رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس على الواقع اليومي، أو -أقل القليل- على الغَدِ القريب. يجعلُ التجاذبُ القلقُ منها واقعًا ماديًّا لا بُدَّ من احتواء آثاره، وتقليصه في أدنى حدٍّ ممكن. هذا في حال لم يسنح المجال بعلاجه أو تجاوزه.
ما من قضية إلا ولها حل، يكمن في مكان ما، وينبغي استظهاره بتأنٍ وتَؤُدَة، واستيعابه بالنجاعة المُتوخّاة، وتعريفه بدقّة تامة.
وحين يتبدّى الحل بشكل واضح، وبوصفه حلّا مُحدّدًا لمُشكلةٍ مُحددة، فليس ثمة تبرير يحول دون الأخذ به وفق الشروط الزمانية والمكانية، وبغض النظر عن الاعتبارات الإكراهية التي قد تتراءى لدى المسؤول. ولو فرضًا -كما هو حاصل في معظم البلدان النامية- قرر الفاعل في مؤسسة تنفيذية ما، أو هيئة حكومية ما، تأجيلَ النظر في تطبيق إجراءات الحل، ولاسيّما بعد تبيّنها، فإن المشكلة لا شك أنها منقادة بوجه أو بآخر إلى حلّها المؤجَلِ هذا، ولو طال الدهر، واستطال المطاف.
هذا التمهيد الآنف هو من جنس البدهيات، حول شؤون الواقع وهواجسه. ثم لتبرز لنا في هكذا سياق: قضيةُ الزواج والطلاق وانخفاض معدلات الخصوبة في قطر بما هي إشكالية مستجدة، تفاقمت تدريجيًّا منذ الثمانينات، ولم تُسكَّن حتى هذا اليوم.
في البدء، وقبل الإحاطة بأهم دلالات هذه الظاهرة مرورًا بالتباساتها وصولًا إلى أسئلتها الولود، من الضروري الإشارة إلى مسألة جوهرية تتعلق بحقيقةٍ تحكم محددات النطاق الاجتماعي في قطر، وهي أن المجتمع القطري: مجتمعٌ حديث.
ينسى أو يتناسى العديد من الباحثين والمثقفّين، والمهتمّين بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلاد، الذين تدرُجُ ألسنتهم بمصطلح الدولة الحديثة ليلًا ونهارًا، إن المجتمع في قطر هو أكثر حداثةً من الدولة، وإنَّ لهذه الحقيقة لوازم واعتبارات ونتائج، تستلزم ضرورةَ التفكير في القضايا الاجتماعية ليس فقط من منظور مقابلتها بالدور المؤسسي الذي يؤثر فيها سلبًا وإيجابًا، بل أيضًا بقياسها على المعطيات التاريخية المهيمنة على طبيعة اتجاهات وسلوكيات الفرد والجماعة، بعضهم ببعض.
تُفضي حداثة المجتمع إلى حقيقة أخرى تقول: إن التركيبات الاجتماعية المتنوعة التي تُعبّر عن المكون الاجتماعي القطري المعاصر، وبما هي تركيبات تحملُ في طيّاتها اختلافًا خصائصيًّا على مستوى بعض العناصر الهُويّاتية الصغرى - لدى مختلف الجماعات- مثل اللهجة وما تكتنزه من مخزون ثقافي وما تستبطنه من ذاكرةٍ تقاليديّة، فإنها لا محالة آيلة إلى التناقض. ولكنه تناقض لا يعبر عن محض صراع؛ بل هو أقرب إلى أن يكون تجسيدًا لمرحلة تاريخية، شبه- حتميّة، تُؤَخَذُ فيها التباينات الاجتماعية نحو الانصهار في الوسط المدني المشترك المُعبّر عنه بالدولة.
وينبغي الانتباه إليه في هذا المقام إلى أن عملية الانصهار الاجتماعي ليست سوى ولادة جديدةٍ لثقافةٍ وذهنيةٍ جديدتين؛ وإنها انعكاس برهاني لجِدّة المجتمع وحداثته، كما أنها مؤذنة بتحولات نسبيّة تمس الخريطة الاجتماعية وتعيد تشكيل بنية الهُويّة الوطنية، أي تلك الأولويات المتعلقة بمسألة الانتماء الدولتي والمجتمعي وعواملها ومستوياتها، إلى جانب إعادة إنتاج المخيال السياسي لدى الجيل الذي وُلِدَ حديثًا، والأجيال التي لم تولد بعد، بأشكال وأنماط مختلفة.
والحق إن هذه التحوّلات تمثّل القنطرة الأساسية التي ينتقل عبرها التكوين الاجتماعي الكلي من وضعيته التشكيلية الأولى المتسمة باتساع الفجوات بين شرائح المجال الاجتماعي، إلى الوضعية الأكثر تطوّرًا من حيث ارتفاع نسبة التجانس بين أفراد المجتمع.
يبقى المذكور آنفًا بمثابة التعميم النظري الذي يهدف إلى رسمِ معالم الانتقال الافتراضية للمجتمع الحديث في الخليج والجزيرة العربية، وذلك من منطلق كونه لا يزال حديثًا ويعيش مخاضات متسارعة أغفلتها ولا تزال أعين التشخيص، وأفلتت هي بدورها عن أيدي النقد والتحليل المُواكِب لها.
ورّث ضعف الرصد لدى - ليس عموم الناس وحسب، بل أيضًا لدى- الفئة المتعلمة والمثقفة: قصورًا في تقييم الظواهر الاجتماعية وفضلًا عن فهم كوامنها حال وقوعها، واستيعاب سيروراتها بعد وقوعها، ما أنتج بدوره - ولا يزال- قصورًا مُضاعفًا في تَبَيُّنِ مآلات البنية الاجتماعية.
ربما استغرقتْ الفكرة السابقة مساحةً أكبر من التوضيح ما كان ينبغي لها ذلك لولا أهميتها التأسيسية، ومركزيّتها الكبرى -على الأقل عندي- في مقام التفكير الاجتماعي الخليجي.
ومن ثمّ، فإن قضية انخفاض معدل الخصوبة في المجتمع القطري، الناتجة أصالةً عن انحسار حالات الزواج وتزايد حالات الطلاق بشكل نسبّي، فترةً تلوَ فترة، ينبغي في الحقيقة أن تُقاس من منظور الحقيقة الاجتماعية المذكورة أعلاه، إلى جانب عوامل عديدة (داخلية وخارجية) لا تقل أهميّة، بل هي تتواشج على نحوٍ جدليٍّ مع حَداثَة المجتمع والدولة.
في السياق الداخلي، فقد مرّت الدولة بنقلة في منتصف التسعينيات، مثّلت بدورها حركة تصحيحية، اكتنفت تحوّلًا جذريًّا في تاريخ الدولة من جهة، وولادة جديدة لها من جهة أخرى. قاد مشروع النهضة الجديد، الذي ارتكز على الطفرة الاقتصادية ومداخيلها الضخمة، إلى: تطوير السوق القطرية، والاستثمار في مشاريع تعليمية كبرى، واستقدام وتأسيس مراكز البحث المختلفة، وتحويل وسائل الإعلام إلى مستوى أعلى من التفاعل والتأثير. وساهم كل ما سبق في نحت نموذج الرفاه الذي ترعرع في إطاره الجيل الحديث. والرفاه هنا بوصفه نموذجًا فإنه يتمظهر -أيضًا- في تقدّم المؤسسات التعليمية وتطورها، وارتفاع متوسط نسبة الخرّيجين الأكاديميين، وتوسّع سوق العمل، وتمكين المرأة؛ إذ أنه ليس مجرد رفاه شرائي أو استهلاكيّ.
وسنرى كيف أن انخفاض معدل الخصوبة أخذ يتضاءل طوال تمرحل الفترة الممتدة من منتصف التسعينيات حتى هذه اللحظة، فيما قد يبيّن نوعًا من العلاقة الطردية بين مشكلات الخصوبة والتحولات الاقتصادية الواقعة في العقود الثلاثة الأخيرة.
أما على الصعيد الخارجي، فقد أخذت النَقَلاتُ الثورية في الإعلام الحديث الجيلَ الصاعدَ في المجتمعات الخليجية نحو وعيٍ جديد يكاد يقطع مع سابقه. وأدّى انكشاف الأنماط الثقافية وغشيانها الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية المستخدمة على نطاق واسع، إلى تعاظمِ حالةٍ من التجاذب الثقافي.
جاء هذا التجاذب متزامنًا مع نشوء مئات من الجيل القطري الصاعد: ذي نزعةٍ غربيةٍّ في تكوينه المعرفي، وفي نسق تفكيره. ويعود سبب ذلك إلى أنه إما قد درس في جامعات غربية أو لأنه تخرّجَ من الجامعات الأمريكية المنضوية تحت ما يعرف بالمدينة التعليمية، ثم تشرّب -إثر ذلك- قدرًا مضاعفًا من ثقافتها بانسياق لا-واعي أو إعجاب شديد لا حيلة له عليه، ولأسباب يطول شرحها.
وفق الإحصاءات السكانية التي أجريت منذ منتصف الثمانينات في الدولة، واستنادًا إلى التقرير المنشور بعنوان «٩ عوامل وراء تراجع معدلات الخصوبة في قطر» تاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢، (وهو تقرير يتناول مشروع معهد الدوحة الدولي للأسرة حول المحددات الاجتماعية للخصوبة في دولة قطر والتبعات السياساتية)، فإن معدل الخصوبة الكلية -الذي يقيس عدد المواليد الذي يمكن للمرأة أن تنجبه طوال حياتها- قد نقص من ٤.٦٪ في ١٩٩٧م إلى ٢.٩ في ٢٠١٧م.
استنتج أغلب الباحثين الذين حاولوا فهم الأسباب الكامنة خلف هذا الانخفاض: أنّ اتساع شروط التعليم ومستوياته، وتمدد سوق العمل ومتطلباته، يُعدّان هما السببان الأبرز خلف تباطؤ معدلات الزواج، وارتفاع حالات الطلاق في قطر. وإليهما يُنسب الدور الأكبر وراء شعور الفرد - ذكرًا وأنثى- بالاستقلاليّة، والاستقلالية الماديّة على وجه التحديد، بحيث بدأ بعض الرجال ينظرون إلى منظومة الزواج بصفتها مجموعة من الأعباء المُكلْفِة، وكذلك الحال مع بعض النساء اللائي أخذن يتصوّرن الزواج باعتباره تقييدًا لحريّتهن أو طموحهن. لا خلاف على أن المحصلة التعليمية والعملية تُعَدّ عاملا من العوامل الرئيسة في مفاقمة هذه الظاهرة التي صرنا نعيشها - بما هي هاجس يتهدد مستقبل النسيج السكّاني- وذلك من جهة: أثر التعليم العالي وما يحتويه من انفتاح على نُظُم اجتماعية أخرى، على تبدُّلِ بعض التصورات تجاه فكرة الزواج.
ودور العمل وما يستلزمه من وقت وما يؤديه من أجر، في تحوّل المعايير الناظمة لمؤسسة الزواج لدى الجيل المعاصر.
يمكن حصر قَوام هذه التحوّلات في الفكرة الأساسية التالية: إن فكرة الزواج وبدلًا من أن تنبني على أساس تساكني وتراحمي تام، يشبع حاجة الزوجين ويحقق لهما الأمان العاطفي والنفسي، فقد أصبحت مُعرّضةً للتسليع الاقتصادي الذي يقاربها وفق منطق الربح والخسارة ويخضعها لقانون العرض والطلب. فيحدث كثيرًا أن تكون الأسباب المؤدية إلى العزوف عن الزواج، أو تلك المؤدية إلى الطلاق، هي نتاجُ قناعة ثاوية في ذهن النساء والرجال تتمحور حول سؤال «ما الذي لي؟ ثم ما الذي علي؟»، وهي قناعة ليست انعكاسًا لمبدأ الحقوق والواجبات، كما قد يُتصوَّر، بل هي مجرّد تَمَثُّلٍ عارمٍ لطغيان النماذج المعرفية - المادية على فضاء الذهنيات الاجتماعية السائدة، واقعًا وافتراضًا.
وحسب الإحصاءات المنشورة على موقع جهاز التخطيط والإحصاء، وفي عملية حسابية استنتاجية سريعة، بوسعنا أن نتبين واقعية هذه المشكلة، التي ربما تتحول في يوم الأيام القريبة إلى معضلة حقيقية، ففي الفترة بين أغسطس ٢٠٢٠ ويوليو ٢٠٢٢ - أي العامين الماضيين- شهدت حالات الزواج انخفاضًا بنسبة ٣٤.٢٪ لدى الذكور، و٣٨٪ لدى الإناث. في حين بلغ إجمالي حالات الطلاق ارتفاعًا قدره ٣١.٨٪ لدى الذكور، و٣٦٪ لدى الإناث. إن هذه المعلومات الآنفة تقوّض الفكرة الشعبوية الرائجة الظانّة قولًا بأن فترة وباء كوفيد قد حفّزت الزواج ورفعت نسبته، ولكن لغة الأرقام أصدق شاهدًا، وأبلغ دلالة.
يبقى القول بأن شتّى هذه التحولات إنّما تستدعي منا إعادة التفكير في الرهانات التي تحكم مسارَ انتقال المجتمع. كما تبقى ثمة تساؤلات مُلحّة، كأنما تجثم على العقل والضمير: ألا يعني التحول في معدلات الخصوبة تحوّلًا في القيم والتصورات والتفضيلات الاجتماعية؟ وهل هذه إلا تحولات للهُويّة، أي تمخّضات على مستوى أسس البنية الاجتماعية؟
ما الشكل الذي سيكون عليه المجتمع بعد عشر سنين/ عشرين سنة؟ هل تساءلنا عن ذلك تساؤلًا جادًّا؟ وكيف يمكن أن نفهم المسألة وأن نعالجها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*المقصود بلفظ حداثة في كل مواضع المقال هو كون الأمر حديثا وجديدا من الناحية الزمنية، لا منظومة الأفكار الخاصة بالحداثة.
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1935
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1751
| 31 أغسطس 2022
لماذا يحب القطريون اللاندكروزر؟
قد لا تظهر هناك علاقة مباشرة بين الوضعية الثقافية لدى شعبٍ ما، ونوع السيّارة المفضّلة لديه أو المُستخدَمة... اقرأ المزيد
10356
| 16 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5283
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026
■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته ولا تنتهي علاقاته الإنسانية ■ العلاقات القطرية - التركية أصبحت أكثر مؤسسية ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق ■6 سنوات في مهمتي الدبلوماسية شهدت زيارات رسمية ومواقف لا تنساها القلوب ■الإنجاز الذي أعتز به هو ترسيخ الثقة المتبادلة بين تركيا وقطر ■حين تدخل مجلساً قطرياً سرعان ما تتراجع الرسميات ويبدأ التعامل الإنساني المباشر ■أغادر قطر وقد أصبحت جزءًا أعتز به من حياتي الشخصية لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها ■ أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير قطر قيادةً وشعباً .. بإذنكم تزدان المجالس القطرية بعادة عريقة، يعرفها كل من جَالَس أهل هذه الأرض الطيبة؛ فالضيف يدخل المجلس مرحبًا به، ولا تكون كلمة الاستئذان عند دخوله، وإنما عند انصرافه. يستقبله راعي المجلس بالبِشر قبل الكلام، ويُصبّ له الفنجان الأول بيده أو بيد أحد أهل الدار، وتفوح رائحة القهوة الممزوجة بالهيل قبل أن يبدأ الحديث. وطوال الجلسة، لا يفكر الضيف في الرحيل؛ يستمع حينًا، ويتحدث حينًا آخر، ويشارك القوم أحاديثهم وضحكاتهم، وحتى لحظات صمتهم، إلى أن يشعر أنه من أهل المجلس لا من عابريه. فإذا استشعر أن الوقت قد حان، هزَّ الفنجان بين أصابعه إيذانًا باكتفائه، ثم التفت إلى راعي المجلس وقال: «بإذنكم». هذا ما تعلمته من أهل قطر: أن الاستئذان ليس بداية انقطاع، بل ختام جلسة طيبة، وإشارة إلى أن الضيف لم يبرح المجلس إلا بعد أن اكتمل أُنسه فيه. واليوم، بعد ست سنوات جلست فيها في مجلس قطر الكبير، بقيادته وشعبه، لا أجد طريقة أليق من طريقتكم لأختتم بها هذه المرحلة. أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير، قطر قيادةً وشعبًا، بعد أن أنست فيه ست سنوات كاملة، لم أشعر خلالها بأنني ضيف عابر، بل صار لي فيه مكان مألوف، ووجوه أعرفها وتعرفني، وذكريات تتجاوز حدود العمل والبروتوكول. وبصدق يليق بلحظة كهذه، يصعب عليَّ أن أختصر ست سنوات في كلمات قليلة. حين وطئت قدماي أرض الدوحة للمرة الأولى، كنت أعرف أنني قادم سفيرًا لتركيا لدى دولة شقيقة وصديقة، لكنني لم أكن أعرف أنني سأغادرها وقد أصبحت قطر جزءًا من ذاكرتي ومن حياتي الشخصية، لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها. لم تكن الدوحة طوال هذه السنوات مكانًا أؤدي فيه مهمتي فحسب، بل أصبحت بيتًا ثانيًا؛ دخلت مجالس أهلها، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم، ولمست عن قرب كرمهم ووفاءهم وصدق مشاعرهم. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته الرسمية في البلد المضيف، ولا تنتهي علاقاته الإنسانية. وقبل أن أمضي في سرد محطات هذه السنوات، أستأذنكم في أن أتوجه أولًا بالشكر: شكرًا لأهل قطر على محبتهم وكرمهم وثقتهم. سأغادر بعد انتهاء مهمتي سفيرًا لتركيا، لكنني سأبقى صديقًا لقطر وشعبها. * من العلاقة القوية إلى الشراكة الحقيقية حين أستعيد هذه السنوات، أرى أن أهم ما ميّزها هو انتقال العلاقة بين قطر وتركيا من مستوى العلاقات القوية إلى شراكة حقيقية متعددة الأبعاد. لم تعد العلاقة محصورة في السياسة أو الاقتصاد، بل امتدت إلى الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام، فضلًا عن العلاقات الإنسانية بين الشعبين. والأهم أن هذه العلاقة أصبحت أكثر مؤسسية، ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق، وفي مقدمتها اللجنة الإستراتيجية العليا، التي عقدت حتى اليوم إحدى عشرة دورة، ووُقّع في إطارها أكثر من 125 اتفاقية، من بينها 68 اتفاقية جرى توقيعها خلال فترة عملي. لكن الإنجاز الذي أعتز به أكثر من أي رقم هو ترسيخ الثقة المتبادلة. فالاتفاقيات تُوقّع، والمشاريع تُنفّذ، لكن الثقة بين الدول والشعوب هي التي تمنح كل ذلك ديمومته، وتتيح البناء عليه في المستقبل. ولم يكن هذا التقدم ليتحقق لولا ما لمسته من دعم واهتمام متواصلين من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، ومن معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وما وفَّراه من بيئة ساعدت التعاون بين بلدينا على التقدم والتوسع. وكانت وزارة الخارجية القطرية شريكًا أساسيًا لنا، وقام تواصلنا معها على الاحترام والثقة. وأخص بالذكر والتقدير سعادة السفير إبراهيم فخرو، الذي كان قريبًا منا ومتعاونًا وحريصًا على تيسير العمل، وله مني خالص الشكر على مواقفه الأخوية التي أعتز بها. كما أشكر كل مسؤول وموظف قطري تعاملت معه خلال هذه السنوات؛ فكثير من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في العمل اليومي، من كلمة طيبة إلى مساعدة في إنجاز أمر ما، تترك في نهاية المهمة أثرًا لا يُنسى. * زياراتٌ رسمية ومواقف لا تنساها القلوب شهدت فترة عملي زيارات رسمية رفيعة المستوى، من بينها الزيارات المتعددة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة قطر، وزيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الجمهورية التركية. وكانت اللقاءات بين القائدين تعكس في كل مرة مستوى واضحًا من الثقة والصراحة والتفاهم، خصوصًا في الفترات التي شهدت فيها المنطقة تطورات صعبة وكانت الحاجة إلى التشاور والتنسيق أكبر. ومع ذلك، فإن ما يبقى في الذاكرة إلى جانب الاجتماعات والاتفاقيات هو كثير من اللحظات الإنسانية والعفوية التي أحاطت بهذه اللقاءات، وأظهرت حجم التقارب الذي تشكل على مدى سنوات بين قيادتي البلدين ومؤسساتهما. وقد بدأت مهمتي في الدوحة في ظرف عالمي بالغ الصعوبة مع جائحة كورونا، ولمست خلالها مستوى التعاون بين قطر وتركيا في وقت واجه فيه العالم كله ظروفًا استثنائية. ثم جاءت استضافة قطر لكأس العالم 2022، وكانت من المحطات المهمة التي عشتها هنا. شاركت شركات تركية عديدة في تنفيذ مشاريع مرتبطة بالبطولة، وأسهمت تركيا بخبراتها في دعم جوانب أمنية وتنظيمية، وكنا سعداء بالنجاح الذي حققته قطر في استضافة هذا الحدث العالمي. وحين وقع الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، رأيت من قطر، قيادةً وشعبًا، تضامنًا ومساعدات تركت أثرًا عميقًا لدينا. وصلت فرق الإنقاذ والمساعدات والمستشفيات الميدانية، ووجدنا مشاعر تضامن صادقة من المجتمع القطري في واحدة من أصعب اللحظات التي مر بها شعبنا. وظل التنسيق بين البلدين، سياسيًا وإنسانيًا، حاضرًا خلال أزمة غزة، انطلاقًا من الحرص على تخفيف معاناة الفلسطينيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار والوصول إلى حل عادل ومستدام. ومن المواقف المؤلمة التي أثرت فيَّ كذلك حادثة سقوط المروحية العسكرية القطرية، حيث كانت مشاعر الحزن والتضامن في تركيا صادقة وقريبة. وحين فقدت قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، شاركنا في تركيا أشقاءنا القطريين حزنهم. فهناك لحظات تذكِّرنا بأن العلاقات بين الدول، مهما اتسعت ملفاتها السياسية والإستراتيجية، تبقى لها أيضًا أبعاد إنسانية يصعب اختزالها في البيانات الرسمية. * آفاقٌ رحبة: من متانة الدفاع إلى تجسير الثقافة والإنسان خلال هذه السنوات، تطور التعاون الدفاعي بين قطر وتركيا من التدريب وتبادل الخبرات إلى تعاون مؤسسي ومشاريع مشتركة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، على أساس بناء قدرات مشتركة وليس الاكتفاء بعلاقة بيع وشراء. وشهد التعاون الاقتصادي بدوره نموًا ملحوظًا؛ إذ تعمل اليوم أكثر من ألف شركة تركية في قطر، ونحو 250 شركة قطرية في تركيا، إلى جانب اتفاقية التجارة في السلع والخدمات والاستثمار «TEPA» التي تفتح مجالًا أوسع للتعاون. وطموحنا هو رفع حجم التبادل التجاري إلى خمسة مليارات دولار، بالتوازي مع مواصلة تنمية الاستثمارات المتبادلة وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص. وما أعتز به بقدر خاص هو ما تحقق في الثقافة والتعليم والسياحة، لأن الشعوب هي التي تمنح الاتفاقيات روحها واستمراريتها. تعاونَّا مع جامعات ومؤسسات تعليمية قطرية، واستفاد أكثر من مائة طالب من برامج المنح خلال هذه السنوات. وأعتز شخصيًا بمشروع المدرسة التركية الجديدة في قطر، الذي بدأنا العمل عليه استجابة لحاجة أبناء الجالية التركية، وأراه استثمارًا في الأجيال القادمة، وليس مجرد مشروع تعليمي. وما كان لهذا المشروع المهم أن يتقدم لولا الدعم الذي قدمته دولة قطر، وهو دعم نقدره لما يحمله من اهتمام بالتعليم وباحتياجات الجالية التركية المقيمة في البلاد. كما أصبحت السياحة جسرًا متينًا بين الشعبين؛ فهناك حضور قطري متزايد ومستمر في مختلف المدن والمناطق التركية، وفي المقابل ازداد اهتمام الأتراك بزيارة قطر والتعرف إليها عن قرب. وفي الملفات الإقليمية، أؤمن بأن قطر وتركيا تدركان أهمية إبقاء باب الحوار مفتوحًا عندما تضيق مساحات الحلول الأخرى. وقد تعاون البلدان في دعم جهود الوساطة والسلام في غزة وسوريا وأفغانستان وغيرها، انطلاقًا من مسؤولية تجاه شعبيهما واستقرار المنطقة. * رسالة إلى أهل الدار أما اليوم، وأنا أستعد للمغادرة، فأريد أن تكون كلمتي الأخيرة إلى أهل قطر. عشت بينكم ست سنوات، ودخلت بيوتًا ومجالس كثيرة، وأول ما يحضرني حين أفكر في هذه السنوات هو الكرم؛ لا كرم الضيافة وحده، بل كرم المشاعر أيضًا. حين تدخل مجلسًا قطريًا، سرعان ما تتراجع الرسميات، ويبدأ التعامل الإنساني المباشر. وكم من مجلس دخلته لا أعرف معظم من فيه، ثم خرجت منه وقد عرفت وجوهًا وأسماء وقصصًا، ونشأت علاقات استمرت بعد تلك الجلسة الأولى. ولمست في كثير ممن عرفتهم من أهل قطر حرصًا على حفظ الود وتقدير المواقف والعلاقات، وهي قيمة وجدتها قريبة جدًا من قيم المجتمع التركي. علمتني مجالسكم أن المجلس ليس مكانًا للجلوس فحسب، بل مساحة لفهم المجتمع وقيمه؛ فيه يتعلم الإنسان حسن الاستماع والاحترام والكرم، ويتعرف إلى الناس بعيدًا عن المكاتب والرسميات. فشكرًا لكم على محبتكم وكرم ضيافتكم، وعلى كل ما جعل من هذه السنوات تجربة ستبقى حاضرة في ذاكرتي. قد لا أتذكر بعد سنوات تفاصيل كل اجتماع أو ملف عملت عليه، لكنني لن أنسى الوجوه والبيوت والمجالس التي فتحت لي أبوابها. وحين يسألني أحد: ماذا ستأخذ معك من قطر؟ سأقول: سأحمل معي ذكريات الناس. فأجمل ما منحته لي هذه السنوات ليس منصبًا ولا مكانًا، بل صداقات وعلاقات إنسانية تركت أثرًا في حياتي. * إذنُ انصراف.. لا كلمة وداع وهكذا أستأذنكم في الانصراف، لا في الوداع. فالوداع يوحي بفراق تام، وأنا لا أشعر أن علاقتي بقطر ستنتهي بانتهاء مهمتي. سأغادر الدوحة حاملًا معي ذكريات وصداقات ومواقف ستبقى عزيزة عليَّ. فهذه الرحلة لم تكن مهمة دبلوماسية فحسب، بل مرحلة من عمري أصبحت فيها قطر جزءًا من ذاكرتي ووجداني. وأرجو أن أعود إليها دائمًا؛ لا بصفة رسمية بالضرورة، بل صديقًا يعود إلى مكان عرف فيه المحبة، وترك فيه أصدقاء سيبقون قريبين منه مهما باعدت المسافات. لذلك، وكما تعلمت من مجالسكم، لا أقول وداعًا. أرفع بصري إلى أهل الدار، وأقول ببساطة: بإذنكم. دمتم بخير، ودامت قطر وتركيا شقيقتين تجمعهما الصداقة والتعاون والوفاء. - سفير الجمهورية التركية في قطر
2775
| 14 سبتمبر 2026