعل ونحن نرى العالم يقف مع الجلاد ضد الضحية!.
Khaled-hindawi@hotmail.com
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
69
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
69
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
30
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1416
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1188
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
963
| 16 مايو 2026