رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

دول مجلس التعاون بعد اتفاق وقف الحرب

على الرغم من أن الاتفاق الأمريكي- الإيراني مجرد اتفاق هدنة أو إطاري مرحلي، وليس اتفاقا نهائيا، بيد أنه يعكس رغبة جازمة من الطرفين على إنهاء الحرب، بل والمضي أبعد من ذلك عبر تدشين مرحلة تطبيع في العلاقات، ولعل الشيء الوحيد الذي قد يعرقل تقدمه هو محاولات إسرائيل إفساده بصورة مباشرة أو غير مباشرة. الاتفاق بالطبع ومن حيث المبدأ في صالح دول مجلس التعاون أكثر من تضرر في تلك الحرب، وأي استقرار في المنطقة في مصلحة دول الخليج الداعم الرئيسي للاستقرار في المنطقة، لذلك كانت دول الخليج أولى المرحبين به، علاوة على جهود الوساطة القطرية الحثيثة لإبرامه بمساندة خليجية قوية لا سيما من السعودية. لكن واقع الأمر يقول إن الأمر بالنسبة لدول الخليج لن يتوقف عن هذا الحد، فرغم انعكاسات الاتفاق الحميدة على أمن واستقرار دول الخليج؛ بيد أن الاتفاق في طياته يحمل بعضاً من التداعيات السلبية والتي قد تبدو غير واضحة وذات تأثير بعيد المدى، لكن يجب على دول الخليج الاكتراث منها. يعد من المنتصر في تلك الحرب أكثر قضية جدلية على الإطلاق، وهي بالطبع قضية شديدة التعقيد لأن مفهوم الانتصار والهزيمة يتوقف على تعريف ومفهوم كل طرف، إذ هناك من يجادل بأن عدم سقوط النظام الإيراني- رغم حجم الخسائر المهولة- هو بمثابة انتصار لإيران على أكبر قوة في العالم، وهناك اتجاه آخر يرى أن ترامب قد حقق كل أهدافه، إذ أضعف القوة الإيرانية، وأجبر النظام الإيراني على التخلي عن السلاح النووي وفقا للاتفاق، ولم يكن يرمي من الأساس إسقاط النظام، بل كان هدف إسرائيل فقط بالأساس. دوامة من الجدل لن تحسم بسهولة، لكن الشاهد لدينا- وهو ما يهم دول الخليج في المقام الأول - أن النظام لم يسقط، بل برهنت الحرب أن سقوطه سيؤدي إلى تداعيات وخيمة، وزد على ذلك أن الاتفاق لن يؤكد فقط ذلك الافتراض، بل رسخ مجموعة حقائق أخرى من أهمها، قوة التيار المتشدد داخل إيران، والرهان على عقيدة الصبر الإستراتيجي، و"الموت وعدم الاستسلام". وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى انتهاج إيران بقيادة المتشددين نهجا أكثر غطرسة بما يشبه الابتزاز في مسارات وملفات عدة على رأسها مضيق هرمز. الاتفاق وهو محصلة نتائج الحرب قد كشف بجلاء لدول الخليج أمراً جوهرياً وهو فشل الرهان على حماية تامة لأمن الخليج عبر مظلة حماية القوى العظمى في العالم، ولا يعني ذلك مطلقاً عدم أهمية تلك الحماية، بل المقصود "الحماية التامة"، إذ كان الأمر الجيد في ذلك هو قدرة دول الخليج الفائقة على ردع هجمات إيران التي تجاوزت الألف هجمة. وبالتوازي مع ذلك، فشل الرهان على حماية أمن وحركة مضيق هرمز الذي هو شريان الحياة الاقتصادي لدول الخليج. ماذا يجب على دول الخليج أن تفعل؟ في المقام الأول الدفع بجهودها وثقلها الكبير لإنجاح الاتفاق وصولاً لاتفاق نهائي، أي الحيلولة دون العودة للمربع صفر الذي تدفع ثمنه دول المنطقة باهظاً. وفي المقام الثاني، التحرك على مستويات متعددة متوازية أو تحويطية في ذات الوقت، انتهاج سياسة احتواء وتطبيع لا سيما اقتصادية مع النظام الإيراني، ومساعدته في جهود الإعمار، وفي ذات الوقت، وضع خطوط عريضة فيما يتعلق بالأمن والسيادة لاسيما شبكات التجسس والتخريب. فتح حوار عميق للتفاهم والتعاون بشأن مضيق هرمز، وفي الوقت ذاته العمل على إيجاد طرق ووسائل بديلة. وعلى مستوى آخر شديد الحيوية، العمل على تقوية منظومة الدفاع والأمن لا سيما منظومات الردع والاعتراض سواء بصورة منفردة أو تحت مظلة مجلس التعاون. الحفاظ على الشراكة الأمنية والعسكرية القوية مع واشنطن، لكن في ذات الوقت ضرورة تنويع تلك الشراكات الأمنية مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، وقوى دولية لا سيما الصين وروسيا.

504

| 23 يونيو 2026

هل اكتشفت أمريكا الحقيقة متأخراً؟

لماذا فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في الحرب حتى الآن ؟ قبل بداية الحرب كان السيناريو الأكثر رعباً بإجماع الخبراء هو تداعيات الفوضى الرهيبة على المنطقة وخاصة دول الخليج من انهيار النظام الإيراني، وذلك استنادا إلى قدرة واشنطن الحاسمة على إسقاط النظام خلال أيام، وربما نزول برى محدود إذا استدعت الضرورة. وقد تبدى من اليوم الأول للحرب رهان واشنطن وتل أبيب على ما يسمى "تكتيك قطع الرؤوس" عبر اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري، ليس بهدف إسقاطه -كما صرح ترامب مراراً- بل استسلامه، في سيناريو أشبه بفنزويلا، وعراق صدام حسين عندما اختفى الجيش العراقى في غضون أسبوع، مع فارق عدم النزول البري. وما لبثت وأن أدركت واشنطن أن الرهان على قطع الرؤوس قد جانبه الصواب بشدة باعتباره أنسب الخيارات دون معضلة التورط على الأرض، والأهم من ذلك-وهو المعضلة الرئيسة- ليس فقط في قدرة النظام الإيراني على إعادة ترتيب صفوفه، ومؤسساته بل في طبيعة النظام نفسه ومؤسساته المدلجة التي تحارب من مربع الخيار الصفري "الموت أو الصمود". وقد ترتب على ذلك توجيه انتقادات شديدة لإدارة ترامب حتى داخل حزبه لأنها انخرطت في الحرب دون فهم عميق لطبيعة النظام الذي تحاربه، إذ اعتقدت أن مقاربة فنزويلا والعراق وغيرهما سابقا ستنجح مع إيران. والمهم في الأمر، قد ترسخ لدى واشنطن قناعة جازمة بأن هناك خيارين لا ثالث لهما لإسقاط نظام الملالي إما نزولا بريا، أو تحطيم قدرات إيران العسكرية تماما أملا في الاستسلام والخضوع للمطالب خاصة تسليم اليورانيوم المخصب، وفضلت واشنطن الأخير عبر ضربات يومية شديدة العنف، لأن خيار الحرب البرية شديد الصعوبة والتعقيد رغم انه الحاسم- كما سنفصل لاحقا - وإزاء قسوة الضربات ضد إيران، بدأت إيران في استخدام أخطر ورقتين على الإطلاق وهما ضرب دول مجلس التعاون، وإغلاق مضيق هرمز، وكان احتمالية استخدام إيران لتلك الورقتين مع تحريك أذرعها في المنطقة في الحسبان بالطبع، لكن تكمن المفارقة في مستوى التوقعات، إذ لم ترجح تقارير أكبر الخبراء والمؤسسات وإدارة ترامب ذاتها، هذا التوسع الإيراني في استخدامهما على أساس أن ذلك سيعجل بسقوط النظام سريعاً عبر ضرب أمريكي شديد العنف انتقامي، أو تشكيل تحالف دولي لإسقاط النظام، علاوة على الضغوط الشديدة التي سيعرض لها النظام من أقرب أصدقائه خاصة الصين. ودون الخوض في تفاصيل مكررة عمد النظام الإيراني الإفراط في استخدام الورقتين لتدويل الحرب وإرباك سوق النفط العالمي والضغط على دول الخليج التي تعرضت لأكثر من ألف هجوم سافر على منشآتها المدنية، وحلفاء واشنطن عموما لأجل إقناع ترامب بالتوقف عن الحرب. وإزاء تعقد الحرب وخلط الأوراق، بدأ الحديث عن جولة مفاوضات وهدنة بوساطة باكستانية، وموافقة واشنطن على المفاوضات يعكس بلا مجال للشك عجز أمريكا عن تحقيق أهدافها وإنهاء الحرب. استمرت المفاوضات لمدة شهر تقريبا، وأقرب وصف لها "بالبعثية" إذ لم تكشف فيها أهم التفاصيل الجوهرية، والأرضية المشتركة التي بنيت عليها المفاوضات بين الجانبين، فضلا عن عبثية التصريحات اليومية المتضاربة من الجانبين، وبنود اتفاق إنهاء الحرب المتبدلة يوميا غير الواضحة بالأساس. خلاصة الأمر، قد تبدى أن المفاوضات لم تكن سوى تكتيك إضاعة وقت من إيران لأنها عازمة من البداية على عدم الاستسلام في ملف البرنامج النووي وهو ما لن تقبله واشنطن، متسلحة بأوراق الضغط التي تملكها ومؤسساته المدجلة الانتحارية. وهو ما أسفر في النهاية عن فشل المفاوضات، وعودة دائرة الحرب العبثية من جديد. وبعد كل ذلك، نقول إن الولايات المتحدة قد أدركت الحقيقة متأخراً، وهى أن إسقاط النظام الإيراني، أو خضوعه ليس سهلاً على الإطلاق، إذ يستلزم ذلك نزول أو احتلال برى من تحالف دولي من الدول الراغبة في إسقاطه، والأهم خطة شاملة محكمة للمرحلة الانتقالية لضمان عدم الفوضى نظراً لطبيعة إيران الجغرافية والاجتماعية والعرقية شديدة التعقيد. ونعتقد أن مسالة النزول البري كان بالأساس سيناريو صعب التنفيذ، فلن يسمح الرأي العام الأمريكي ولا المؤسسات الأمريكية النافذة بذلك، ولا حتى حركة ماجا أنصار ترامب بذلك، بعد كابوس احتلال العراق. كذلك، حلفاء واشنطن على الإطلاق، وما ادل على ذلك رفض الناتو والدول الأوروبية مجرد الاشتراك في فتح مضيق هرمز.

558

| 08 يونيو 2026

إحياء مبدأ مونرو.. تخلٍّ عن الهيمنة أم حفاظ عليها ؟

في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.

1818

| 04 يونيو 2026

قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة التاريخية، والقفزة التاريخية لما تمخض عنها من نتائج من شراكة اقتصادية وأمنية، ومساعدات عسكرية كبيرة لأرمينيا، وضوء أخضر للانضمام للاتحاد، وبذلك نجح الاتحاد في اختراق القوقاز، أو بصريح العبارة ضرب النفوذ الروسي هناك، وهو ما منح لتلك القمة تحديداً صفة التاريخية. وتتأتى تاريخيتها أيضا من مناقشة الاتحاد مسألة الاستقلالية بصورة أكبر وأكثر جرأة وتوسعاً، كرد فعل على قرار ترامب سحب قواته من ألمانيا، تمهيدا لمزيد من الانسحابات من أوروبا، وتقليص الدور الأمريكي في الناتو بعد موقفه من أزمة مضيق هرمز. في القمة صرح أكثر من زعيم أوروبي ومن بينهم ماكرون حول مفترق الطرق الذي تعيشه أوروبا، واستمرار التحدي الروسي الخطير، وموقف الولايات المتحدة المتذبذب، مع الحث على ضرورة تقوية أوروبا عسكريا وتعزيز تضامنها. لكن اللافت أيضا أن الزعماء الأوروبيين وزعماء الاتحاد قد أشاروا إلى واقع "التعددية القطبية" الذي يعشه العالم الآن، مما يفرض على أوروبا تعزيز استقلالها لتصبح أحد أهم أقطاب ذلك النظام المتعدد. ولعل المغزى الأكبر يكمن في إقرار الاتحاد بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن ثم قد ولى أيضا زمن الاعتماد التام على الحماية الأمريكية، ناهيك عن أن الحماية الأمريكية لأوروبا تمر بمرحلة تحول إثر الانشغال بالصين والشعبوية الترامبية. وربما هنالك مغزى آخر يرمي إليه الأوروبيون وهو ضرورة الانفتاح على شراكات شاملة جديدة لاسيما أمنية. وهو ما تبدى بوضوح في استضافة كندا للقمة في واقعة نادرة الحدوث عامة، إذ نادرا ما يتم استضافة ضيف في القمم الأوروبية الخاصة من خارج أوروبا، كندا لم تحضر كمتفرج فقط، بل شاركت الأوروبيين رؤية النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مع وعود ضمنية لتعزيز الشراكة مع أوروبا في مجالات مختلفة من بينها أمنية. القمة قفزة هامة لأوروبا بلا شك من حيث تحدي النفوذ الروسي في القوقاز، استقطاب قوى خارجية للأمن والاقتصاد الأوروبي، والإقرار بواقع التعددية الدولية وتراجع الدور الأمريكي وحتمية تقليل الاعتماد عليه، قفزات جيدة قطعاً في مسيرة تقوية واستقلال أوروبا، ومع ذلك، سيظل السؤال المعضلة للأوروبيين أنفسهم قبل المراقبين، هل ستنجح أوروبا في تحقيق الاستقلالية التامة لا سيما الأمنية؟ مسألة الاستقلالية الأمنية التامة لأوروبا قد استحوذت على مئات الأوراق البحثية، لكن اللافت أنها قد أجمعت على أنها حلم ليس مستحيلاً لكنه شديد الصعوبة، ويحتاج إلى وقت طويل ليس أقل من عقدين حال توافر عمل وإرادة جبارة، وهذا من حيث المبدأ. لكن أيضاً يجب الاستناد أو الإحالة إلى تطور القوة والاستقلالية الأوروبية منذ الحرب الأوكرانية 2022، حيث قد عزمت أوروبا على ذلك بصورة جدية غير مسبوقة، لكن ما تم خلال تلك الفترة قد دعم فرضية الصعوبة بصورة جازمة، بل أيضا قد رسخ للكثيرين حتى دول أوروبية استحالة تحقيق الاستقلالية تماما لأنه قد تم اختبار تحدياتها على أرض الواقع. إذ قد تبدى جلياً الانقسام المزمن بين اتحاد من 27 دولة، وشكوك حول قيادة بديلة لواشنطن، وتحدي إنفاق دفاعي مطرد يناهز المليارات سنويا، وتحدي تصنيع عسكري استراتيجي يحتاج عقودا من النمو بجانب تريليونات الدولارات، وتباين حاد في المصالح والرؤى الأمنية بعض الدول الأوروبية مثل المجر لا تعتبر روسيا عدواً. وفوق كل ذلك- وهو الأهم- استمرار الثقة المطلقة في الناتو ومن خلفه واشنطن من جانب جل الدول الأوروبية ربما الاستثناء فرنسا، فالدول الأوروبية تؤمن ضمنيا أنه لا بديل مطلقا عن الناتو ولا تتصور بديلا آخر، وان قيادة أوروبية بديلة مجرد هراء. خلاصة الأمر، أوروبا حقا في ورطة شديدة فهي تتمنى فعليا عدم فك الارتباط بالناتو والولايات المتحدة، لكنها تصطدم يوميا بواقع متغير لا سيما واقع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يرجح استقلالية الاتحاد مطلقاً، بقدر ما يرجح مزيدا من الانقسام، وتزايد النزعة الاستقلالية الفردية للدول الأوروبية عن الناتو والولايات المتحدة.

789

| 26 مايو 2026

ترامب في الصين.. ملفات ضاغطة وإعادة ضبط الصراع

تصنف أية قمة بين رئيسي الولايات المتحدة والصين في أي زمان، رسمية أو على هامش مؤتمرات دولية بالتاريخية، لأنه سيترتب عليها مصير ملفات حيوية عدة، ومستوى الصراع بين القوتين. في الرابع عشر من شهر مايو الحالي سيزور الرئيس ترامب الصين لمدة يومين، وهى زيارة كانت مقررة في شهر مارس وتأجلت بسبب حرب إيران، مما يجعلها زيارة تاريخية-استثنائية أيضا- في ذلك التوقيت. على الرغم من أن ترامب الرئيس الأكثر مواجهة وتحديا للصين في تاريخ الولايات المتحدة، بيد أنه بزيارته الحالية للصين من أكثر رؤساء الولايات المتحدة زيارة للصين، ومقابلة لرئيس الصين على هامش عدة مؤتمرات وقمم دولية، وهو ما ينم عن أن الصين ورقة شديدة الأهمية لترامب عندما تتأزم وتتعقد معه الأمور، لا سيما وأن ترامب ليس له نمط ثابت لسياسته حيث غلبة نهج الصفقات الآنية المباشرة، وهو المنطلق الرئيسي لتحليل تلك الزيارة. في القمة المرتقبة سيتم بالطبع مناقشة معظم الملفات الشائكة بين القوتين، لكن الأولوية ستكون لحرب إيران، والحرب التجارية وهما الملفان الأكثر ضغطا حاليا لترامب. يواجه ترامب مآزق كبيرة في حرب إيران، فهو يريد إنهاء الحرب فعلياً عبر صفقة دون مزيد من الضربات تتمركز حول تخلى إيران عن طموحها النووي بأية صورة ما، وهو ما تتردد فيه إيران بشدة، ويتبدى ذلك من تصريحاتها المتضاربة يوميا تقريبا في ذلك. على الرغم من الخسائر الجسيمة التي كبدتها واشنطن لإيران والتي تقدر بنحو 300 مليار دولار، وتدمير شبه تام لبنيتها العسكرية؛ فإن الولايات المتحدة قد تضررت بشدة من الحرب من حيث ارتفاع النفط والتضخم داخل الولايات المتحدة، وضرب حلفائها الخليجيين بعنف، وتضرر التجارة البحرية، وتوتر العلاقات مع الأوروبيين والناتو، مما أضر بشعبية ترامب داخلياً، ومن ثم أيضا، تقويض فرص نجاح الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفى في نوفمبر المقبل. تبدو المعضلة الأكبر لترامب وهى إجبار إيران على صفقة دون مزيد من التصعيد والذي ستكون عواقبه وخيمة وتتآكل شعبيته الداخلية تماما، ومن هنا تأتى الصين في رهان ترامب للضغط على إيران لقبول تلك الصفقة والتي في مستواها الأدنى الذي قد يقبل به ترامب، تسليم إيران لليورانيوم المخصب لروسيا، وفرض رقابة دولية صارمة على منشآتها النووية. ويرتأى ترامب أن الصين ستمضى بالضغط على إيران لأنها: تدرك تماما أنه لا مفر أمام ترامب سوى التصعيد العنيف ضد إيران والذي سيشمل منشآت مدنية، وربما نزولا بريا إذا استمر عناد إيران، وأيضا، ضمان مصالح الصين أيضا لا سيما مرور النفط في هرمز دون معوقات. الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين صحيحة ومنطقية من حيث المبدأ، وذات إجماع من الحزبين الجمهوري والديمقراطي والمؤسسات الأمريكية، لأن استمرار العجز التجاري الرهيب مع الصين يدمر الهيمنة الأمريكية ذاتها وليس فقط اقتصادها. لكن تبقى المشكلة دائما في كيفية وآليات تطبيقها، فالتطبيق العنيف لترامب عبر فرض تعريفات جمركية ناهزت 100%، شديد الخطورة لأن الاقتصاد والسوق الأمريكي المعتمد بصورة كبيرة على المنتجات الصينية غير مؤهل لذلك، وهو ما اتضح سريعا من ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة إلى مستويات تجاوزت الـ 40%، مما أضر بشعبية ترامب أيضا بصورة كبيرة. ومن ثم، يحتل هذا الملف أولوية رئيسية في زيارة ترامب وهو ملف إغراء الصين للضغط على إيران، عبر إبرام اتفاق آخر لتخفيض التعريفات الجمركية المتبادلة لا سيما وأن كثيرا من شركات التكنولوجيا الأمريكية في حاجة ماسة لمعادن الصين النادرة وبعض مستلزمات الإنتاج. زيارة ترامب المرتقبة مبشرة في واقع الأمر لإنهاء الحرب الإيرانية، وإعادة ضبط الصراع الشرس بين القوتين على نحو أكثر هدوءاً؛ فالصراع بين القوتين لن ينتهى فهو صراع صفري على هيمنة العالم، لكن تحاول القوتان عدم تأجيجه إلى الحد الأقصى، وأيضا فهو صراع يدار عبر لعبة الاستقطاب والتحالفات والاقتصاد والتكنولوجيا. وبالتالي، فإدارة الصراع على نحو أكثر هدوءاً وتوسيع مجال التعاون في بعض القضايا، سينعكس على الاستقرار العالمي عامة، وفى الباسيفيك وقضية تايوان خصوصاً.

759

| 11 مايو 2026

تعويضات دول الخليج المستحقة

برز النقاش بقوة حول تعويضات دول مجلس التعاون الخليجي من إيران جراء الخسائر الجسيمة التي لحقت بها، بعدما تحركت دول الخليج عبر الأطر الدولية الشرعية لمطالبة إيران بالتعويضات، وخاطبت رسميا كلا من الجمعية العامة ومجلس الأمن، محمله إيران المسؤولية الكاملة عن انتهاك السيادة القطرية، مطالبة بتعويضات كاملة عن الخسائر الناجمة عن الاعتداءات السافرة من إيران. على الرغم من أن موقف دول الخليج القانوني يميل لصالحها تماما ويستند على أسس قانونية دولية، وسوابق وأحكام راسخة، ومع ذلك، لا يخلو النقاش من جدل-بما في ذلك جدل قانوني أيضا- ناهيك عن أن قضايا التعويضات عادة ما تكون شديدة التعقيد؛ إذ تتداخل فيها اعتبارات وتعقيدات سياسية، فضلا عن صعوبة تقدير الخسائر، والإرادة الدولية في التنفيذ. وفقا لمصادر دول الخليج، تقدر خسائر دول المجلس الأولية بنحو 200 مليار دولار أمريكي، وتلك الخسائر لا تشمل فقط المنشآت "المدنية" بل أيضا الناجمة عن تعطل قطاع النفط والغاز، والتجارة، والسياحة ورحلات الطيران، وأيضا منع العبور من مضيق هرمز. عملا بالقانون الدولي وتحديدا مبدأ المسؤولية الدولية، واستناداً أيضا إلى العرف الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، والسوابق الدولية أيضا لاسيما تعويضات العراق للكويت؛ تتحمل الدولة المعتدية المسؤولية الكاملة عن تعويض وجبر الدولة أو الدول المعتدى عليها مع احتفاظ الأخير بحقه في الدفاع الشرعي عملا بالمادة 51 من الميثاق دون المطالبة بالتعويض إذا لم يتجاوز غرض الدفاع إلى الانتقام والإفراط في استخدام القوة. وعليه، فموقف دول المجلس القانون يرتكن على أرضية شديدة الصلابة، إذ تعرضت لأكثر من 7 آلاف هجمة عدوانية سافرة من إيران، رغم اعتراضها على الحرب قبل اندلاعها، وإعلانها الصريح بعدم استخدام أراضيها وقواعدها لضرب إيران، كما أخلت الولايات المتحدة تلك القواعد قبل الحرب، فالحرب باختصار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ولا شأن لدول الخليج بها بتاتا، فضلا عن ذلك لم توجه دول المجلس طلقة واحدة إلى إيران رغم حقها الدفاعي، حيث اكتفت باعتراض تلك الهجمات فقط، مما يزيل أية ذرائع قد تعقد أو تصعب الموقف القانوني دول المجلس، ولعل ذلك ينم عن حكمة بالغة لقادة المجلس. والموقف القانوني السليم لدول المجلس محل بعض اعتراضات وذرائع واهية، أبرزها ما تثيره إيران ودفعت هي أيضا بالتعويض من أجله، وهو ضرب إيران من القواعد الأمريكية في الخليج، وهذا لم يحدث مطلقا ولا هناك أية أدلة على ذلك، ولعل الذريعة الكبرى الواهية التي يثيرها أنصار إيران، والمذاهب الشاذة في القانون الدولي، تتمحور حول أن تلك القواعد-وإن لم تنطلق منها هجمات على إيران- إلا أنها تشكل تهديدا خطيرا دائما لإيران وضربها سليم من منطلق عقيدة الاستباق، بل ويزايدون بأن دول المجلس يجب عليها إنهاءها لأن الحضور الأجنبي هناك السبب الرئيسي في عدم الاستقرار في المنطقة. أولا فمن حيث المبدأ إن سماح دولة بقواعد أجنبية على أراضيها حق سيادي كامل للدول وفقا للقانون الدولي الذي يقر بمشروعية اتفاقيات الدفاع المشترك، ثانيا إن مبدأ الاستباق أو حق الدفاع الشرعي الاستباقي غير معترف به دوليا ومخالف للمادة 51 من الميثاق تماما، ومحل اعتراض عالمي، قد يطبق في نطاق محدود للغاية إذا توافرت للدولة أدلة راسخة على تهديد خطير تستوجب ردعه على الفور أو في المستقبل. ثالثا، وهو الأكثر غرابة أن كل هجمات ايران العدوانية استهدفت منشآت وأعيانا مدنية، وهو ما يضع هجماتها تحت طائلة جرائم الحرب بموجب القانون الدولي الإنساني، مما يستوجب أيضا مساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية. خلاصة القول، موقف دول المجلس القانوني يقف على أرضية راسخة، وجرائم الحرب والعدوان لا تسقط بالتقادم، كذلك التعويضات لا تسقط بسقوط الأنظمة. وبالتالي، نحن على ثقة تامة في حكمة وحنكة وشجاعة قادة دول المجلس في الاستمرار بقوة وثبات بمطالبة إيران بالتعويضات جراء الخسائر الباهظة للممتلكات والأفراد، وعدم إخضاع الملف لمساومة من إيران أو لإنهاء الحرب في إطار صفقة مع واشنطن، ونثق أيضا تمام الثقة أن مبدأ الإفلات من العقاب وتكريسه مرفوض رفضا باتا من قادة دول المجلس.

660

| 27 أبريل 2026

ظلال حرب إيران على الناتو

تعتري الشراكة عبر الأطلسي بين واشنطن وأوروبا منذ 2010 حالة من التوتر وانعدام الثقة إثر توجه التركيز الأمريكي نحو آسيا لاحتواء الصين، ثم إثر قدوم الرئيس ترامب المجسد لتصاعد الشعبوية والانعزالية الأمريكية، مما فاقم التوتر إلى أعلى مستوياته. لكن على الرغم من ذلك، قد جاهد الأوروبيون لأجل استمرار تماسك الشراكة ورابطها الأساسي «الناتو» عبر الاستجابة المتوالية لمطالب واشنطن لا سيما زيادة حصة إنفاقهم في ميزانية الناتو. ولكن فيما يبدو أن حرب إيران ستلقي بظلال شديدة السلبية غير مسبوقة على تلك الشراكة ومستقبل الناتو. أعلن الناتو في بداية الحرب دعمه لواشنطن للقضاء على تهديدات إيران لا سيما نزع سلاحها النووي، كما أعلنت معظم العواصم الأوروبية- على استحياء - دعمها للحرب. بيد أنه على أرض الواقع، وافقت ثلاث دول أوروبية فقط على استخدام قواعدها لشن ضربات أمريكية على إيران والتزود بالوقود: رومانيا، وألمانيا، وإنجلترا بعد تردد وعلى مضض. في حين أن القوى العسكرية الأوروبية الكبرى والمؤثرة في الناتو أيضا قد تباينت مواقفها، ففرنسا سمحت فقط باستخدام مجالها الجوي وليس قواعدها، كما رفضت استخدام قواعدها ومجالها الجوي لنقل أسلحة أمريكية إلى إسرائيل، وكان موقف إيطاليا متطابقا تماما مع فرنسا، بينما، أغلقت أسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية، وأعلنت صراحة رفضها للحرب. مما دعا ترامب لتوجيه انتقادات عنيفة لتلك الدول خاصة فرنسا وأسبانيا، كما انتقد أيضا بريطانيا. مع تصاعد أزمة مضيق هرمز، دعا ترامب الناتو والدول الأوروبية للمشاركة في فتح وتأمين المضيق، لكنه قد ووجه بصدمة رفض أوروبي قاطع لذلك حتى من الحلفاء المشاركين في الحرب، فألمانيا قالت إن حرب إيران ليست حربا أوروبية تستدعي المشاركة بقوات، كما أعلنت بريطانيا على لسان ستارمار رفضها القاطع التورط في تلك الأزمة، أو حرب خارج حدود بريطانيا حسب قوله. وعلى إثر تلك الصدمة، وجه ترامب انتقادات عنيفة للدول الأوروبية واصفا إياهم بالجبناء غير المخلصين، ثم ما لبث وأعلن عن عزمه الانسحاب من الناتو بعد وصفه بأنه «نمر من ورق»، ثم أعاد التأكيد بأنه قد قرر الانسحاب «كأمر لا رجعة فيه» لأن الناتو عديم الفائدة لواشنطن عندما تحتاجه، وأكد على ذلك أيضا وزير خارجيته في عدة مناسبات. إن انسحاب الولايات المتحدة من الناتو ليس أمراً سهلاً- كما يدعي البعض - ولا يمكن أن يتم حتى بين ليلة وضحاها حال قررت واشنطن، وليس أيضا بيد الرئيس الأمريكي وحده، فهو قرار صعب له تداعيات خطيرة يتم تقريره من قبل الدوائر العميقة خاصة البنتاجون. علاوة على ذلك، فالناتو لا يزال شديد الأهمية لواشنطن- رغم إهمالها له - من نواحٍ عدة، إذ لا يزال يضمن الهيمنة الأمريكية في أوروبا والعالم بصفة عامة، بخلاف الاستفادة الأمنية والاستخباراتية وبيع السلاح والضغط على روسيا... وغيرها. لكن الأمر الذي لا شك فيه، أن أزمة حرب إيران ستوسع هوة الشرخ بين شركاء الأطلسي بصورة من الصعب إصلاحها، كما ستضعف الناتو بلا أدنى شك. في كل أزمة أو تحدٍّ يعصف بالعلاقات بين شركاء الأطلسي، يتكشف جزء الحقيقة عن واقع ومستقبل الشراكة والناتو، ولعل أهم ما تكشف للأوروبيين من أزمة حرب إيران، ليس فقط تفاقم الإهمال الأمريكي للناتو والشراكة، بل استخدامهم فقط لخدمة مصالح واشنطن خارج أوروبا كتوجه عام أمريكي لا يقتصر على ترامب فقط. بينما للأمريكيين، أن الدول الأوروبية والناتو عبء شديد على واشنطن، فأوروبا لا تخدم المصالح الأمريكية، وفي أغلب الظن لا تستطيع، فقط تريد توظيف الناتو لخدمة أمنها ومصالحها لاسيما تقويض التهديد الروسي. مما يؤدي ذلك إلى تفاقم التوتر والإهمال الأمريكي للناتو، مقابل سيناريوهات أوروبية متعددة، من بينها التركيز على تطوير القدرات العسكرية لتأسيس جيش أوروبي موحد، أو سيناريو الانقسام وزيادة النزعة الفردية الاستقلالية لا سيما من جانب فرنسا وألمانيا، أو سيناريو التحالف الأوروبي مع قوى دولية لا يستبعد الصين. خلاصة القول، إن عصر الشراكة الراسخة بين الأطلسي قد ولَّى بلا رجعة، وقوة وتماسك الناتو تتعرض لاهتزاز عميق، إثر التحولات والتحديات والأولويات الإستراتيجية الجديدة في العالم لا سيما أولويات وتحديات واشنطن الجديدة.

699

| 07 أبريل 2026

التكنولوجيا العسكرية وتحول موازين القوى

شهدت معادلات توازن القوى تحولات تدريجية على مدار العقدين السابقين، إذ تقلصت نسبياً المعايير الكمية والصلبة من المعادلة لا سيما القوة العسكرية «التقليدية» لصالح القوة الناعمة والذكية والاقتصادية والدبلوماسية، وفي ضوء التطور التكنولوجي المطرد؛ بدأت تتضح أن معادلات توازن القوى في طريقها للتحول الجذري. أسهم الذكاء الاصطناعي في إحداث تطور هائل وسريع في المجال التكنولوجي، وسنشهد تطورات أخطر وأسرع مع تقدم الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا نزال في الجيل الأول من تطوره، مما يؤكد أن التفوق التكنولوجي سيكون الفيصل في معادلة القوة بصفة عامة. إذ يؤكد الخبراء الاستراتيجيون أن عصر التوازن أو التفوق التكنولوجي قد انطلق، إذ ستقلب التكنولوجيا معادلات توازن القوى رأسا على عقب؛ وهذا بدوره سيجهز على الأنماط والمفردات الناجمة عن معادلة التوازن التقليدية مثل الدول الصغيرة والدول الكبيرة والهيمنة الجيوسياسية والإقليمية وغيرها بلا رجعة. تعد القوة العسكرية حاسمة في معادلة توازن القوى بين الدول- وستستمر بالقطع- بيد أن التقنيات التكنولوجية المتطورة والفائقة؛ ستقلب هذا التوازن رأسا على عقب. ويمكن القول بكل ثقة إن الحرب الإيرانية الدائرة بشراسة حالياً، تمثل المنطلق لاختبار ذلك الافتراض. تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي لاعتداءات إيرانية آثمة سافرة مكثفة على منشآت مدنية، إذ بلغت هجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية على دول المجلس قرابة الخمسة الآلاف هجمة منذ اندلاع الجرب، ولا تزال تتعرض يومياً لها، أي ما يعادل ثمانية أضعاف ما نالته إسرائيل؛ بيد أن دول المجلس قد نجحت في اعتراض قرابة 97% منها، وبمفردها دون مساعدة من قوى أخرى. ويعزو الفضل الرئيسي في ذلك للقدرات العسكرية التكنولوجية الفائقة لا سيما قدرات الرصد والدفاع الجوي التي بحوزة دول المجلس. دول المجلس التعاون مجتمعة وفقا لمعادلة توازن القوى التقليدية لاسيما البعد الجغرافي والديمغرافي والعسكري التقليدي؛ لا توازن القوى الإيرانية، فضلا عن عدم امتلاكها لذات الخبرة الإيرانية القتالية والحربية، وكذلك وكلاء وأذرع ومليشيات. ومع ذلك، أثبتت جدارة مذهلة في حماية أمنها وسيادتها ومواطنيها؛ ليس هذا فحسب، بل برهنت على قدراتها على خوض حرب شاملة إذا استدعت الضرورة، وعدم ارتهان قرار الدفاع على مساندة قوى أخرى؛ أي عدم حاجتها- بصريح العبارة- لدعم عسكري إقليمي أو دولي أسوة بحرب تحرير الكويت عام 1991. بل في هذا الشأن، قد اتضح أن دول المجلس تحوز من القدرات العسكرية المتطورة ما تفتقر له معظم القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، وربما كثير من القوى الكبرى في العالم. بخلاف تطور طبيعة وأنماط الحروب في إطار ما يسمى الجيل الخامس والسادس للحروب، إذ أمست الغلبة للحروب السيبرانية وحروب المسيرات وحرب المعلومات والشائعات.. وغيرها؛ فمن شأن التكنولوجيا العسكرية المتطورة أن تعيد توازن القوى العسكري بصورة جذرية. فالعنصر البشري الذي يعد مكونا حاسما للجيوش النظامية سيتقلص دوره بصورة كبيرة، كذلك كثير من الأدوات والأسلحة العسكرية التقليدية كالدبابات والمدرعات سيتقلص دورها؛ نظير التطور المذهل للمسيرات والصواريخ الفرط صوتية الفائقة الدقة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. ولعل الجانب الأكثر أهمية هو ما يتعلق بالتطور المذهل في تقنيات الرصد والمراقبة والردع والاستباق، وهذا بدوره لن يعزز القوة العسكرية للدول فحسب، بل يجعلها قادرة على حسم الصراعات عن بعد بكفاءة مذهلة، بل حسمها قبل الشروع فيها بالأساس. هذا بخلاف أيضا التقنيات الفائقة للاعتراض لا سيما الصاروخي كما نجحت دول المجلس بكفاءة عالية في اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية المتطورة أيضا، لكن التفوق التكنولوجي لدول المجلس كان حاسماً. خلاصة القول تعيد التكنولوجيا العسكرية الحديثة تشكيل توازن القوى العسكري بصورة جذرية، إثر كفاءة دول المجلس المذهلة في التصدي لاعتداءات إيران السافرة؛ بات من غير الموضوعي وصف دول المجلس بالصغيرة أو الضعيفة، بل قوى عسكرية ناشئة لها وزنها المعتبر. ومن ثم، نحن على ثقة تامة في حكمة قادة دول المجلس الثاقبة دائما في استكمال مسيرة التركيز على التفوق التكنولوجي في كافة المجالات وليس العسكري فحسب، لكي تحتل مكانة أكثر قوة وتقدما في عالم توازن القوى التكنولوجية الذي انطلق ويسود في المستقبل.

705

| 31 مارس 2026

لماذا تتجه إيران صوب الانتحار؟

أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق ضرباتها ضد جيرانها في دول مجلس التعاون بصورة أكثر كثافة وضد أهداف مدنية من ضرباتها الموجهة ضد إسرائيل وضد السفارات الأمريكية في الخليج. ولعل ما أثار استغراب الجميع هو امتداد العبث الإيراني إلى كل من قطر وسلطنة عمان وهما أكثر من ساند إيران وصدا عنها أضرارا دبلوماسية واقتصادية كثيرة لسنوات، إلى جانب الوساطة الحيادية الموثوقة. نالت كل دول الخليج مئات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، فالإمارات وحدها تعرضت إلى أكثر من ألف ضربة، وقطر أكثر من مائة، والكويت أكثر 70، ومعظمها للأسف ضد أهداف مدنية واقتصادية حيوية. ونطاق العبث الإيراني قد طال أيضا العراق والأردن، وأخيراً القواعد البريطانية في قبرص. لماذا تتصرف إيران بذلك التهور الماجن؟ أو تحديداً في أي خانة يندرج التصرف الإيراني، هل في خانة سياسة الأرض المحروقة، أم في خانة التصعيد المحسوب ورفع الكلفة، أم في خانة الانتقام الأعمى، أم في خانة الضغط على حلفاء أمريكا لإنهاء الحرب؟ ثمة اعتقاد راسخ بأن قرارات الدول أو القادة الخارجية هي عقلانية رشيدة بالضرورة، وذلك هو السبب في تحميل البحث والتحليل والتنبؤ السياسي أكثر مما يحتمل، في محاولة لتأسيس عقلانية وراء القرار بأي صورة كانت. والحقيقة أن ذلك ليس صحيحاً دائما، إذ حتى ما يراه أو يعتقده صانع القرار بأنه عقلاني بالضرورة قد يكون عكس ذلك تماماً، بل ويفضي إلى كوارث عادة. لم يصدر عن إيران أية أسباب أو تلميحات واضحة نستشف من خلالها الغرض من تصعيدها العبثى ذلك، لذلك نعتقد أن ذلك التصعيد يندرج فى إطار خطة، شقها الأول الضغط على حلفاء أمريكا خاصة دول الخليج لإقناع واشنطن بإيقاف الحرب، والضغط على العالم كله باستهداف قطاع النفط والتجارة في الخليج من أجل مطالبة واشنطن وإسرائيل بإيقاف الحرب. والشق الثاني، يتمثل في سيناريو الأرض المحروقة لا سيما الانتقام الشديد من دول المجلس لأسباب لا داعي لذكرها إذا فشل الشق الأول مدفوعا بقناعة جازمة بإصرار واشنطن وإسرائيل على تغيير النظام. وعلى افتراض أن تلك الخطة تحسبها إيران عقلانية أو ستحقق ما تريد لها؛ فحسابات او اعتقاد إيران غير عقلانية تماما، بل تتجه صوب الانتحار السريع. إذ من حيث المبدأ، هشمت إيران جدار الثقة مع دول المجلس تماما لا سيما أقرب أصدقائها قطر وسلطنة عمان، اللتان كانتا من الممكن أن تقوما بجهود جبارة لعودة المفاوضات مع واشنطن، لا سيما وأن ترامب لا يريد حربا طويلة مستمرة بسبب ضغوط الداخل القوية عليه. تتجه إيران بالفعل صوب الانتحار السريع أو إنهاء النظام سريعا جدا، باستعداء الجميع الواحد تلو الآخر، بالأمس أعلنت كل من السعودية والإمارات عن خيار المواجهة والرد لإيقاف استفزاز إيران العبثي، كما أعلنت من قبل كل من قطر والبحرين والكويت عن حقها في الدفاع عن النفس، كما أعلنت إنجلترا عن مشاركة قواتها لحماية رعاياها وحلفائها في الخليج، وفرنسا أيضاً اعلنت عن مشاركة أكبر حاملة طائرات لديها في الخليج. هل إيران قادرة في ظل ضعفها وأدائها الهزيل فى الحرب على مواجهة كل تلك الدول، وهل لا تزال تتصور أن دول مجلس التعاون شديدة الضعف بعدما برهنت قدراتها الصلبة على ردع أية تهديدات، وهل ستصمد أمام ضغوط الصين إذا أثارت توترات شائكة في مضيق هرمز. في النهاية، تخسر إيران كل شيء، وتعمق القناعة لا سيما الخليجية أنها تهديد وجودي ضمن مخطط لها عبر ضرباتها المكثفة العشوائية ضد أهداف مدنية رغم إعلان دول المجلس قبل الحرب عدم استخدام أراضيها لضرب إيران، لكنها كشفت عن اتجاهات لطالما استبعدتها العقلية الذهنية الخليجية.

822

| 07 مارس 2026

المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي

انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي لها إسقاط النظام، ورسميًا أعلنت إيران مقتل المرشد الأعلى خامنئي، وعدد كبير من قادة الدولة منهم رئيس الأركان، وكان الرئيس ترامب قد صرح أيضًا بتقارير وصلت له تفيد برغبة قادة من الحرس الثوري بإنهاء الحرب. وبغض النظر عن صحة ذلك، فإن رحيل المرشد سيكون بمثابة نهاية النظام الإيراني القائم بصورة شبه مؤكدة. تشير الخبرة التاريخية أن سقوط الأنظمة، لا سيما خبرة واشنطن الطويلة في إسقاط الأنظمة، عادة ما يكون أمرًا سهلًا، لكن في اليوم التالي لسقوط النظام تبدأ رحلة طويلة تمتد لعقود من التعقيدات والتحديات وعدم الاستقرار، لا سيما وأن القوى التي تسقط النظام تسقطه عادة دون وجود خطة شاملة وواقعية لإدارة الفترة الانتقالية وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وترسيخ الحكم الديمقراطي التعددي. ومرحلة ما بعد سقوط الأنظمة بأي وسيلة كانت: ثورة، انقلاب، تدخل خارجي، أو المراحل الانتقالية، في الأغلب الأعم لا تمر بهدوء وسلاسة عدا حالات محدودة للغاية مثل حالات شرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولن تتحقق فيها الآمال الوردية للشعوب، بل ربما تسوء الأوضاع بأشواط عما كانت من قبل، وربما أيضًا تعيش البلاد في واقع تناحر وانقسام عرقي أو طائفي مسلح شديد الضراوة إذا كانت هناك نزاعات انفصالية مشتعلة. كلما كانت طبيعة وواقع البلاد معقدة، كلما كانت المرحلة الانتقالية عسيرة للغاية، واحتمالات الانتقال والاستقرار الشامل ضعيفة أيضًا، ولنا مثال في الحالة الليبية. إيران دولة كبيرة جغرافيًا، متعددة الأعراق والقوميات، ومتعددة الاتجاهات السياسية أيضًا داخل تلك القوميات، منهارة اقتصاديًا تمامًا، تعج بمراكز قوى سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة. ومن ثم، فجرعة التفاؤل المتزايدة بإيران مزدهرة متعددة القوى بعد نظام المرشد، جرعة يجانبها الصواب. قد أشيع من فترة أن العائق الرئيسي أمام واشنطن وإسرائيل لإزالة نظام المرشد هو القيادة البديلة أو المحتملة. ولعل ذلك هو أصعب تحدٍّ يواجه إيران في اليوم التالي للمرشد، حاول ابن شاه إيران السابق تقديم نفسه - رغم اعتراض ترامب الصريح عليه - باعتباره البديل الجاهز المتوافر، القادر على توحيد الإيرانيين بمختلف مشاربهم، يتبنى النظام الديمقراطي والانفتاح الاقتصادي والسياسي على العالم، لاسيما وأن مليارات إيران المجمدة ستتدفق إليه، مما سيسهم في تقوية الاقتصاد الإيراني ودعم الاستقرار بسرعة قياسية. هذا الطرح المتفائل للغاية بقيادة ابن الشاه السابق، يتغافل حقائق جوهرية عدة، من بينها، وربما أهمها، مدى مقبوليته وشعبيته بين الإيرانيين، فهو مجرد صدى لتاريخ غير مقبول لمعظم الإيرانيين، وحدود قدرته وحنكته على توحيد الإيرانيين، وما هي رؤيته وأجندته لمستقبل إيران، إذ لا يملك رؤية واضحة سوى إسقاط النظام. ثمة عدة حقائق راسخة عن إيران يجب وضعها في الحسبان، لعل الحقيقة الأولى التي قد تكون صادمة للكثيرين أن نظام ولاية الفقيه ذاته لا يزال يتمتع بشعبية معقولة داخل إيران، ربما يريد جل داعميه النسخة الإصلاحية منه، لكن أن تكون إيران منسلخة عن مبادئ الثورة الإسلامية ونظام ولاية الفقيه أمرا غير مقبول بالمرة. والحقيقة الثانية شديدة الأهمية هي مراكز القوى القوية المعقدة في إيران وعلى رأسها الحرس الثوري المتداخل بقوته في كل مفاصل الدولة، ويهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد بصورة مباشرة، أو غير مباشرة عبر شبكة معقدة مع تجار البازار. إذن فنحن لسنا فقط أمام قيادة محتملة ستواجه بالثورة والتمرد المستمر، بل أيضًا إزاء انقسام شعبي واسع بين مؤيد للنظام الإسلامي، ومؤيد لنظام ديمقراطي علماني، لاسيما وأن الحوزات والقادة الدينيين في إيران لا تزال مراكز قوى وتؤثر بشدة في الداخل. ومن جهة أخرى، مراكز قوى قوية وشديدة التأثير، لاسيما الحرس الثوري، من الصعب تفكيكها، وهي داعمة لنظام الثورة الإسلامية ومدعومة من مراكز اقتصادية هامة، وقادرة على إثارة الفوضى المستمرة، وتكوين شبكات من الداعمين المسلحين، وتمتلك القدرة أيضًا على تهريب السلاح في الخارج أو بيعه أو بيع أسرار عسكرية خطيرة لجهات خارجية وربما لحركات إرهابية، وتشكيل أيضًا شبكات في دول الجوار لإثارة التوترات على الحدود. عادة ما تجد الحركات أو النزاعات الانفصالية في سقوط الأنظمة فرصة ذهبية سانحة لن تتكرر للمطالبة والنضال المسلح للانفصال، أو على الأقل الحصول على أكبر مكاسب ممكنة. وذلك الوضع الانفصالي لا يتوافر في إيران فحسب، بل شديد الحساسية، ويئن من وطأة الظلم التاريخي أيضًا. إذ هناك ثلاث قوميات عانت من التهميش والظلم المروع طيلة عقود، لاسيما في عهد نظام ولاية الفقيه: العرب، والأكراد، والبلوشستان، ومجموع تلك القوميات يمثل نحو 35 % من الشعب الإيراني. وعلى هذا الأساس، فمطالبة تلك القوميات، خاصة الأكراد، بالانفصال والنضال من أجل ذلك، لا سيما عبر دعم جهات خارجية، أمر شديد الاحتمال، ولن يرسخ أية دعائم للاستقرار في إيران بالقطع، بل ينذر بتقسيمها. قصارى القول، التحديات لا حصر لها، وسقوط النظام الإيراني قد يكون مكسبًا كبيرًا لإسرائيل في المقام الأول، لكنه قد يكون قصير المدى أيضًا، ولن يجلب الاستقرار والازدهار السريع للشعب الإيراني، وسيكون له ارتدادات شديدة السلبية على الجوار الخليجي برمته، وهذا ليس دفاعًا عن النظام الإيراني الفاشي الذي ختم مسيرته بضرب جيرانه بشكل سافر، بل سرد لواقع محتمل بشدة.

1089

| 02 مارس 2026

المعضلة الأمنية الأوروبية

فور كل أزمة أمنية عاصفة تهدد الأمن الأوروبي بدءاً من حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الحرب الروسية الأوكرانية 2022، يعزم الأوروبيون أمرهم على المضي قدماً في تقوية قدراتهم العسكرية تمهيداً لتأسيس الجيش الأوروبي الموحد، لكن سرعان ما يفتر هذا العزم أمام حقائق جوهرية على رأسها «القناعة الأوروبية الجازمة عدا فرنسا باستحالة الاستغناء عن الناتو ومظلة الحماية الأمريكية»، إلى جانب تحديات عسيرة برزت جلياً بعد فورة التقدم الأوروبي في تطوير قدراته العسكرية، من أهمها، الصعوبة البالغة في تطوير صناعة دفاعية مشتركة لاسيما للأسلحة الإستراتيجية الفتاكة المتطورة. على مدار أكثر من نصف قرن اعتمدت أوروبا بصورة كاملة على الناتو والولايات المتحدة لحماية أمنها، وهذا هو السبب الرئيسي في ضعف أوروبا عسكرياً، وتبخر حلم تأسيس جيش موحد. إذ لم تعتد الدول الأوروبية على حماية الناتو فحسب، بل باتت لا تبدي أية ثقة في منظومة حماية سواه، إذ حتى في شأن الاستقلالية الدفاعية وتأسيس الجيش الأوروبي الموحد، يتبدى بجلاء أن الدول الأوروبية لم تتجاوز مستوى الخطاب الأوروبي الحماسي نحو الاستقلالية وضرورة تقليص الاعتماد المزمن على الناتو وواشنطن، فعلى أرض الواقع تنعدم الجدية الحقيقية عدا بعض الخطوات الرمزية المتجسدة في مبادرات تأسيس قوات قتالية مثل مهام بطرسبرج عام 1992، وقوات التدخل السريع بعد 2022، وهي مبادرات لن ترقى قط في المستقبل إلى تأسيس جيش أوروبي. التطور الأوروبي المحدود في تقوية قدراته العسكرية المشتركة مع زخم التطلع للاستقلالية وتأسيس الجيش الموحد، مدفوع في واقع الأمر من منطلق واحد فقط وهو اهتزاز الثقة الأوروبية في الحماية الأمريكية، والذي بدأ يأخذ منحى أكثر عمقًا إثر التحول الأمريكي نحو آسيا للتصدي للصين، وذلك باعتراف قادة أوروبا ووثائقها الرسمية منذ 2013. لكن مع ذلك، بقي الأوروبيون دائمًا متمسكين بهامش من الأمل ينحصر في استدارة أمريكية قوية لأوروبا مرة أخرى مدفوعة بأمور كثيرة من بينها ترسيخ التحالف مع أوروبا لمواجهة الصين كما فعل بايدن، وعلى أقل تقدير استحالة انهيار الشراكة التاريخية عبر الأطلسي، لما في ذلك من تداعيات شديدة الخطورة على واشنطن ذاتها. انهيار هامش الأمل الأوروبي يمثل تهديد الرئيس ترامب بالاستحواذ على جزيرة جرين لاند، أخطر أزمة تواجه الشراكة التاريخية الراسخة بين أوروبا والولايات المتحدة، ولعل الأخطر مطلقًا في الأزمة هو تهديدها الصريح غير المسبوق لوحدة الناتو، لا سيما مادته الخامسة التي تعد حجر الأساس للحلف، والقاضية بدفاع الحلف الجماعي ضد أي اعتداء على إحدى دوله، وفي هذه الحالة هي أكبر دولة “الولايات المتحدة”. ومن المستبعد على نحو شبه تام صدام عسكري أمريكي أوروبي لا سيما دوله الكبرى وتحديدًا فرنسا على جرين لاند، رغم إرسال فرنسا وألمانيا وحدات عسكرية محدودة هناك، لكنها رمزية بالأساس. لكن ما هو أهم وأخطر للأوروبيين أن هامش الأمل المحدود الذي تبقى في واشنطن، قد انهار تمامًا، فواشنطن ذاتها غدت تهديدًا أمنيًا خطيرًا لأوروبا أسوة بروسيا والصين نسبيًا. ومن ثم، بات الأمن الأوروبي يواجه معضلة غير مسبوقة قد تفضي إلى ثلاثة سيناريوهات: الأول- مضي الاتحاد قدمًا بوتيرة أسرع في تأسيس جيشه الموحد، وهذا غير مرجح على نحو كبير رغم تقلص الثقة الأوروبية العامة في الناتو. الثاني- استدارة بريطانية نحو أوروبا مع تأسيس تحالف قوي مع فرنسا النووية، وألمانيا وإيطاليا وبعض الدول الأخرى خاصة بولندا، وهو سيناريو مرجح على نحو كبير في ضوء التحرك البريطاني القوي نحو أوروبا خلال الفترة الماضية والتوتر المتنامي مع الولايات المتحدة. الثالث- وهو مرجح بقوة أيضًا، تنامي النزعة الاستقلالية الفردية الأوروبية السياسية والعسكرية، وهو ما يظهر بوضوح من خلال فرنسا التي تتحرك بصورة منفردة نسبيًا وتعمل على تقوية علاقاتها مع الصين تحديدًا على خلفية اليأس من واشنطن والناتو، وقد تحظى ألمانيا بحظ فرنسا في ظل برنامج إعادة التسليح القوي الذي تجريه، وبعض الدول الأوروبية قد تنفك عن المدار الأوروبي تمامًا وتتوجه نحو روسيا مثل المجر. خلاصة القول، لم يكن يظن الأوروبيون يومًا ما بانهيار الشراكة مع واشنطن، وتهديد وحدة الناتو، طرأ على الأحداث المتغير الصيني الذي أبعد واشنطن نسبيًا عن أوروبا، لكن أوروبا ظلت متمسكة بالأمل، ثم طرأ المتغير الذي لم يتوقعه الأوروبيون قط، وهو التحول الدراماتيكي داخل الولايات المتحدة الذي أنتج مزاجًا عامًا شبه انعزالي جلب ترامب إلى السلطة، ومعه تغيرت الولايات المتحدة تمامًا، وصولًا بالعودة إلى مبدأ مونرو الانعزالي مرة أخرى.

645

| 10 فبراير 2026

مناورات العدالة الصينية حول تايوان

في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى (مهمة العدالة 2025)، وكانت بمثابة محاكاة حرب دفاع وردع شاملة اشتركت فيها جميع أفرع الجيش الصيني للتدريب أو الاستعداد على خطط لتطويق تايوان بصورة شاملة، والتصدي لكافة محاولات الدعم العسكري الخارجي للجيش التايواني على كافة الجبهات خاصة البحرية. وبحسب تعليقات مسؤولي الصين، تأتي المناورة كرسالة تحذير قوية للحكومة الانفصالية في تايوان، والقوى الخارجية الداعمة لها وللانفصال بالإشارة ضمنيا إلى واشنطن، مؤكدين على أن تايوان جزء لا يتجزأ من السيادة الصينية، وخط أحمر للصين لا يمكن المساس به. على الرغم من أن مناورات مهمة العدالة قد جاءت كرد فعل على صفقة تسليح واشنطن لتايوان التي ناهزت ال 11 مليار دولار وهي الأكبر في صفقات التسليح الأمريكية لتايوان، والأكثر تطوراً من حيث القدرة التكنولوجية والتدميرية والردعية؛ بيد أن تلك الصفقة لم تكن إلا ذريعة من بكين لترسيخ سياسة الأمر الواقع التي بدأت فيها بصورة حاسمة منذ عام 2022. وترمي سياسة الأمر الواقع في المقام الأول، إلى ترسيخ قناعة تايوان وتحديدا الحركة الانفصالية بأن ضم تايوان أمر محسوم لا مفر منه فقط مسألة وقت. وبالتالي، فجميع ما تقومون به من محاولات سواء تكثيف شراء السلاح، وخطط لاستنزاف الصين، وحشد جبهة الانفصال الداخلية، محاولات عبثية لن تغيير من الواقع شيئاً، ومن ثم أيضا، يتبدى من ذلك عمل الصين على تحقيق السيناريو الأول وهو ضم الجزيرة دون طلقة رصاص واحدة، أو استسلام تايوان طوعاً لبكين. وفى المقام الثاني، ترسيخ قناعة القوى الخارجية الداعمة وتحديدا واشنطن بان الصين على أهبة الاستعداد لخوض معركة-ربما نووية- إذا تدخلت عسكريا للدفاع عن تايوان حال إعلان الصين ساعة الحسم، خلاصة الأمر، ان ضم الصين لتايوان بات محسوما لاسيما في ظل تقليص فجوة ميزان القوى الشاملة خاصة العسكرية مع واشنطن، وهي القضية الوحيدة تقريبا التي تضع لها الصين سيناريو فعليا لمعركة عسكرية. التحول الاستراتيجي لواشنطن تحت وطأة العقيدة الشعبوية شبه الانعزالية لترامب، جاءت استراتيجية الأمن الوطني لعام 2025، بالتحول الاستراتيجي الثالث لأولوية المصالح الاستراتيجية الأمريكية نحو نصف الكرة الغربي، معلنة تخلي واشنطن عن آسيا. وعلى إثر ذلك، حملت الاستراتيجية الكثير من المفاجآت غير المتوقعة إطلاقاً، في مقدمتها، تخليها عن مفردات صراع المنافسة الاستراتيجية العالمية، ووصم الصين لأول مرة منذ 2008، بالمنافس الاقتصادي-فقط-الذي يجب موازنته، وليس قوى المراجعة الساعية إلى تقويض الهيمنة الأمريكية والنظام الدولي النيوليبرالي، كما دابت جميع الاستراتجيات السابقة على وصف الصين هكذا بما في ذلك استراتيجية 2017 لترامب. وبخصوص تايوان، حملت الاستراتيجية أيضا قدرا من التناقض، إذ في فقرات أكدت على ضرورة التفوق العسكري الأمريكي هناك للحفاظ على سياسة الوضع القائم (دولة واحدة ذات نظامين)، وفي فقرات أخرى شددت على ضرورة مشاركة الحلفاء للدفاع عن تايوان، وحث الأخيرة على الاعتماد على نفسها عبر تكثيف التسليح. ومن البديهي أن تقرأ الصين هذا التحول على أنه تخل أمريكي شبه تام عن منطق صراع الهيمنة على المسرح الآسيوي، وتحوله إلى الانكفاء الإقليمي في نصف الكرة الغربي وتحديدا أمريكا الجنوبية، في إطار ما يسمى الهيمنة الإقليمية عملا لمبدأ مونرو الذي يقضي بالحفاظ على الهيمنة او الاستثنائية الأمريكية عبر الهيمنة الساحقة الإقليمية، وليس عبر تبديد أصول الهيمنة عالمياً، وهو ما يتوافق مع العقيدة الشعبوية شبه الانعزالية لترامب. وبالتالي أيضا، وفقا لقراءة الصين يعد ذلك تخليا أمريكيا شبه تام عن تايوان الحاسمة في استدامة الهيمنة الأمريكية عالميا، ومن ثم، فقد تعمدت الصين-بحسب تقديرنا- إطلاق مناورات العدالة وبتلك الضخامة لتجس نبض واشنطن في إطار هذا التحول، لأن مبيعات صفقة التسليح وإن كانت محفزة للمناورات بلا شك، إلا ان الصين واعية تماما أن مهما بلغت تايوان من تسليح واستعداد، فلن يغير ذلك من توازن القوى في شيء، فالمناورات دائما تكون رسالة لإحباط معنويات القوى الانفصالية الداخلية، أملا في تحقيق سيناريو الضم السلمي. أخيراً، قد ترتأي الصين أن أمامها الآن فرصة تاريخية لضم تايوان سلمياً في ظل التحول الاستراتيجي الأخير لواشنطن، مقابل عدم السماح مطلقاً بالاقتراب من نصف الكرة الغربي.

789

| 13 يناير 2026

الدولة ما قصرت
الدولة ما قصرت

ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن...

5787

| 07 يوليو 2026

بعد عودة التوتر إلى هرمز.. كيف نخفف استمرار ارتفاع تكاليف الشحن؟
بعد عودة التوتر إلى هرمز.. كيف نخفف استمرار ارتفاع تكاليف الشحن؟

عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية...

1518

| 11 يوليو 2026

الحالة البالوجونية في كأس العالم
الحالة البالوجونية في كأس العالم

لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية...

1476

| 12 يوليو 2026

قلوبنا تهتف لمنتخب الساجدين
قلوبنا تهتف لمنتخب الساجدين

سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد...

1458

| 07 يوليو 2026

حر قطر... أم مقاهي لندن؟
حر قطر... أم مقاهي لندن؟

• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات...

1257

| 08 يوليو 2026

الكرامة المهنية.. آخر حدود التنازل
الكرامة المهنية.. آخر حدود التنازل

في المقال السابق تحدثت عن السؤال الذي ينبغي...

1056

| 08 يوليو 2026

الادعاء بالحق المدني أمام المحاكم الجنائية
الادعاء بالحق المدني أمام المحاكم الجنائية

‫من الأفكار الشائعة لدى البعض من غير المختصين...

879

| 08 يوليو 2026

رجل بأمة..
رجل بأمة..

لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات...

867

| 13 يوليو 2026

رحيل الأمير الوالد رحمه الله.. رحيل أمة
رحيل الأمير الوالد رحمه الله.. رحيل أمة

- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم...

753

| 13 يوليو 2026

الإجازة الصيفية.. فرصة للترابط لا للتفرق
الإجازة الصيفية.. فرصة للترابط لا للتفرق

مع دخول فصل الصيف وانطلاق الإجازة المدرسية، تتغيّر...

720

| 09 يوليو 2026

وراء كل شهادة... حكاية كفاح
وراء كل شهادة... حكاية كفاح

هناك أفراح تمر في حياتنا كأي مناسبة، وهناك...

663

| 07 يوليو 2026

الاقتصاد الخوارزمي.. عندما تتخذ الآلة القرار الاقتصادي
الاقتصاد الخوارزمي.. عندما تتخذ الآلة القرار الاقتصادي

لم تعد المنافسة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين...

639

| 09 يوليو 2026

أخبار محلية