رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى (مهمة العدالة 2025)، وكانت بمثابة محاكاة حرب دفاع وردع شاملة اشتركت فيها جميع أفرع الجيش الصيني للتدريب أو الاستعداد على خطط لتطويق تايوان بصورة شاملة، والتصدي لكافة محاولات الدعم العسكري الخارجي للجيش التايواني على كافة الجبهات خاصة البحرية. وبحسب تعليقات مسؤولي الصين، تأتي المناورة كرسالة تحذير قوية للحكومة الانفصالية في تايوان، والقوى الخارجية الداعمة لها وللانفصال بالإشارة ضمنيا إلى واشنطن، مؤكدين على أن تايوان جزء لا يتجزأ من السيادة الصينية، وخط أحمر للصين لا يمكن المساس به. على الرغم من أن مناورات مهمة العدالة قد جاءت كرد فعل على صفقة تسليح واشنطن لتايوان التي ناهزت ال 11 مليار دولار وهي الأكبر في صفقات التسليح الأمريكية لتايوان، والأكثر تطوراً من حيث القدرة التكنولوجية والتدميرية والردعية؛ بيد أن تلك الصفقة لم تكن إلا ذريعة من بكين لترسيخ سياسة الأمر الواقع التي بدأت فيها بصورة حاسمة منذ عام 2022. وترمي سياسة الأمر الواقع في المقام الأول، إلى ترسيخ قناعة تايوان وتحديدا الحركة الانفصالية بأن ضم تايوان أمر محسوم لا مفر منه فقط مسألة وقت. وبالتالي، فجميع ما تقومون به من محاولات سواء تكثيف شراء السلاح، وخطط لاستنزاف الصين، وحشد جبهة الانفصال الداخلية، محاولات عبثية لن تغيير من الواقع شيئاً، ومن ثم أيضا، يتبدى من ذلك عمل الصين على تحقيق السيناريو الأول وهو ضم الجزيرة دون طلقة رصاص واحدة، أو استسلام تايوان طوعاً لبكين. وفى المقام الثاني، ترسيخ قناعة القوى الخارجية الداعمة وتحديدا واشنطن بان الصين على أهبة الاستعداد لخوض معركة-ربما نووية- إذا تدخلت عسكريا للدفاع عن تايوان حال إعلان الصين ساعة الحسم، خلاصة الأمر، ان ضم الصين لتايوان بات محسوما لاسيما في ظل تقليص فجوة ميزان القوى الشاملة خاصة العسكرية مع واشنطن، وهي القضية الوحيدة تقريبا التي تضع لها الصين سيناريو فعليا لمعركة عسكرية. التحول الاستراتيجي لواشنطن تحت وطأة العقيدة الشعبوية شبه الانعزالية لترامب، جاءت استراتيجية الأمن الوطني لعام 2025، بالتحول الاستراتيجي الثالث لأولوية المصالح الاستراتيجية الأمريكية نحو نصف الكرة الغربي، معلنة تخلي واشنطن عن آسيا. وعلى إثر ذلك، حملت الاستراتيجية الكثير من المفاجآت غير المتوقعة إطلاقاً، في مقدمتها، تخليها عن مفردات صراع المنافسة الاستراتيجية العالمية، ووصم الصين لأول مرة منذ 2008، بالمنافس الاقتصادي-فقط-الذي يجب موازنته، وليس قوى المراجعة الساعية إلى تقويض الهيمنة الأمريكية والنظام الدولي النيوليبرالي، كما دابت جميع الاستراتجيات السابقة على وصف الصين هكذا بما في ذلك استراتيجية 2017 لترامب. وبخصوص تايوان، حملت الاستراتيجية أيضا قدرا من التناقض، إذ في فقرات أكدت على ضرورة التفوق العسكري الأمريكي هناك للحفاظ على سياسة الوضع القائم (دولة واحدة ذات نظامين)، وفي فقرات أخرى شددت على ضرورة مشاركة الحلفاء للدفاع عن تايوان، وحث الأخيرة على الاعتماد على نفسها عبر تكثيف التسليح. ومن البديهي أن تقرأ الصين هذا التحول على أنه تخل أمريكي شبه تام عن منطق صراع الهيمنة على المسرح الآسيوي، وتحوله إلى الانكفاء الإقليمي في نصف الكرة الغربي وتحديدا أمريكا الجنوبية، في إطار ما يسمى الهيمنة الإقليمية عملا لمبدأ مونرو الذي يقضي بالحفاظ على الهيمنة او الاستثنائية الأمريكية عبر الهيمنة الساحقة الإقليمية، وليس عبر تبديد أصول الهيمنة عالمياً، وهو ما يتوافق مع العقيدة الشعبوية شبه الانعزالية لترامب. وبالتالي أيضا، وفقا لقراءة الصين يعد ذلك تخليا أمريكيا شبه تام عن تايوان الحاسمة في استدامة الهيمنة الأمريكية عالميا، ومن ثم، فقد تعمدت الصين-بحسب تقديرنا- إطلاق مناورات العدالة وبتلك الضخامة لتجس نبض واشنطن في إطار هذا التحول، لأن مبيعات صفقة التسليح وإن كانت محفزة للمناورات بلا شك، إلا ان الصين واعية تماما أن مهما بلغت تايوان من تسليح واستعداد، فلن يغير ذلك من توازن القوى في شيء، فالمناورات دائما تكون رسالة لإحباط معنويات القوى الانفصالية الداخلية، أملا في تحقيق سيناريو الضم السلمي. أخيراً، قد ترتأي الصين أن أمامها الآن فرصة تاريخية لضم تايوان سلمياً في ظل التحول الاستراتيجي الأخير لواشنطن، مقابل عدم السماح مطلقاً بالاقتراب من نصف الكرة الغربي.
501
| 13 يناير 2026
فقط خلال الأسبوعين الماضيين أطلق ستة قادة أوروبيين تصريحات واضحة حول الحرب الأوكرانية وروسيا تؤشر إلى الاستعداد لتصعيد شامل مع روسيا، ومنها تصريح المستشار الألماني ميرز الذي حذر فيه من أن أوكرانيا لن تكون نهاية المطاف لروسيا، وقبلها بقليل وافق البرلمان الألماني على برنامج للتجنيد الطوعي في الجيش، وكانت حكومة ألمانيا عازمة على عودة التجنيد الإجباري لكنها قوبلت بمعارضة واسعة خاصة من طلاب الجامعات. وتصريحات ماكرون رئيس فرنسا وقادة الجيش الفرنسي التي أفادت بأن على فرنسا الاستعداد للحرب مع روسيا، وأطلق ماكرون برنامجًا لتشجيع الشباب على الخدمة العسكرية. وأيضًا تصريحات مماثلة أطلقتها بريطانيا، والسويد، والنرويج، وبلجيكا، وفنلندا، وقادة من حلف الناتو، مع العلم أن كلًا من السويد والنرويج والدنمارك قد أطلقت حملات لتشجيع النساء على الخدمة في الجيش. بدأ الاتحاد الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية مباشرة في فبراير 2022 مرحلة (اليقظة الإستراتيجية)، والتي ارتكزت على تقوية وتطوير القدرات العسكرية لأوروبا بحيث تكون جاهزة ومرنة للتصدي لتهديدات وحروب تقليدية خطيرة، ودعم الاستقلالية الدفاعية لأوروبا بحيث تكون قادرة على الدفاع عن نفسها من دون دعم الناتو وواشنطن عند الضرورة. وعلى ذلك، شهد الإنفاق الدفاعي الأوروبي مستويات غير مسبوقة، وبدأ عهد جديد من التصنيع العسكري المتطور المشترك، وإبراز دور أوروبا العسكري من خلال دعم أوكرانيا عسكرياً. وكان من دواعي المضي قدمًا في تقوية وتطوير القدرات هو الاستعداد لحرب محتملة مع روسيا، أشارت أوروبا وقادتها لذلك صراحة، لكنها كانت على علم أنها لن تكون وحدها في هذه الحرب، إذ ستكون طرفًا فاعلاً مكملاً للناتو وواشنطن. والشاهد في الأمر أن كثافة التصريحات الأوروبية حول حرب محتملة مع روسيا المدعومة بخطوات على أرض الواقع مثل العزم على عودة التجنيد الإجباري؛ قد بدأت تأخذ منحى تدريجياً من التصعيد منذ عودة ترامب للبيت الأبيض، وتحديداً منذ مؤتمر ميونخ للأمن الماضي، وقد بلغ ذروة هذا التصعيد في الشهر الماضي؛ حتى بدا أن أوروبا تستعد بصورة جدية لهذه الحرب التي لم تعد محتملة بل أمر واقع مفروض على أوروبا. وهذا التصعيد بشأن الاستعداد للحرب ليس بمعزل على الإطلاق عن أمرين أساسيين: أولهما ملامح الصفقة المرتقبة لإنهاء الحرب الأوكرانية والتي تدير واشنطن مفاوضات إنهائها، والتي يتبدى فيها يوماً بعد يوم، عدم ممانعة واشنطن بمنح بوتين المقاطعات الأربع الأوكرانية، وأيضاً، عدم إجبار روسيا على دفع تعويضات لأوكرانيا عن خسائر الحرب عبر الأصول المجمدة، هذا بخلاف باقي النقاط الحساسة للحرب مثل التعهد بعدم ضم أوكرانيا للناتو، واحتمالية أيضاً عدم توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا، مقابل إنهاء الحرب. والثاني، إستراتيجية الأمن الوطني الجديدة لإدارة ترامب الصادرة في الرابع من ديسمبر 2025، والتي كانت لطمة على وجه أوروبا، إذ بخلاف التركيز الإستراتيجي الجديد لواشنطن على نصف الكرة الغربي وأمريكا الجنوبية؛ وصفت الإستراتيجية أوروبا بأنها تعيش في مرحلة انهيار حضاري، والأخطر من ذلك لم تصف روسيا كعدو لأول مرة منذ 2009، وأن دور واشنطن في الحرب مجرد وسيط لإنهاء الحرب، كما شددت على أن أوروبا يجب أن تعتمد على نفسها في شأن الدفاع. على الرغم شكاوى الأوروبيين من إهمال واشنطن لأوروبا منذ أكثر من عقد، وهواجسهم بشأن فقدان مظلة الحماية الأمريكية في ظل هشاشة عسكرية تامة تعاني منها أوروبا، فإن أوروبا تعتبر عام 2025 هو عام الاستيقاظ الفعلي، ومواجهة الواقع الأمر، وهذا ما عبر عنه المستشار ميرز منذ فترة قليلة بالقول إن حقبة السلام والحماية الأمريكية لأوروبا قد انتهت. وبالنسبة لأوكرانيا، يتوجب على أوروبا من الآن وصاعداً الدفاع عنها بمفردها. تعتبر أوروبا أوكرانيا والحرب الأوكرانية شأنًا أوروبيًا خالصًا، فهي تهديد مباشر لأمنها الوطني، وتهديد وجودي لبعض الدول الأوروبية، خاصة دول شرق أوروبا. وهذا ما دفع الأوروبيين للتضامن غير المسبوق لدعم أوكرانيا بصورة شاملة بحجم دعم وصل إلى أكثر من 150 مليار يورو، وذلك لردع واستنزاف روسيا، وبالأخص، إجبار روسيا على الانسحاب التام من أوكرانيا، وعدم التفكير بالمرة في ضم أراضٍ أوكرانية جديدة، وربما الاكتفاء بشبه جزيرة القرم. ومنطلق أوروبا يتأسس على فرض واحد فقط، وهو أن ترك أوكرانيا لروسيا لن يردع أو يوقف طموحات روسيا بوتين في ضم أراضٍ أوروبية جديدة انطلاقًا من حلم بوتين المعلن، وهو عودة أمجاد الاتحاد السوفيتي السابقة، والذي يقتضي على الأقل ضم كل من بولندا ودول البلطيق الثلاثة. إذ في إطار ذلك، تستبد بأوروبا قناعة تامة أن ذلك الحلم هو ما دفع بوتين لغزو أوكرانيا وليس توسع الناتو كما هو شائع، لأن الناتو على حدود روسيا منذ عقد بالفعل. وبالتالي، فإن إجبار أوكرانيا على صفقة لإنهاء الحرب مقابل التنازل عن أراضٍ أمرٌ من المستحيل أن تقبله أوروبا؛ لأن ذلك لا يعني فقط إهدار مليارات الدولارات هباءً على أوكرانيا، بل يعني أيضًا استسلامًا تامًا مذلًا لروسيا، مما يشجعها على ضم مزيد من الأراضي الأوروبية. خلاصة القول، قد أمسى لا مفر أمام أوروبا بما في ذلك بريطانيا سوى الاستعداد لحرب مؤكدة مع روسيا، وبمفردها دون واشنطن وعلى الأرجح دون الناتو. إذ ترى أوروبا أنها تجابه بخطر وجودي لا يقل عن خطورة الخطر النازي، مما يجبرها جبرًا على خوض المعركة المصيرية مع موسكو، رغم عدم استعدادها عسكريًا لخوض تلك الحرب المصيرية الصعبة.
507
| 29 ديسمبر 2025
مع بداية الصحوة القوية لما يسمى (الصعود الصيني) في أوائل الألفينات، بدأت الصين في إيلاء مزيد من الاهتمام والتركيز على القوة الناعمة، إثر بواعث متعددة متداخلة من بينها، الفعالية الجبارة للقوة الناعمة في ترسيخ وتوسيع الصعود الصيني وتحدي أكبر منافس وهو الولايات المتحدة تمهيدا للقيادة الدولية، نفى التهم والتصورات المتعلقة بالصعود الصيني كونه صعودا اقتصاديا استغلاليا سيتحول إلى تهديد عسكري خطير خاصة لجيران الصين، وأيضا ترسيخ صورة الصين الدولية كقوى عظمى سلمية حضارية مسؤولة. في 2004 وضعت الصين خطة لتعزيز وتطوير قوتها الناعمة قوامها تعزيز المساعدات المادية والإنسانية والفنية خاصة في جنوب شرق آسيا، وتوسيع معاهد كونفوشيوس في العالم لنشر الثقافة الصينية بما في ذلك اللغة الصينية. وفي 2008، أبهرت الصين العالم بتنظيم أولمبياد بكين الذي صنف حفل افتتاحها بالأكثر إبهاراً في تاريخ تنظيم الفعالية، مما وسع من صورة وسمعة الصين الإيجابية في العالم بصورة كبيرة. اتخذت القوة الناعمة للصين منذ تولي الرئيس شي جين بينج بعداً أكثر اتساعاً وقوة من حيث حجم الإنفاق والانتشار وتنوع الأدوات، إذ اعتبرها الرئيس بينج الأداة الرئيسية لترسيخ قيادة الصين الحضارية المسؤولة في العالم، والمرتكز الرئيسي لتعزيز القيادة الصينية الدولية في النظام الدولي بصفة عامة. خلال فترة وجيزة منذ تولي الرئيس بينج، أسست الصين العشرات من معاهد كونفوشيوس في العالم خاصة في أفريقيا وآسيا، كما أسست فضائيات صينية تخاطب شعوب الدول التي تعمل فيها، قدمت مساعدات ومنحا مجانية للدول الأكثر فقراً في العالم بلغت نحو 50 مليار دولار، تصدت الصين للقضاء على الأمراض الخطيرة خاصة الإيبولا والملاريا في أفريقيا، قدمت المئات من المنح الدراسة المجانية لدول العالم، وإرسال كوادرها الفنية من كافة التخصصات لدول العالم لغرض المساعدة والاستشارات. يضاف إلى ذلك، بدء اهتمام كبير بلعب دور الوسيط، وتولي زمام المبادرة في قضية التغير المناخي ونشر أسلحة الدمار الشامل. * بلغت ذروة القوة الناعمة للصين، في أزمة كوفيد-19، إذ تولت حرفيا زمام المبادرة العالمية في القضاء على الجائحة، في ظل تقاعس غربي، إذ دشنت ما يسمى طريق الحرير الصحي، والذي من خلاله قدمت الصين مساعدات طبيبة للتصدي للجائحة قدرت بنحو 60 مليار دولار، إلى جانب إسقاط بعض من ديون الدول الأكثر فقراً، وتأجيل بعضها المتضررة من الجائحة، وإرسال المئات من كوادرها الطيبية للمساعدة وتقديم الخبرة الفعالة السريعة في التصدي للجائحة. وتقول استطلاعات الرأي والتحليلات الدولية، إن مكانة وسمعة الصين الإيجابية قد ارتفعت بصورة غير مسبوقة إثر دورها العظيم في الجائحة، إذ على سبيل المثال، كشفت تلك الاستطلاعات عن تصدر الصين قائمة الدول الأكثر شعبية في أفريقيا وآسيا الوسطي وأمريكا الجنوبية، متفوقة على الولايات المتحدة التي حلت في المركز الثاني، وفرنسا في المركز الثالث، وروسيا في المركز الرابع. في إطار الهيمنة الأمريكية المطلقة على النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفيتى؛ اشتعل جدل واسع حول دور القوة الناعمة الأمريكية الطاغية في صعود الهيمنة الأمريكية وترسيخها، والحقيقة التي لم يستطع أحد إنكارها هو الدور الفعال للقوة الناعمة في ذلك، ربما كان الاختلاف حول حدود القوة الناعمة، لأن إسقاط القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية الساحقة من معادلة الهيمنة الأمريكية أمر غير معقول. والشاهد في الأمر، أن القوة الناعمة الأمريكية كان لها دور حاسم في إضعاف الاتحاد السوفيتي والاشتراكية بصورة عامة التي فشلت في مهدها، وترسيخ الهيمنة الأمريكية حتى 2008، ولاتزال تلعب دوراً كبيراً في تعزيز ما تبقى من قوة لواشنطن في العالم. إذ لا تزال القوة الناعمة الأمريكية المتجسدة في الأفلام الأمريكية، ووسائل الإعلام، واللغة الإنجليزية، وأحدث الابتكارات التكنولوجيا مثل أبل، واحتكار وسائل التواصل الاجتماعي، والرفاهية النسبية؛ لاتزال أكبر قوة ناعمة في العالم -ولا نظير لها حتى الآن. * قطعت القوة الناعمة للصين شوطاً طويلا من التطور والقوة، مما انعكس على تعزيز سمعة ومكانة الصين الدولية بلا أدنى شك، لكنها في سبيل تحدي القوة الناعمة الأمريكية في إطار صراع الهيمنة المشتعل بين القوتين، لاتزال تواجه بعضا من التحديات، من بينها، الصعوبة البالغة-إذ يكاد يكون مستحيلا- أن تزيح اللغة الصينية اللغة الإنجليزية من عرض القيادة الدولية بسبب صعوبتها البالغة. وهذا ينطبق أيضا على نمط الثقافة الصينية، إذ رغم عراقتها الحضارية الكبيرة، لاتزال أيضا تواجه تحدي الانتشار العالمي مقارنة بالثقافة الأمريكية-الغربية عامة. وعلى صعيد الابتكار والتكنولوجيا، لاتزال تواجه الصين أيضا تحدياً كبيراً، وربما ستتمكن الصين من تكسير فجوة التفوق التكنولوجي الأمريكي على المدى المتوسط، لكن ستظل الولايات المتحدة خصماً تكنولوجياً شديد التحدي. معضلة أخرى تواجه الصين ومن الصعب التملص منها هو نمط الحكم السياسي في الصين القائم على الحزب الواحد، وهذا لا يعني قمع وانتهاك حقوق الإنسان والحريات، فالصين تمارس فيها حريات كبيرة تصل إلى حد انتقاد الحزب الحاكم؛ بل يعني مركزية مفرطة وغياب ديمقراطية واسعة. وأخيراً، ثمة مسألة هامة جدا تتعلق بالقوة الناعمة الصينية هو غياب دور فعال أو ملموس للصين في كثير من أجزاء العالم، إذ تبدو الصين دائما في نظر عيون بعض الشعوب، كلاعب اقتصادي لا أكثر، غير مكترث لقضايا الداخل أو المنطقة، ولعل غياب دور قوي للصين في حرب غزة شاهد على ذلك.
525
| 16 ديسمبر 2025
في الثلاثين من أكتوبر الماضى عاد العالم من جديد لأجواء التصعيد النووى الذى قد سقط تقريبا من معادلات الصراع بين الكبار منذ أكثر من ثلاثة عقود، وذلك عندما أمر الرئيس ترامب البنتاجون بإجراء تجارب نووية على الفور رداً بحسب قوله للاختبارات النووية التى تجريها دول أخرى دون ذكر هذه الدول. وفى 15 نوفمبر الماضى، أعلنت واشنطن عن نجاحها فى اختبار القنبلة النووية من طراز B61-12 بدون رؤوس حربية؛ أى بحسب الإدارة الأمريكية اختبار غير نووى لأنه لم يحدث تفجير والقنبلة ذاتها خاملة، بل بغرض أساسى وهو اختبار قدرة المقاتلات من ذات الجيل الخامس، والطيارين على إسقاط القنابل النووية بنجاح، علاوة على إجراء اختبار مماثل فى 2024. ومع ذلك، فهذا الاختبار ليس بمعزل عن إعلان ترامب عودة التجارب النووية والتى وعد أنها ستكون قريبة دون تحديد لجدول زمنى محدد ومستوى هذه التجارب. عودة أمريكا للتجارب النووية بعد توقف دام نحو 30 عاماً إثر تحديداً معاهدات الحد من التسليح والتصعيد النووى مع روسيا والتى بدأت فى سبعينيات القرن الماضى، وتطورت بعد الحرب الباردة إلى معاهدة ستارت؛ ليس أمراً سهلاً إذ يعد انتهاكا خطيرا للنظام الدولى لمنع الانتشار النووى بمعاهداته المختلفة بما فى ذلك حظر التجارب النووية، وداخلياً سيواجه ترامب معارضة شديدة لإثنائه عن ذلك، ربما داخل إدارته ذاته لتداعيات ذلك شديدة الخطورة على العالم، وقد ألمح بعض من إدارته لإمكانية التراجع عن ذلك، كذلك ألمحت بعض الهيئات مثل وزارة الطاقة. ومن ثم، قد ارتأى كثيرون أن إعلان ترامب عن عودة التجارب لا تعدو كونها تكتيكا للضغط على روسيا والصين فى سياق سياسة الضغط الأقصى التى يفضلها ويجيدها ترامب، خاصة وأن إعلانه كان قبل اجتماعه المباشر مع الرئيس الصينى فى كوريا الجنوبية بعدة دقائق. والواقع أن قرار ترامب بعودة التجارب النووية يجب أن يُنظر إليها من اتجاهين أساسيين: الأول وهو التكتيكى بالقطع ومآربه الرئيسة، الضغط على روسيا لقبول صفقة ترامب لإنهاء الحرب الأوكرانية فى المقام الأول، إذ رغم ما تشمله من تنازلات كثيرة، فإن بوتين لا زال يرفضها بسبب بعض المطالب وأهمها الاعتراف بسيادة روسيا على المقطاعات الأربع الأوكرانية، وعدم مطالبة روسيا عن تعويضات عن الحرب. والحقيقة أن ترامب قد سئم بشدة من جميع أطراف الحرب (روسيا، أوكرانيا، أوروبا) وهو ما يتبدى من تصريحاتة المتكررة؛ إذ يرى أن بوتين قد خذله، وأوكرانيا وأوروبا تريد المزيد من الدعم الأمريكى للاستمرار فى الحرب وهو اكثر ما يكرهه ترامب. وعليه، أراد ترامب إفهام بوتين أن واشنطن على استعداد تام للتصعيد حتى ولو تطلب الأمر الخيار النووى، ومن الأفضل له قبول الصفقة العظيمة التى لن ينال مثلها مع أى إدارة أخرى، خاصة وأن ذلك قد تم قبل مقابلة الرئيس الصينى الذى يعتقد ترامب بأنه الوحيد القادر على الضغط على بوتين. والثانى، وهو الأهم والأخطر فى تقديرنا يكمن فى رسالة واضحة للصين فى المقام الأول، وروسيا بعدها، بأن التفوق النووى سيظل دائما لواشنطن. فى 2020، نشر البنتاجون تقريرا خطيرا أفاد فيه أن الصين تسعى بجدية إلى تحقيق التكافؤ النووى مع واشنطن، ليس هذا فحسب، بل تعمل على تطوير أسلحة نووية تكتيكة دفاعية وهجومية جديدة باستخدام الذكاء الاصطناعى بصورة سرية وعلانية، وفى 2025 اكدت تقارير استخباراتية على توسع فى الترسانة النووية للصين لما يقارب 500 رأس نووى. وهذا التطور الصينى ليس فقط ما دفع ترامب لعودة التجارب، بل ربما سيدفع واشنطن عاجلاً أم أجلاً إلى عملية توسع وتحديث شاملة خطيرة لترسانتها النووية؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط بسباق التسليح النووى بل بالصراع الأكبر على الهيمنة الدولية المستمر بقوة بين القوتين تحت مسمى الحرب الباردة الثانية، لاسيما وأن الأمر لا يتعلق باستخدام السلاح النووى بصوره التقليدية واسعة النطاق التدميرية، بل بالتطور فى تقنيات السلاح النووى التكتيكى (الأقل تدميراً)، والردع النووى باستخدام الذكاء الأصطناعى الذى تتفوق فيه الصين نسبيا عن واشنطن. عودة التجارب النووية الأمريكية حتى مع إمكانية التراجع-وهذا متوقع- لن يمر دون مآرب شديدة الخطورة، ونذكر بعضها بايجاز: -التهديد الخطير للنظام الدولى لمنع الانتشار النووى والجهود الدولية المضنية المستمرة لمنع أسلحة الدمار الشامل بصورة عامة؛ لأن هذا النظام قد صمد طويلا بقوة وحجم النادى النووى عند 9 دول فقط بدفع ودعم قوى من القوى النووية الكبرى خاصة واشنطن. -يرتبط ارتباطا وثيقا بالسابق، إحياء الطموحات النووية البرازيل كمثال، وإشعال الطموح عند آخرين، ونذكر هنا تحديدا اليابان وألمانيا اللتان تفكران بجديدة فى امتلاك سلاح نووى. -التوسع فى التجارب النووية بل وتوسعها وتطويرها تحت ذريعة عودة إحياء الصراع النووى بقيادة واشنطن. -وأخيراً وهو الأخطر مطلقاً، فقدان رادع ومحفز التخفيض النووى لدى كل من الصين وروسيا؛ فتهديد أمريكا فقط بعودة التجارب تأخذه الدولتان بجدية بالغة، فروسيا عقب هذا التصريح أعلنت عن استعدادها إجراء تجارب نووية، ومؤخراً أعلنت عن البدء فى تصنيع غواصات نووية. مقابل ذلك، ستزيد تهديدات بكين إصراراً على تقوية وتحديث ترسانتها النووية (بلا أدنى شك).
501
| 24 نوفمبر 2025
منذ اليوم الأول لتوليه قيادة سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، والرئيس أحمد الشرع يحطم رويدا رويدا جميع التصورات والتوقعات المحددة سلفاً عنه إثر خلفيته الأيديولوجية والسياسية. وبزيارته الأخيرة للبيت الأبيض ومقابلته للرئيس ترامب وما تبعها من تصريحات جوهرية-غير متوقعة، وصادمة للبعض- من قبيل عزم سوريا أن تصبح حليفا للولايات المتحدة، عدم نية سوريا الدخول فى حرب مع إسرائيل؛ قد حطم الشرع تماما جميع ما تعلق من تصورات وشكوك حول شخصيته وإيديولوجيته (تحوله السياسى فعلياً)، وسياسته. يعمل الشرع منذ اليوم الأول له فى الرئاسه على تحقيق عدة أهداف واضحة، من أهمها، إعادة إعمار وتوحيد سوريا، دمج سوريا فى المجتمع الدولى سياسيا واقتصادياً، إبعاد سوريا عن أية توترات خارجية وعدم فتح جبهة صراع مع الجيران تحديداً. وفى سياق ذلك، يتعمد الشرع أن يبرهن أنه رجل دولة، سياسى يرغب فى جعل سوريا دولة طبيعية فى النظامى الإقليمى والدولى، ليطوى صفحة دامت أكثر من نصف قرن من العزلة والتوترات والصراعات قضت على اليابس والأخضر فى سوريا. يعد محدد القيادة عاملاً حاسماً فى توجه الدولة السياسى على الصعيدين الداخلى والخارجى، حتى فى الدول الديمقراطية يلعب الرئيس-بصرف النظر عن صلاحياته الدستورية-دوراً مؤثراً خاصة فى السياسة الخارجية. وهذا الأمر هو العامل الحاسم فى تفسير توجه وسياسة سوريا منذ تولى الشرع، وثمة سؤالان رئيسيان فيما يتعلق بالشرع، أولهما هل الشرع تغير بالفعل-المشككين-؟ والثانى كيف تحول رأسا على عقب بتلك السرعة-المتعجبين-؟ إذ فى خضم الأخير، أحدث الشرع تحولاً راديكاليا غير مسبوق كونه أول رئيس من خلفية جهادية، وليس إسلاميا وسطيا، يعكف على التحالف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، العدو الأول للإسلام الجهادى. والحقيقة أن تحول أحمد الشرع يفتح بابا من تساؤلات جدلية أكبر، من بينها الجدل الأكبر فى واشنطن منذ أحداث 11 سبتمبر، وهو، هل جميع التيارات الإسلامية واحدة فكريا وسياسيا؟، وهل يمكن أن يتغير الإسلاميون أم يتبنون نهجاً جامدا؟ وغيره من الأسئلة. ولعل أحد أهم مفاتيح الحل يكمن فى تتبع مسيرة الشرع الجهادية، والواقع عند تتبع مسيرته كان الملاحظ فيه هو تحوله الفكرى والتنظيمى السريع، إذ الميل سريعا من أقصى التشدد إلى أقصى الاعتدال؛ وهو ما يبدو أنه كان فى حالة مراجعة فكرية مستمرة، لينتهى به الحال قبل رئاسة سوريا، بالانفصال عن القاعدة ثم جبهة النصرة بأفكارهما شديدة التطرف والعنف-المخالفة تماما لتعاليم الإسلام الحنيفة- لتشكيل هيئة تحرير الشام لأجل التخلص من نظام بشار الفاسد، والتى حكمت إدلب منذ 2017 تحت قيادته. ويرى الكثير من المختصيين فى الإسلام السياسى، أن حكم الشرع لإدلب قد مثلت نقطة التحول الحقيقية للشرع؛ إذ أدرك أن قيادة إقليم او دولة أمراً صعباً يختلف تماما عن العمل الجهادى وشعاراته شديدة الطوباوية، أو بعبارة أخرى استكشف الأمر الواقع على طبيعته بما يقتضى ذلك من واقعية أو برجماتية شديدة للتعاطى معه؛ وهو ما تبدى من تطبيق نظام إسلامى معتدل فى إدلب وفقا لمؤسسات مصغرة شاملة لإدارة الإقليم، حتى مسيحي أدلب قد سمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية بحرية مع توافر قوات أمنية قوية لحماية الكنائس. إذن الشرع شخص يتميز بالقابلية على المراجعة الفكرية والسياسية المستمرة-وربما ذلك استثناء فى أوساط التيارات الجهادية، وتيارات الإسلام السياسى عموما- علاوة على ذلك، محملاً بتجربة حكم سياسى تعلم وأدرك فيها ما معنى الحكم السياسى وما معنى أن تكون رجل دولة مسؤولا. وجاء الشرع لحكم سوريا بتلك الخلفية؛ مع الاختلاف الشاشع جدا بين سوريا كدولة مركزية متعددة الطوائف، مدمرة اقتصاديا ومؤسسات غائبة، نصف شعبها مهجر، وبين محافظة إدلب. الشاهد فى الأمر، أن وضع سوريا هذا لابد أن يدفع الشرع-مع خلفيته- إلى نهج سياسة خاصة خارجية شديدة الواقعية؛ يخالف به جميع التوقعات والتصورات، وأمنيات الكثيرين العنترية أيضا. تحتاج سوريا إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، واستقرار لإعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسسات ومنع النزعات الانفصالية وعودة المهجرين وتحقيق الوحدة الوطنية. ومن المستحيل تحقيق ذلك إلا عبر تمتين العلاقات مع القوى الغربية لرفع العقوبات وجلب الاستثمارات ودعم سوريا وقيادتها فى النظام الدولى. ولعل الأهم من ذلك، تجنب بشتى الطرق إشعال حرب مع إسرائيل فى وضع سوريا تعانى فيه من حالة شديدة البؤس. خلاصة القول، فى إطار الجدل المحتدم داخل الولايات حول الإسلاميين منذ 2001؛ دافع جانب من المفكرين عن إمكانية التعامل مع الإسلاميين؛ معللين ذلك بأن التيارات الإسلامية عندما تصل إلى السلطة تُجبر على الواقعية او البرجماتية السياسية، والتخلى عن الكثير من أفكارها الجامدة-غير الواقعية- لأنها قد اصطدمت بحقيقة الأمور على أرض الواقع، مستشهدين تحديدا بأردوغان فى تركيا الذي قدم نموذجاً للحكم حداثيا ذا مرجعية إسلامية.
690
| 18 نوفمبر 2025
فوز زهران ممداني، المسلم الاشتراكي، بمنصب عمدة مدينة نيويورك لما لها من أهمية اقتصادية بالغة، يُعَد حدثاً فارقاً في تاريخ الولايات المتحدة بكل ما تحمله الجملة من معنى. تناولت مئات المقالات، خاصة الأمريكية، هذا الحدث من زوايا كثيرة للغاية، لكن يمكن القول إن العنوان العريض لهذا الحدث هو (بداية العصر أو الحقبة الجديدة لأمريكا) سياسياً، اجتماعياً، أيديولوجياً، حزبياً، فكرياً، إلخ. ينصب غالب التركيز في مفاجأة فوز ممداني على خلفيته الدينية لكونه مسلماً، أول مسلم يفوز بمنصب عمدة مدينة نيويورك. هناك مسلمون آخرون قد فازوا بذلك المنصب في ولايات أخرى، فممداني ليس استثناء من ذلك المنصب عامة، لكن الاستثناء أو المفاجأة المدوية أن يفوز مسلم بنيويورك لعدة اعتبارات منها احتكار المنصب لمرشحين ديمقراطيين عادة مدعومين من مليارديرات مسيحيين ويهود، والأغلبية السكانية المسيحية واليهودية للمدينة وولاية نيويورك عموماً. وقطعاً، فوز مسلم في تلك المدينة حدث فارق استثنائي، ويستحق التركيز بالفعل، إذ يعكس تداعي التحيز الديني أو الأيديولوجي الكامن في نفوس الأمريكيين منذ عقود، خاصة في مدينة ذات أغلبية غير مسلمة، صوّت فيها جزء من سكانها اليهود لممداني. والتركيز على خلفية ممداني الدينية قد همّش جانباً هاماً أيضاً، وهو أصول ممداني؛ فهو من أصول مهاجرة: أب أفريقي وأم هندية، وبالتالي ففوزه يعكس كذلك تداعي البعد العرقي الذي لا يقل حساسية داخل أمريكا عن البعد الديني، بل يتفوق عليه على خلفية تاريخ الفصل العنصري ورواسبه التي لا تزال كامنة. وحقيقة الأمر التي لم تلقَ الجانب الأهم من الاهتمام - خاصة في مدينة لها خصوصية مثل نيويورك - أن السبب الجوهري في انتصار ممداني قد تأتى من برنامجه الانتخابي شديد الاشتراكية؛ فممداني يمثل أقصى التيار الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي وهو أقلية. وهذا هو ما يعكس بداية الحقبة الجديدة لأمريكا، وكونه مسلماً من أصول مهاجرة يعزز التأكيد على ذلك. إذ أبهر برنامج ممداني الانتخابي ذاك الوعود البراقة من توفير وسائل مواصلات مجانية، وتخفيض إيجارات السكن، ورفع الضرائب على الأثرياء، وتوفير دور رعاية مجانية للأطفال.... وغيرها؛ الناخب في مدينة نيويورك، وتناسى أو تغاضى عن خلفية ممداني الفكرية والعرقية؛ إذ بكلمة أخرى، تفوق البعد الاقتصادي الاجتماعي على كافة الأبعاد الأخرى، والدليل القاطع أصوات بعض اليهود له رغم مواقفه تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل التي أثارت غضب اللوبي الصهيوني بشدة. إذن، لا يمثل فوز ممداني بداية هيمنة الاشتراكية وانهيار الرأسمالية في أمريكا، فهذا الادعاء المنتشر أمر مبالغ فيه بشدة؛ بل يعكس فوزه بداية لحقبة سياسة اقتصادية جديدة أبرز معالمها انهيار الرأسمالية المتطرفة أو المتوحشة التي تخلو من أبعاد واعتبارات إنسانية اجتماعية، مقابل ميل شعبي نحو رأسمالية معتدلة أو المزيج الرأسمالي الاشتراكي وهو المطبق في الدول الإسكندنافية. ومن ثم أيضًا، يؤشر فوز ممداني إلى بداية النهاية للنخب السياسية التقليدية المحتكرة للقرار، والمتحالفة مع أباطرة الرأسمالية حتى داخل الحزب الديمقراطي، مقابل جيل جديد من الشباب الرافض للرأسمالية المتطرفة. قصارى القول، انتصار ممداني يؤشر بالفعل إلى حقبة جديدة لأمريكا، حقبة الانسلاخ عن الرأسمالية المتوحشة، والانسلاخ عن التحيز الديني والعرقي، حقبة النخب الشبابية الجديدة، حقبة التجديد الفكري الشامل داخل الحزبين، خاصة الديمقراطي. وبالقطع ستواجه هذه الحقبة بحرب وتحديات شديدة الضراوة، خاصة من النخبة المالية المحتكرة، واللوبي الصهيوني، لكن فيما يبدو أن التداعيات القاسية للرأسمالية المتوحشة قد خلقت كراهية شديدة للنخب السياسية والسياسات التقليدية والأفكار والتحيزات المتجذرة لدى أغلب الأمريكيين.
663
| 10 نوفمبر 2025
كشفت انتخابات البرلمان الأوروبي 2024 وأيضا الانتخابات التشريعية في بعض العواصم الأوروبية النقاب عن هيمنة لليمين المتطرف الأصولي والشعبوي على أوروبا بحلول 2030 على أقصى تقدير، ولم يكن ذلك محل مفاجأة في ضوء الصعود الصاروخي لليمين المتطرف منذ 2015. وهيمنة اليمين المتطرف سيكون مردودها تحولا واسعا في السياسة الخارجية الأوروبية على مستوى الدول، والاتحاد الأوروبي، إذا استمر أصلاً. لا يمتلك اليمين المتطرف نهجاً متماسكاً في السياسة الخارجية، إذ إن سياسته الخارجية انعكاس لأفكاره الداخلية، كما أن هناك بعض التباينات بين حركات اليمين الأوروبي حول السياسة الخارجية والقضايا الكبرى. ثلاثة تغيرات كبرى مؤكدة في السياسة الخارجية الأوروبية في ظل هيمنة اليمين المتطرف، وتمثل أرضية مشتركة راسخة بين جميع حركاته واتجاهاته. أولاً- سياسة خارجية لا تعير أي اهتمام لمسألة القيم والمعايير، ولا يعني ذلك برجماتية بالضرورة، بل لا تستند مطلقاً على القيم والمبادئ الليبرالية الراسخة لأوروبا واتحادها التي تخالف أفكار ومبادئ اليمين المتطرف. وستبرز هذه السياسة بصورة جلية في قضية الهجرة وحقوق الإنسان على وجه الخصوص؛ بما يتضمن على سبيل المثال لا الحصر- اختفاء سياسة الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان خارجياً، التعاون مع دول شديدة الديكتاتورية دون قيود، سياسة خارجية انتقائية خاصة تجاه الدول الإسلامية والعربية (المصدرة للهجرة والتطرف وفقا للخطاب المزمن لليمين المتطرف)، وسياسة شديدة العنف تجاه المهاجرين مخالفة ليس فقط مبادئ الاتحاد، بل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما ظهر للعلن في الأعوام القليلة الماضية من المعاملة القاسية التي تصل إلى حد الضرب والحجز التعسفي والتنمر العنصري تجاه المهاجرين في الدول الأوروبية التي يهيمن عليها اليمين المتطرف مثل إيطاليا، والمجر، واليونان. ثانيا- سياسة خارجية اقتصادية معاملاتية والتي تتميز برفض الاندماج والانصياع لقواعد التجارة العالمية، والعولمة الاقتصادية، والحمائية المفرطة، والتركيز على الصفقات الثنائية. يجادل اليمين المتطرف أن الخراب الهائل الذي حل على أوروبا منبعه الأساسي هو النيوليبرالية الاقتصادية التي ضمن جملة أمور، أدت إلى مديونيات هائلة، جلب العمالة الخارجية الرخيصة التي سرقت الوظائف من السكان الأصليين، هيمنة المؤسسات المالية العالمية على سيادة واقتصاد الدولة، هروب الشركات الوطنية إلى الأسواق الآسيوية الناشئة. وعليه، فإن أبرز نتائج ذلك في ظل هيمنة اليمين هو المأزق الشديد الذي سيواجه السياسة الاقتصادية الأوروبية المشتركة تحت ظل الاتحاد، وهو أقوى ما يتمتع به الاتحاد كونه عملاقا اقتصاديا، قزما عسكريا، فاليمين المتطرف حتما سيدفع بالانسحاب من منطقة اليورو، دول الاتحاد اليمينية ستبحث بصورة منفردة عن تأمين مصالحها خاصة الطاقة كما هو حاصل الآن مع بعض الدول خاصة ألمانيا، على حساب قيم الاتحاد وسياسته الاقتصادية المشتركة. ثالثا- سياسة خارجية مناهضة للمؤسسات فوق الوطنية خاصة الاتحاد الأوروبي، إذ يكن اليمين برمته عداء شديدا لأي اندماج خارجي ينتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، ويشمل العداء الاتحاد الأوروبي، فاليمين برمته يتبنى موقفا سلبيا من الاتحاد لكن بدرجات متفاوتة، في أدناها عدم التوسع أكثر من ذلك، وفي أقصاها- وهو الأغلب - الانسحاب من الاتحاد بصورة علنية. إذ بجانب سلب الاتحاد السيادة القومية، يصور اليمين أيضا الاتحاد بمنبع معظم كوارث أوروبا خاصة حدوده المفتوحة التي جلبت ملايين المهاجرين خاصة العرب والمسلمين المخالفين والمعادين للهوية الأوروبية. ومن هذا المنطلق، ستشهد أوروبا تحت سيطرة اليمين، توترات حادة داخل البيت الأوروبي، احتمالية كبيرة لانسحاب بعض الدول مثل المجر المرشح الأقوى، وربما هولندا وإيطاليا أسوة بإنجلترا، سباق تسلح منفرد، أي ضرب السياسة الدفاعية الأوروبية المشتركة- الضعيفة أساسا - في مقتل، وتحالفات ثنائية من القوى المعادية والمنافسة للاتحاد وعلى رأسها الصين وروسيا. قصارى القول، صعود اليمين المتطرف الهائل في أوروبا هو نتاج التمرد على القيم والمبادئ النيوليبرالية، أو بعبارة أخرى توحشها وتطرفها، فالقاعدة الشعبية لليمين المتطرف الآخذة في التوسع المرعب؛ ترى أن امتلاء أوروبا بملايين المهاجرين وتهديد الهوية الأوروبية، وفساد النخب السياسية، والأزمات الاقتصادية... وغيره، هو بسبب هذه المبادئ النيوليبرالية. وسياسات اليمين المتطرف الداخلية والخارجية هي صدى لتلك القاعدة، وبالتالي، فأوروبا في ظل الهيمنة المطلقة المرتقبة لليمين المتطرف ستفتح صفحة جديدة في سياستها الخارجية ترتكز على التشدد القومي، المناهضة العنيفة للقيم وحقوق الإنسان والعولمة والاقتصاد الحر والتحالفات والمؤسسات فوق القومية، وعلى الأرجح نتيجة لذلك انهيار الاتحاد الأوروبي في غضون عقدين.
702
| 03 نوفمبر 2025
انقضت حرب غزة بعد أكثر من عامين، عانى فيها شعب غزة معاناة لا تحتمل، وشهدت فيها المنطقة حالة شديدة من الاضطراب وسط مواجهات عسكرية مباشرة للكيان على أكثر من جبهة كان أخطرها مع إيران. حرب غزة من القضايا شديدة الجدلية التي سيتوقف عندها التاريخ كثيراً بالنقد والتحليل ومحاولة إعادة الاستيعاب والتفسير للتداعيات، إذ حقاً لا يمكن تنميط التداعيات وحدود التأثير في اتجاه محدد إيجابي أو سلبي أو ما بين الاثنين، وذلك بعيداً عن التحيزات. لذا، نسعى في المقال إلى تسليط الضوء على حدود التأثير خاصة على المنطقة والقضية الفلسطينية بصورة تتوخى الواقع على قدر الإمكان. واقع جلى لا مناص منه أمام أشد المتحيزين واقع، أصبح مفروضاً في المنطقة لا يمكن الهروب منه صنعته إسرائيل، قد ترتب عليه إعادة رسم خريطة التوازن في المنطقة لصالح إسرائيل للأسف، هل أجهزت حرب غزة على روح أو فكرة مقاومة الكيان في المنطقة؟ مسألة جدلية عويصة تفاقمت إزاء مجموعة مشاهد متجسدة أفرزتها حرب غزة، ومنها: كسر محور المقاومة الرئيسي للكيان. ما يمكن قوله تحلياً للواقع أن حرب غزة قد أضعفت المقاومة المسلحة للكيان في المنطقة، لكن الذي لا يمكن إغفاله مطلقاً أن مقاومة الكيان ستظل باقية. وقائع إقليمية أخرى فرضت نفسها، من بينها استعادة الولايات المتحدة دورها الريادي نسبيا في المنطقة، بعد إهمال كبير منذ 2009. تفاعلت واشنطن بقوة منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى في كل مجرياته وتبعاته، إذ كانت حجز الزاوية في تأجيج المواقف، وإخمادها أيضا والتي أثمرت اتفاق إنهاء حرب غزة الذى طرحته إدارة ترامب. الشاهد في الأمر، أن أمن إسرائيل، وترتيب الأوضاع المعقدة بعد حرب غزة، بات يفرض على واشنطن إعادة تركيز أكبر في المنطقة حتى في ظل إدارة تميل نحو الانعزالية. وأخيراً فيما يتعلق بالمنطقة، إبراز تأثير الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد كقوى تفوق في قدراتها وتأثيرها قدرة قوة السلاح والغطرسة، ولعل المثال الأبرز على ذلك دور دولة قطر وأدواتها، إذ استطاعت بتلك الأدوات، إحداث التأثير الأكبر في كشف جرائم الكيان، وإنهاء حرب غزة رغم غياب القدرة العسكرية الساحقة. وهذا بدوره قد أبرز لاعبين مؤثرين جددا في المنطقة، وإنهاء أسطورة التفوق العسكري. تأثير حرب غزة على القضية الفلسطينية يعد من أكثر المسائل الجدلية على الإطلاق، إذ يرتأى البعض وهم كثر أن الحرب قد أضرت ضرراً بالغا بالقضية وأعادتها إلى نقطة الصفر، بينما يرى آخرون وهم كثر أيضا أن الحرب قد أعادت إحياء القضية، وما بين هذا وذاك، نقول إنه لا شك في أن ما حدث في قطاع غزة من قتل وتدمير مروع لكن في مقابل هذا الثمن الرهيب، نجد مكاسب مذهلة للقضية، من أهمها في تقديرنا، هو بروز إجماع دولي واضح راسخ غير ملتبس-غير مسبوق- بحق الفلسطينيين المشروع في تأسيس دولة على الأراضي المحتلة وفقا لحل الدولتين. فقد تكتل كل حلفاء الكيان الموثوقين وعلى رأسهم بريطانيا ضده للمرة الأولى في التاريخ أمام محاولات العبث بالقضية أو حل الدولتين، وذلك كان من أهم الضغوط التي دفعت ترامب لإنهاء الحرب. حرب غزة باختصار قد كرست موقفا دوليا راسخا بتأسيس دولة فلسطينية، وسعت من هامش العزلة والكراهية الدولية للكيان، أنهت أسطورة إسرائيل الكبرى، وعلى نحو عام أوقفت التدهور في القضية إذ باتت أولوية رئيسية في أجندة المجتمع الدولي، مما يؤدى إلى حالة من الاستقرار الطويلة في الأراضي المحتلة على أقل تقدير.
723
| 21 أكتوبر 2025
مع دخول خطة وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، التى وافقت عليها حماس وإسرائيل بمشاركة الوسطاء الثلاثة (قطر، مصر، الولايات المتحدة)، كمرحلة أولى-أساسية-لإنهاء الحرب فى غزة؛ وبحضور معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، تسجل قطر فى تاريخها الذهبى الحافل انتصاراً دبلوماسياً فريداً. اضطلعت قطر بمسؤولية الوساطة فى إنهاء الحرب، كوسيط رئيسى-تقريبا وحيد- منذ الساعات الأولى للحرب، فى مفاوضات شديدة التعقيد والصعوبة والأبعاد، إذ ألقى على كاهله التوفيق بين إرادات متعارضة بشدة، وتقديم مقترحات مرضية لكافة الأطراف. وقد قبلت قطر هذا التحدى العسير، وتحملت ما لا يحتمله وسيط أبداً من عناء وضغوطات وإحباطات، وصولا لتعرض سيادة قطر لعدوان عسكري غاشم وغادر من جانب الكيان الصهيونى. وذلك انطلاقاً فى المقام الأول بمسؤولية قطر الأخلاقية والتاريخية بإنهاء حرب الإبادة فى غزة، وعودة القضية الفلسطينية إلى مسارها الصحيح بما يضمن الحقوق المشروعة للفلسطينيين، وإيماناً منها بخبرتها وقدرتها الكبيرة كوسيط حقق نجاحاً باهراً فى جميع الوساطات التى انخرط فيها والتى تقدر بالعشرات. وأخيراً من منطلق ثقة أطراف الصراع والقوى المنخرطة فى النزاع وعلى رأسها واشنطن، بأن لا بديل عن الوساطة القطرية التى تتميز بصفة فريدة نادرا ما يتحلى بها وسيط وهى القدرة على فتح جسور الحوار والتواصل مع الجميع مستندة على الحيادية التامة وتصفير المشكلات. إذ باعتراف الولايات المتحدة (إدارة بايدن ومن بعده ادارة الرئيس ترامب) وإسرائيل، وحماس، (قطر هى الوسيط الوحيد القادر على التواصل مع جميع الأطراف دون قيود، وإيصال أفكارنا للأطراف الأخرى وإقناعهم بها دون حتى الاتصال المباشر معهم، أكثر وسيط نثق بحياديته ورغبته الحقيقية فى إنهاء الصراع). ألقت دولة قطر منذ اليوم الأول بكل ثقلها كوسيط فى سعى حميم لإنهاء الحرب، ربما بصورة غير مسبوقة فى سوابق وساطاتها، متمسكة بمجموعة مرتكزات هى التى تم الموافقة عليها فى خطة وقف إطلاق النار: الوقف الشامل لحرب الإبادة على غزة، انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، إدخال المساعدات والمواد الغذائية والطبية لغزة، التوصل لاتفاق شامل لتبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، خطة لإعمار وإدارة غزة فى اليوم الأول لإنهاء الحرب وعودة مفاوضات السلام على أساس حل الدولتين. وفى سبيل ذلك، انطلقت جهود الوساطة الشاملة لدولة قطر بحضور مكثف حيث شكلت غرفة عمليات واصلت الليل بالنهار لبذل الجهود الدبلوماسية من تقديم مبادرات ومقترحات عدة لطرفى الصراع، إلى جولات المسؤولين القطريين المكوكية الإقليمية والدولية فى مسعى للضغط والإقناع وحشد الجهود لإنهاء الحرب، التنديد الرسمى والإعلامى بوحشية عمليات الكيان فى غزة، لتكثيف الضغط الداخلى والدولى عليه لقبول المقترحات العادلة لإنهاء الحرب بصفته الجانب الأكثر عنداً الذى يحاول استثمار ورقة غزة لمآرب أخرى، ومشاركة فعالة فى جميع المؤتمرات والمحافل الدولية المتعلقة بإنهاء الحرب فى غزة. يضاف إلى كل ذلك، تصدر غزة أولوية خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني فى جميع المحافل الدولية خاصة اجتماعات الأمم المتحدة، لأجل تنبيه العالم بأكبر مأساة إنسانية فى القرن الحادى والعشرين، وحثهم على حشد الجهود لإنهاء الحرب. واقع الأمر، أن جهود قطر الجبارة لم تذهب سدى، فقد أثمرت الهدنة الأولى فى نوفمبر 2023، والتى على إثرها توقفت الحرب-لمدة قصيرة- لكن وطأتها عموما قد تقلصت، وتم إدخال المساعدات لغزة بصفة يومية، وتبادل مشترك للأسرى. ويمكن القول إن اتفاق الهدنة الثانى فى يناير 2025-والذى فشل للأسف-كان ثمار جهود قطرية جبارة شملت جولات مفاوضات سابقة عبر مكتب حماس فى قطر، وتفاهمات مع الشركاء خاصة الولايات المتحدة، ورغم فشله لكنه عد خريطة الطريق والمنطلق الرئيسى المأمول لإنهاء الحرب. بعد انتهاء حرب الـ 12 يوما بين إيران وإسرائيل، كشفت الأخيرة النقاب عن خطة واضحة لترحيل أهل غزة عبر حرب تجويع واحتلال عسكرى شامل. ولم يؤد ذلك إلى تثبيط معنويات قطر، إذ تكثفت جهودها بوتيرة مضاعفة فى ظل وضع أصبح أكثر تعقيدا بدعم خارجى واضح؛ وهو ما تجسد فى زيادة التنديد بما تفعله إسرائيل، تكثيف الضغوط على شركاء الخارج، تكثيف التعاون مع مصر، تقديم مقترحات جديدة لإنهاء الحرب. وواقع الأمر، أن جهود قطر فى الشهور الأخيرة تحديداً كانت المحرك الأساسى فى تشكيل جبهة رفض عالمى تقودها أوروبا، وتحديدا بريطانيا-فى مفارقة عجيبة-لرفض مخطط خطة تهجير أهل غزة الكارثى، وصولاً بخطة وقف إطلاق النار بدعم أمريكى مطلق التى من شبه المؤكد انها ستطوى صفحة حرب غزة. اعتبرت أطراف الحرب، والمنخرطون فيها خاصة واشنطن، أن قطر هى الوسيط الرئيسى لإنهاء الحرب منذ ساعاتها الأولى، ولا يعد ذلك انتقاصاً من جهود الوسطاء الآخرين خاصة مصر التى ساهمت مساهمة قوية فى إنهاء الحرب؛ لكن من خلال ما تم سرده عن جهود قطر الجبارة لإنهاء الحرب، يمكن القول بصوت عال إن الحاضر والتاريخ سينسب لدولة قطر وساطتها التاريخية الريادية فى إنهاء الحرب على غزة.
2418
| 10 أكتوبر 2025
تتقدم قضية التغير المناخي ومحركها الأساسي الاحترار العالمي قائمة التهديدات الخطيرة على مستقبل البشرية، إذ في بعض المؤشرات العالمية تحل في المركز الأول متقدمة على انتشار السلاح النووي، بوصفها التهديد الوجودي الأول الحالي للبشرية. تواجه قضية التغير المناخي تحديات صعبة بالرغم من الجهود الدولية الجبارة الرامية إلى الحد من تداعياتها الخطيرة وتحقيق هدف الحفاظ على مستوى درجة الحرارة أقل من 2 درجة مئوية وفقًا لاتفاقية باريس للمناخ 2015، وهو ما يبدو أنه مستحيل بحسب الأمم المتحدة التي أطلقت تحذيرات من تجاوز مستوى (الغليان الحراري) خلال العامين الماضيين. ومرد ذلك في المقام الأول ضعف إرادة الدول الكبرى في التصدي الحازم للقضية، رغم كونها صاحبة النسبة الأكبر عالميًا من الانبعاثات الكربونية والغازات الدفيئة. أفسح غياب دور قوي للدول الكبرى في التصدّي للقضية المجال للدول المتوسطة والصغيرة للعب دور أكبر في التصدّي للقضية، وتعد دول الخليج وعلى رأسها قطر من الدول التي باتت تضطلع بدور قيادي عالمي في قضية التغير المناخي، نابعاً في المقام الأول من الشعور بخطورة القضية وحتمية المسؤولية الأخلاقية والإنسانية في التصدّي، وفي المقام الثاني، الفرص الاستراتيجية الجمة الناجمة عن الدور الريادي العالمي في القضية. تعد قضية التغير المناخي من أهم شواغل قطر منذ تولى سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد مقاليد الحكم في 2013 إذ أسهمت قطر بفعالية في إبرام اتفاقية باريس للمناخ عام 2015 وهي الاتفاقية العالمية الأهم حتى الآن في التصدي للتغير المناخي. وجاء اهتمام سمو الأمير انطلاقاً من الدور الإنساني والأخلاقي المتوجب تأديته لوقف تفاقم التداعيات الخطيرة للاحترار العالمي، بالرغم من أن قطر من أقل دول العالم المنتجة للغازات الدفيئة، والأقل خليجياً بسبب اعتمادها شبه التام على الغاز الطبيعي. ففي مناسبات ومؤتمرات عدة حول المناخ، خاصة داخل الأمم المتحدة، ندد سمو الأمير بعبارات واضحة بالتداعيات الخطيرة للتغير المناخي على العالم برمته، كما اعتبرها أخطر عائق للتنمية المستدامة، ومصدر رئيس لصراعات المستقبل. من أجل تعزيز المصداقية الإنسانية والأخلاقية القطرية فى مواجهة التغير المناخى، وتعزيز أيضا النموذج والسمعة للتصدى للتغير المناخى فى ظل تقاعس لافت للدول الكبرى؛ اتخذت قطر منذ 2020 خطوات واسعة شاملة ملفتة للانتباه، كان فى مقدمتها تأسيس وزارة البيئة وتغير المناخ فى 2021 بغرض مأسسة قضية البيئة على نطاق وطنى، ودعم بنية معرفية وإجرائية وابتكارية شاملة للتصدى للتغير المناخى وتطوير حلول مبتكرة وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة. وفى 2022، أنشأت قطر مركز (إرثنا لمستقبل مستدام) معنى بالدرجة الأولى ببحوث الطاقة البديلة ووسائل الكف عن الطاقة الملوثة. ويتأتى أيضا فى إطار تعزيز المصداقية، المنح والمساعدات القطرية المالية لجهود مكافحة التغير المناخى فى العالم التى تجاوزت الـ 200 مليون دولار بحلول 2025 خاصة فى الدول النامية والتى تشمل التشجير، والوعى البيئى، ودعم الطاقة النظيفة. تتقدم قطر بخطوات سريعة لتصبح خلال أعوام قليلة من الدول التى تحظى بريادة عالمية فى قضية التغير المناخى وذلك فى سياق الدبلوماسية المتخصصة لقطر، والواقع أن شواهد ذلك كثيرة، إذ باتت قطر مبادرا رئيسيا فى عقد الاجتماعات والورش والندوات المتعلقة بالتغير المناخى على المستويين الإقليمى والدولى، فخلال الفترة من 2022 حتى 2025 استضافت قطر بمبادرة وزارة البيئة ومركز إرثنا أكثر من خمسة اجتماعات وورش عمل لمناقشة وتعزيز سبل التصدى للتغير المناخى. وفى ذات الفترة أيضا، أطلقت قطر مبادرات عالمية عديدة تتعلق بالتغير المناخى من بينها مبادرة مراقبة البيئة البحرية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للحد من التلوث البلاستيكى، ومبادرة حماية البيئة البحرية مع الأمم المتحدة لحماية الكائنات البحرية المهددة بالانقراض، وغيرها تتعلق بالتشجير والتنوع البيولوجى والطاقة البديلة. أحد المناحى العالمية فى ريادة التغير المناخى أمست ذات صلة وثيقة بحجم الاستثمار فى الطاقة البديلة، بحسب المؤشرات العالمية، تتجه قطر بحلول عام 2030 بان تصبح من أكبر المستثمرين عالميا فى الطاقة النظيفة أو البديلة بحجم استثمارات متوقع يناهز 200 مليار دولار أمريكى. تتفرد قطر بحجم استثمارات هائلة فى الطاقة الشمسية بغرض أولى رئيس زيادة إنتاج الكهرباء، ثم الحد من الانبعاثات الكربونية، ففى 2022 افتتحت قطر محطة الخرسعة للطاقة الشمسية، وتقوم بإنشاء اثنتين أخريين بغرض إنتاج أكثر من 10% من الكهرباء. ومع التقدم فى الطموح القطرى فى الطاقة البديلة، ستعزز قطر من مصداقيتها العالمية، ونفوذها، وارباحها أيضا باعتبار أن الطاقة البديلة أحد أهم استثمارات المستقبل.
807
| 06 أكتوبر 2025
في خطوة تاريخية مفصلية في مسار القضية الفلسطينية، اعترفت كل من بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا بدولة فلسطين خلال اجتماعات الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن تلحق بهم دول غربية أخرى عن قريب مثل البرتغال وبلجيكا. ومع الأهمية الشديدة لاعتراف تلك الدول الغربية الكبرى، يبقى الاعتراف البريطاني هو الأكثر أهمية وفعالية على الإطلاق من حيث التأثير على مسار القضية الفلسطينية على أرض الواقع. الاعتراف الغربي المتوالي بفلسطين غرضه الرئيس الترسيخ الأبدي لمسألة حل الدولتين بما يتضمن ذلك دولة فلسطينية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها غزة، ووأد طموحات حكومة اليمين المتطرف التوسعية في إسرائيل بقيادة نتنياهو بما في ذلك خطة ترحيل سكان غزة، وقد جاء ذلك مدفوعاً بشعور تلك الكتلة الغربية بالخطر والتدهور الشديد في القضية الفلسطينية إثر ما يجري الآن في غزة من فظائع مروعة. ولعل ذلك مفهوم وأمر عظيم، لكن - وفقا لشديدي الواقعية أو شديدي التشاؤم - يبقى ذلك رمزياً إلى حد بعيد، فقبيل الاعتراف الغربي، كان عدد الدول المعترفة بفلسطين أكثر من 120 دولة بينهم قوى كبرى مثل روسيا والصين والهند، ماذا فعلت في مسار القضية عموما، وعلى صعيد حرب الإبادة في غزة خصوصاً. نجادل أن الوضع بعد اعتراف بريطانيا سيتغير بنسبة معقولة وبصورة تدريجية، أي سينفرط عصر الرمزية بشأن القضية تدريجيا وصولاً بفرض الأمر الواقع على المدى المتوسط. بريطانيا دولة عظمى عسكرية نووية، قوة اقتصادية عملاقة، تاريخ عريق، نفوذ سياسي جبار، وكل ذلك بطبيعة الحال يجعلها في مركز شديد التأثير بشأن القضية، أو تحديدا قوة ضاغطة رهيبة على إسرائيل. لكن لعل الأهم على الإطلاق، يكمن في قدرة بريطانيا بما تحمله من مكانة خاصة لدى واشنطن، وارتباطات تاريخية، ومصالح حيوية علانية وسرية؛ أن تؤثر على واشنطن بشأن القضية، وبالأخص الضغط على إسرائيل، فواشنطن هي الوحيدة القادرة على تحجيم إسرائيل. وعلى افتراض عجز بريطانيا عن الضغط على واشنطن وهو وارد في ظل قيادة منحازة تماما للرؤية والطموحات اليمينية الإسرائيلية؛ فاعتراف بريطانيا له دلالة وواقع مختلف، إذ أسقط الاعتراف واحدا من أهم الحصون التاريخية الغربية المؤثرة الداعمة دعماً مطلقاً لإسرائيل التي زرعتها بالأساس في المنطقة، إذ لم يتبق حصن غربي سوى واشنطن. إذ على رأي أحد الكتاب البريطانيين، أصبحت واشنطن وإسرائيل في مواجهة العالم كله بعد الاعتراف الأوروبي بفلسطين. ومن ثمَّ، سيشكل ذلك ضغطا وإحراجاً شديدا مزمنا لواشنطن، حيث فقدت أحد الدواعم المركزية المنحازة. بريطانيا قادرة بحكم نفوذها ووضعها المتفرد في أوروبا، على قيادة جبهة أوروبية موحدة - مستعدة في واقع الأمر - للضغط على إسرائيل بوسائل مختلفة، بدءاً من منع تصدير السلاح، مروراً بتقويض العلاقات الاقتصادية، وصولاً بالقطيعة الدبلوماسية التامة، فإسرائيل مهما بلغت من قوة واعتماد مفرط على واشنطن، نظن أنها لا تقوى على ضغط أوروبي منهجي قوي بقيادة بريطانيا، حيث مصالح وروابط شاملة مع أوروبا شديدة الحيوية. ملخص البيان، الاعتراف البريطاني تاريخي ومفصلي في مسار القضية الفلسطينية، نجزم أنه سيحرك المياه الراكدة، ويحجم طموحات إسرائيل عند خطوط محددة، ويكرس لاعتراف أبدي بحق قيام دولة فلسطينية على أساس حل الدولتين. وفوق كل ذلك، تكمن أهميته في كسر الانحياز الغربي المزمن لإسرائيل.
834
| 30 سبتمبر 2025
منذ تولى الرئيس شي جين بينج قيادة الصين في 2013، نال اهتمام الصين بما يسمى الجنوب العالمي أو دول الجنوب، وهي مرادف لدول العالم الثالث المصطلح القديم الذي عفى عليه الزمن، ومرادف أيضا-عند البعض والصين- للدول المعارضة للهيمنة الغربية الأحادية، وليس بالضرورة في عداء صريح مع الغرب. فمنذ توليه، لا يخلو تقريبا أي خطاب خارجي للرئيس شخصيا أو كبار المسؤولين عن دول الجنوب ودورها المركزي في النظام الدولي الجديد. تعمل الصين منذ تولى بينج على تكريس دورها القيادي في العالم بصورة صريحة ومباشرة إذ لا تخفي ذلك، وفي أوقات تعلن ضمنيا عن رغبتها في الهيمنة المنفردة، وفي الأغلب تعلن عن سعيها لتأسيس نظام دولي متعدد الأقطاب. وفي كلتاً الحالتين، فدول الجنوب هي القاطرة التي تعول عليها الصين لترسيخ هيمنتها الدولية. أو كسر الهيمنة الغربية لترسيخ التعددية، أو حتى تقاسم القيادة مع واشنطن في إطار نظام ثنائي القطبية، وهو أمر ضروري في كل الحالات وتعمل عليه الصين والشواهد لا حصر لها. المنطلق الرئيس للخطاب الصيني الموجه لدول الجنوب يتمحور حول الدور الفعال للجنوب في إطار إصلاح الحوكمة الدولية، والتي بدورها تنطلق من أساس (دمقرطة العلاقات الدولية)، مما يعني إصلاح النظام الدولي القائم ومؤسساته وقواعده بحيث تكون أكثر عدلاً وإنصافاً- لا تحابي مصالح الغرب فقط- وأن يكون لدول الجنوب دور فيه خاصة في مؤسساته الرئيسة متساو مع القوى الغربية. والصين لا تغازل دول الجنوب خطابياً فقط، بل الأهم هو ما تقوم به على أرض الواقع، وهنا الشواهد والأدلة لا حصر لها، من المشاركة في مشاريع بنية تحتية تقدر بالمليارات عبر مبادرة الحزام والطريق، ومساعدات تنموية ومنح مليارية سنويا، ومساعدات خاصة بالتعليم والطاقة النظيفة، إلى مساندة مرشحي دول الجنوب لتولي مناصب رفيعة وقيادية في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية، وتقديم مساعدات مالية وفنية للمنظمات الإقليمية، وأخيراً، دعم دول الجنوب للانضمام للمنظمات الدولية الجديدة المناهضة للغرب وعلى رأسها البريكس. والحقيقة أن ما قامت به الصين من جهود جبارة لدول الجنوب صنفها بصورة شبه رسمية كزعيم دول الجنوب، وهي بذلك- وفقا لانصار الجرامشية الجديدة- قد مهدت الطريق لتقبل دول الجنوب لهيمنتها الدولية بصورة طوعية. وهذا في ظل أمرين في غاية الأهمية، أولهما تراجع قوة الغرب بقيادة واشنطن في النظام الدولي، والثاني هو التنامي المطرد لقوة كثير من دول الجنوب، حيث تضم دول باتت مصنفة كقوى متوسطة في النظام الدولي مثل جنوب أفريقيا والبرازيل. حازت قمة شنغهاي الأخيرة القمة الخامسة والعشرين في الصين على اهتمام واسع لم تحظى به قمم منظمة التعاون شنغهاي في السابق، في افتتاحيات صحف عالمية كبرى مثل النيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وصفت القمة بأنها قمة نهاية الهيمنة الغربية، وقمة إعلان النظام العالمي الجديد بقيادة الصين وغيرها من العناوين ذات المعنى. وتلك الأوصاف لم تأت من الأهداف الطموحة المعلنة المتوخاة من القمة، بل من التهافت الواسع للمشاركة في القمة، إذ للمرة الأولى يشارك في القمة نحو عشرين زعيماً بعضهم من دول لم تكن تولي اهتماما كبيرا بشنغهاي بقدر اهتمامها بفعاليات أخرى خاصة البريكس. ولعل كانت المفاجأة الكبرى التي أعلن عنها الرئيس بوتين في كلمته هي عشرات طلبات الالتحاق التي قدمتها الدول للانضمام للمنظمة بصفة رسمية. إن تهافت المشاركة بجانب عشرات طلبات الالتحاق هي جميعها تقريبا من دول الجنوب، أو المصنفة ذلك، والأغرب هو أن منظمة شنغهاي ليست ذات أهداف عالمية أسوة بالبريكس أو الحزام والطريق، بل إقليمية المشاركة والأغراض بالأساس. ويعكس ذلك بصورة لا تخطئها العين الكثير من المؤشرات الحاسمة: -إقرار دول الجنوب بالقيادة الصينية المفيدة لهم. -سعي دول الجنوب للاستفادة من أية تنظيمات تقودها الصين. - إقرار دول الجنوب بالنظام الدولي الجديد الذي على الأقل لم تعد الهيمنة الغربية فيه مطلقة. -رغبة دول الجنوب القوية في الوقت عينه في التحرر من الهيمنة الغربية المطلقة التي باتت أكثر وطأة على العالم. في البيان الأخير، جاءت قمة شنغهاي الأخيرة لتقر نظاما دوليا جديدا، معسكر ناشئ قوي من دول الجنوب بقيادة الصين، ومعكسر غربي يتداعى من داخله قبل تحديه من الخارج. والواقع أن الصين عبر تكتل الجنوب في طريقها إلى قيادة دولية راسخة أو حتى هيمنة مطلقة في المستقبل، لكنها هيمنة مختلفة عن باقي صور الهيمنة على مدار التاريخ، هيمنة ذكية جعلت العالم يتقبلها أو يوافق عليها طوعاً.
765
| 21 سبتمبر 2025
مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...
888
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...
696
| 04 فبراير 2026
لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...
669
| 01 فبراير 2026
أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...
573
| 03 فبراير 2026
انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...
555
| 04 فبراير 2026
- تعودنا في هذا الوطن المعطاء عندما تهطل...
531
| 02 فبراير 2026
وجد عشرات الطلاب الجامعيين أنفسهم في مأزق بعد...
498
| 02 فبراير 2026
في بيئات العمل المتنوعة، نصادف شخصيات مختلفة في...
495
| 01 فبراير 2026
ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...
456
| 03 فبراير 2026
يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»،...
408
| 03 فبراير 2026
في منطقة الشرق الأوسط التي اعتادت على الأزمات...
378
| 02 فبراير 2026
مساحة إعلانية