رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أيام، أصدرت الصين وثيقة بيضاء مهمة شديدة الأهمية تحت مسمى «المصير المشترك للمجتمع العالمي: أعمال واقتراحات الصين». استعرضت فيها رؤية الصين لبناء عالم أفضل في ظل القيادة الصينية، وليس الهيمنة الصينية.
إذ انصب تركيز الوثيقة على رفض الصين لفكرة أو مصطلح «الهيمنة»، التي وصفتها -طبقا للوثيقة- بكونها مرادفا لاحتكار القوة المطلقة والتسيد على الآخرين، وعقلية المباراة الصفرية، والتوسع عبر القوة العسكرية.
مقابل ذلك، استعرضت الوثيقة نهج القيادة الدولية الحميدة أو الرشيدة للصين، المستند الى طرح الصين نفسها للعالم كصانع للتنمية المفيدة لنفسها وللآخرين، والعمل على تعزيز فرص متساوية للنمو والازدهار للجميع في ظل نظام معولم. وهذا في حد ذاته سيساهم في توطيد السلام والاستقرار في العالم، ويقضى على عقلية المباراة الصفرية والصراعات الجيوسياسية.
تحدثنا كتب تاريخ العلاقات الدولية عن أنماط متعددة من الهيمنة العالمية. فهناك النمط الشائع «الهيمنة العسكرية الواقعية» التي تفرض فيها القوة المهيمنة هيمنتها على العالم بالقوة العسكرية والأساليب القسرية كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وهناك نمط «الهيمنة الليبرالية» وفيها تسعى القوة المهيمنة على فرض هيمنتها عبر نموذج وأدوات ومؤسسات اقتصادية عالمية، وتعد الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة نموذجا لتلك الهيمنة وذلك من خلال فرض النظام النيوليبرالى العالمي وهيمنة الدولار ومؤسسات بريتونوودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي).
وهناك نمط فريد وهو الذى تتبعه الصين حاليا وهو «الهيمنة الجرامشية، أو المقبولة». وهذا النمط أقرب للقيادة عنه كونه هيمنة. إذ يستند هذا النمط الى طرح القوة الساعية للقيادة العالمية نموذجا وأدوات ومبادرات تنموية وحضارية واقتصادية تتسم بقدر كبير من المعقولية والرشادة والعدالة، وهو ما يدفع الدول إلى الانضمام إليها طواعية وليس جبراً لشعورهم أنها تحقق مصالحهم وتعظم مكاسبهم وتحافظ على أمنهم وسيادتهم. أو عبارة أخرى، يتنامى شعورهم أن مصلحتهم متوافقة مع مصلحة القوة القائدة الحميدة.
والسؤال المثار الآن، لماذا تتعمد الصين تبنى هذا النموذج للهيمنة؟ وإلى أي مدى نجحت في تطبيقه؟
وتتعمد الصين اتباعه لثلاثة أسباب رئيسية واحدة منها ذكرتها صراحة في الوثيقة، وهى إدراك الصين الحكيم لدروس التاريخ حيث انتهى مصير القوة الساعية إلى الهيمنة عبر الإكراه العسكري للانتحار مثل الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية، كما أن استدامة هذه الهيمنة مستحيل بسبب القوة المضادة التي ستنشأ للقضاء عليها. والثاني هي تقاليد وثقافة وتاريخ الصين السلمية المعادية لمسالة فرض الهيمنة جبراً. فالصين كانت إمبراطورية في القرون الوسطى عبر نشر ثقافتها وتأثير طريق الحرير القديم. وأخيرا، هو امتلاك الصين لمخزون من الخبرات والتجارب والأدوات القديمة والحديثة التي تمنحها المقدرة على إنجاح خططها للقيادة الدولية الحميدة. إذ غدت الصين في غضون عقدين قوة اقتصادية تنموية جبارة، مما أهلها بان تكون نموذجا فريدا للنمو والتنمية-ليس غربيا- يحتذى به في العالم.
وأصدرت الصين الوثيقة، وهى متسلحة بنجاحها الواسع خلال عقد في جذب معظم دول العالم في الفلك الصيني طواعية. فمبادرة الحزام والطريق التي تعد اهم مبادرة صينية لتعزيز القيادة الدولية الحميدة للصين، يبلغ عدد أعضائها حاليا نحو 150 دولة. فمن خلال المبادرة، ازدهرت اقتصادات العديد من أعضائها، وساهمت الصين في تطوير البنى التحتية للكثير من الدول، لاسيما لدول مجلس التعاون الخليجي. كما استحوذت دول المبادرة على احدث التكنولوجيا الصينية كشبكة جى 5.
وهناك أيضا تجمع البريكس الذى تقوده الصين، حيث يتوسع باطراد فمؤخرا انضمت إليه خمس دول من بينهم ثلاث عربية، كما يتلقى التجمع طلبات للانضمام من عشرات الدول. وناهيك عن ذلك، ففي ظل القيادة الحميدة للصين، تطرح الصين نفسها كمبادر لحل التحديات العالمية الخطيرة وعلى رأسها قضية التغير المناخي. ففي إطار مبادرة الحزام والطريق، تدعم الصين معظم المشروعات الخضراء.
كما تطرح الصين نفسها كوسيط عالمي صانع للسلام، إذ قدمت العديد من المقترحات لإصلاح الأمم المتحدة. كما نجحت وساطتها في تطبيع العلاقات بين إيران والسعودية.
والحديث عن منجزات القيادة العالمية الحميدة للصين يحتاج إلى عشرات الكتب في حقيقة الأمر. لكن الشاهد في الأمر، أن الصين قد بات قائدا عالميا حميدا وبمحض رغبة وإرادة معظم دول العالم، التي تنضم إلى مبادرات ومشروعات الصين طواعية لشعورها بانها الوسيلة الأمثل لتحقيق مصالحها وتعظيمها. وهذا في حد ذاته سيساهم في استدامة القيادة الدولية للصين ربما لقرون، وانتقال النظام الدولي إلى القيادة الصينية المطلقة أو التعددية القطبية بشكل سلس وليس عنيفا كالعادة، لأن أصدقاء وحلفاء خصوم الصين الرئيسيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة، هم أيضا باتوا يدورن في فلك القيادة الحميدة للصين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4494
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4245
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
3081
| 07 مايو 2026