رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما أن رحل شهر رمضان المبارك عن السوريين وهو جد حزين من فرط القمع الوحشي الذي رآه في كل بؤرة من سورية وعلى كل شريحة في المجتمع دون أي اعتبار لقدسية أيام الصيام وليالي القيام حتى ليلة القدر أصبحت ليلة الدماء والأشلاء، حتى أتى شهر شوال الذي هو أول أشهر الحج، حيث ينتقل المسلمون من عبادة إلى عبادة أخرى حالين مرتحلين، فإذا بلهيب الظلم الطاغي الباغي على المتظاهرين العزل وعلى بقية الشعب يشتد قتلا وتعذيبا واعتقالا لم يسلم منه حتى الشيوخ والنساء والأطفال وحتى الشجر والحجر والدواب، وها نحن نشهد من بدء شهر ذي القعدة امتداد هذه النيران واحتدادها في كل موقع وموضع حتى طالت مدارس الأطفال بجنسيهم وهوجم الطلاب والطالبات بل الأساتذة والمعلمات بآلة القمع الذي لا يعرف أسودها إلا الشقاوة والقساوة والتعاطي البربري الدموي مع الشعب، حتى ظن البعض أن المحتجين ومن معهم سيتراجعون عن مظاهراتهم وأن صوت هدير المدافع بل والطائرات والراجمات والرشاشات سوف يسكتهم، وكم راهن النظام الأسدي منذ البداية على ذلك، ولكنه خاب ظنه فالشعب قال كلمته ألا عودة عن مناصرة الحق، والثوار مازالوا يهتفون: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت وكم ألهبت حادثة قتل الشهيدة زينب الحصني في عاصمة الثورة السورية حمص صدور الجماهير فازدادت التظاهرات في طول سورية وعرضها كماً ونوعاً. ولكن مع قراءة الواقع المر الذي يضغط على الناس أمنياً واقتصادياً ومع استفحال الجرائم ضد المدنيين بكل أشكالها الرعيبة جدا فقد لاحظنا مؤخرا عشرات اللافتات في المظاهرات تناشد المجتمع الدولي ضرورة الحماية للمدنيين وممتلكاتهم، إذ بات الخطب جللا، يتعمد النظام إنزاله بالمنتفضين السلميين وذويهم ومن يلوذ بهم قريبا أو بعيدا مقتلا معتقلا مشردا سارقا راسما الحسم الأمني بالقمع الشديد خريطة طريق له بهدف تغيير موازين القوى السياسية بين نظامه الفاشي وثورة الحرية والعدل لترجيح كفته على كفة المظلومين، وإذ هو السلطة اللاإنسانية التي تحكم شعبها فلا يخطر على باله أن الله تعالى كرم بني آدم أيا كان (ولقد كرمنا بني آدم....)، "الإسراء: 70"، وبعلاقة الشريعة الإسلامية بالقانون الدولي الإنساني نجد الآخر موافقا لحماية المدنيين، مؤكداً على حرمة الآدمي ضد أي جريمة تهدد السلم والأمن وتثير قلق المجتمع الدولي معتبرا أن الاهتمام بهؤلاء المدنيين من أولى الأولويات، مؤكدا حق النظر في احترام الذات الإنسانية وما تملك ولذا كان نابليون – ومع كونه محتلا – قد وجه رسالة إلى الملك فرانسيس كما أشار هنري دونان يقول له: أطلب من جلالتكم الاستماع إلى صوت الإنسانية! ونحن في زمن السلطة السورية التي لا تعرف إلا صوت النار والدمار وتقتل الأبرياء بمعظم جيشها وأمنها الخائن العميل، مدعية أنها تسير على درب التقدم والمقاومة والممانعة ناسية أن أوروبا اليوم التي أراد وزير خارجيتنا المعلم أن يمحوها من الخريطة إنما حققت أهدافها في الرقي والازدهار لما طبقت قانون الإنسانية على شعوبها مؤخراً بالرغم مما كانت قد شهدت من الحروب قبل ذلك مستلهمة وصية جان جاك روسو: إن قانون الأمم لا يجيز امتداد الحرب والغزو إلى المواطنين العزل المسالمين.
ولكننا – وفي هذا الصدد – نريد أن نؤكد على حرص الإسلام في تشريعه حماية المدنيين وأن له السبق في ذلك قبل خمسة عشر قرنا، فقد قال جمهور فقهاء المسلمين بذلك مستندين إلى الروايات الصحيحة عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وعمر بن عبدالعزيز ممثلين لهؤلاء المدنيين بالنساء والرسل والرهبان والسوقة كالتجار والأجراء والفلاحين – وكذلك الصبيان والشيوخ والزمنى – المرضى بعلل مزمنة – وحجة الجمهور عدة أدلة أولها القرآن الكريم بقوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، "البقرة: 190".
فالآية تنهى عن الاعتداء على غير المقاتلين كالنساء والصبيان والشيوخ وشبههم، وثانيها الحديث الشريف ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خرجه أبوداود كما في عون المعبود 7/274 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله للجيش "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة"، وثالثها: إجماع الصحابة فقد نقل القرطبي المفسر في الجامع لأحكام القرآن 2/349 ذلك معتمدا على وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم وفيها: إني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا نخلا ولا تحرقها ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكلة ولاتجبن ولا تغلل" رواه الإمام أحمد في المسند وانظر في الوسيط في القانون الدولي العام ص 234 د. عبدالكريم علوان.
وتأمل أن كل ما جاء النهي عنه اقترفته السلطة السورية في حق شعبها تماماً حتى قتلت الحمير، أقول: وهذا ما فعله القرامطة منذ أكثر من ألف سنة، حيث قتلوا الدواب في حماة ومعرة النعمان والسَلَمية كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية.
أما رابع الأدلة فهو المعقول فالعقل أصل الشرع ولا يمكن للعقل أن يؤدي إلى إفساد العالم بقتل وإيذاء المدنيين وأعيانهم وإنما هو يسعى إلى الإصلاح ونفع الناس كما جاء في حاشية رد المحتار 3/225 لابن عابدين وانظر كذلك كتاب الجهاد وأوضاعنا المعاصرة للأستاذ حسان عبدالمنان المقدسي من ص 237 ففيه زيادة تفصيل ولكنني أقول بعد ذلك إن مشروعية حماية المدنيين وقبولها حتى من غير المسلم، إذا دعت الحاجة إلى ذلك وهي اليوم داعية لأنها غير قضية التدخل العسكري جائزة سواء كان المجير من أهل الكتاب كحماية النجاشي ملك الحبشة للمهاجرين من الصحابة وقد كان نصرانيا وقتها قبل أن يسلم أو كان المجير مشركا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة بحمايتهم عندما رجعوا من الحبشة التي كان ملكها لا يظلم عنده أحد، أو كأبي طالب عم الرسول، حيث حمى ابن أخيه محمدا فاستفاد من دفاعه بل منع من اعتداء العشيرة عليه، وكذلك دخل الرسول صلى الله عليه وسلم في حماية المطعم بن عدي المشرك لما رجع إلى مكة عائدا من هجرة الطائف حين ردته قبيلة ثقيف، انظر الهجرة في القرآن لأحزمي سامعون ص 290 والسيرة النبوية د. علي الصلابي ص 202 وعلى هذا فإن طلب المتظاهرين والشعب في سورية الحماية الدولية للمدنيين من قبل الأمم المتحدة أمر مطلوب ومشروع لأنه قضية إنسانية عامة لا علاقة له بطلب تدخل عسكري لنصر طرف على آخر وليس من مهمة المراقبين الدوليين العمل على إسقاط النظام بل حماية المدنيين وهو حق تقره جميع الشرائع، فكيف لا يلجأ إليه لمواجهة نظام يستخدم بشكل لا قانوني ولا إنساني كل وسائل القمع ويقترف الجرائم المروعة ضد الإنسانية بما فيها انتهاك الحرمات واغتيال الأساتذة الأكاديميين كما جرى في مدينة حمص إن هذا النظام إن لم تقم الحماية للمدنيين سوف يعزز إجرامه السلطوي كما ذكر غسان مفلح في مقاله في السياسة الكويتية 8 سبتمبر 2011 ولذلك فإنه يمنع الحماية والغوث ولجان التقصي للحقوق كما يمنع الإعلام الحر.
وإذا كان شرع الإسلام يدعو إلى حماية الذميين تحت حكمه، أفليس المسلمون وغيرهم في سورية بأمس الحاجة إلى هذه الحماية من غير المسلمين إذ كدنا نيأس من أن تفعل البلاد العربية وجامعتها والبلاد الإسلامية شيئا إن ذلك لابد منه للناس والمدن على غرار ما حدث مؤخرا وللأسف من حماية بعد حرب التطهير العرقي في البوسنة والهرسك وفي الشيشان وغيرها بعد المقابر الجماعية التي اكتشفت وكم من المقابر الجماعية في سوريا في القرن السالف وهذا القرن، ولا ننسى ذلك عند القذافي، أفتنتظر الأمم المتحدة حتى يصير المدنيون إلى هذا المصير، انظر القضايا الدولية د. حسن أبوغدة ص 226 إذا انشق ضباط وجنود شرفاء من الجيش ليحموا المدنيين ولا يظلوا مع المجرمين لدك المدن على أهلها كما حدث في الرستن حيث قتل المئات من المدنيين وهدم أكثر من مائتي منزل وأحرقت حتى مقبرة الموتى وتم تجويع الناس حتى عن الخبز والدواء بل نهبوا المنازل ولا تنس مثل ذلك في تلبيسة والحولة وسرمين وقبلها في حماة المجاهدة، حيث فر منها بداية رمضان أكثر من ثلاثمائة ألف مدني، ناهيك عن القتلى وعن اغتصاب واختطاف النساء وخاصة في حمص، حيث قالت المتزوجة الحصان أم عبدالله اقتحم خمسة من الشبيحة البيت وسألوها ما اسم ابنك الصغير هذا قالت عبدالله قالوا: هذا عبد بشار وماهر، ثم تناولوها بالاغتصاب متحسرة إنها ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة ونحن نعرف أن القانون الدولي بقواعده واتفاقيات جنيف عام 1949 والمضاف إليها عام 1977 تؤكد أن العنف الجنسي محظور والاغتصاب والدعارة جريمة حرب وكذلك الأطفال، ففي الرستن أعدم أول أمس السبت عشرون طفلا، فأين المادة الرابعة من اتفاقيات جنيف التي تنص على عدم إعدام الأطفال بل حمايتهم من كل أذى، وماذا نقول عن انتهاكات الأعيان المدنية، خاصة دور العبادة التي قصفوها وشربوا السجائر فيها ومزقوا المصاحف وألصقوا الصور العارية في المحراب وماذا نقول عن العبث بالجثث والأشلاء التي نص القانون في المادة 17 عليها وكذلك إسعاف الجرحى في المادة 30 وهم يقتلونهم أما عن المعتقلين فحدث ولا حرج عن قتل بسبب التعذيب أقول وإذا كان القانون الدولي يجيز الدفاع كذلك عن النفس فلا علينا إلا أن نفعل ونحن نرى العالم يقف مع الجلاد ضد الضحية!.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
6090
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
3795
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2514
| 04 مارس 2026