رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في منتصف القرن التاسع عشر، شاعت عبارة "رجل أوروبا المريض" للإشارة إلى الإمبراطورية العثمانية في مرحلة ضعفها، حيث اعتبر الغربيون وقتها أن دولة الخلافة قد أصبحت مصدرا للمشاكل والأزمات بعد أن غرقت في الديون وتوالت عليها الهزائم العسكرية، وأنه لا حل إلا التخلص منها عبر تقسيمها بينهم.
وبالفعل تفككت دولة الخلافة، ولكن سرعان ما ظهرت حركات إسلامية مستقلة في أرجاء العالم الإسلامي في محاولة لسد الفراغ الذي أحدثه غياب الرابطة السياسية بين دول المسلمين. وقد تفاوت أداء هذه الحركات صعودا وهبوطاً إلى أن وصلت إلى قمة أدائها السياسي في أعقاب الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي عندما تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم أو كادت، في عدد من الدول، قبل أن تزاح بالقوة من صدارة المشهد السياسي وتتوالى عليها هي الأخرى الهزائم السياسية والنكبات.
وفيما يبدو أنه إعادة لمشهد تاريخي قديم، بدأ من يمثلون الامتدادات الفكرية للغرب في المشرق يتناقلون تحليلات تحمل نفس المعنى القديم، وهو أن هذه التيارات الإسلامية قد أصبحت هي الأخرى رجلا مريضا، يتعين التخلص منه والبدء في وضع التصورات المناسبة لإعلان وفاته.
حملة هذه الدعوى من النخب العلمانية يدعون أن التيارات الإسلامية بحالتها الحالية أصبحت غير قابلة للدمج داخل أي نظام سياسي، وأنها غير متوافقة مع قيم الدولة الوطنية الحديثة. كما يصرحون أن تيارات الإسلام السياسي في مجملها تعاني معضلة مع فكرة الحداثة وتجلياتها المختلفة خصوصا ذات الطبيعة السياسية. أما الحل الذي تطرحه هذه النخب للتعامل مع هذا الوضع فيتطابق بدوره مع الحل الذي طرحته القوى القديمة، من ضرورة تفكيك هذه التيارات والعمل على إيجاد بدائل مستأنسة لها، يتم الاحتفاظ بها تحت مستوى معين من القوة والفاعلية.
وقد مثل "رجل أوروبا المريض" قديما مشكلة لأنه رغم مرضه احتفظ بقدر كبير من عوامل قوته، الأمر الذي حال بين أعدائه وبين إمكانية القضاء المباشر عليه، ولذا كانت حالته تناقش في إطار ما كان يعرف بالمسألة الشرقية "Eastern Question". الأمر نفسه حاليا فيما يتعلق بالتيار الإسلامي حيث يوصف بأنه "أضعف من أن ينتصر ويفرض كلمته، لكنه أيضاً أقوي من أن يتم استئصاله أو تجاهله".
وعناصر القوة التي ترى النخب العلمانية أن التيار الإسلامي ما زال يتمتع بها تتمثل في "جاذبية أفكاره الدينية بالنسبة لقطاعات شعبية واجتماعية معتبرة". ويرى هؤلاء أنه "طالما ظلت هذه الأفكار والاعتقادات الدينية موجودة بشكل مركزي في الثقافة والوجدان الجمعي، طالما ظلت التيارات الإسلامية هي التيارات السياسية الوحيدة القادرة علي طرح نفسها أيديولوجيا وتنظيميا". وعليه فإن قوة التيار الإسلامي من وجهة نظر خصومه، لا ترجع لنجاحه الداخلي، ولكن لأن ثمة معطيات من الفشل تحيط به وتبرر استمراره.
أما عناصر ضعف أو فشل التيار الإسلامي من وجهة نظر خصومه فتتعلق بكونه يقدم أفكارا وتصورات سياسية عن الدولة (المواطنة، التعددية، وظيفة الدولة، علاقتها بالمجتمع، بنية الاقتصاد، دور المؤسسات)، تختلف مع التصورات الحداثية، الأمر الذي يعد من وجهة النظر الناقدة إفلاساً وعجزا عن التواؤم مع مشكلات العصر.
ويرفض العلمانيون محاولات جمع التيارات الإسلامية بين مظاهر الحداثة وقيم التراث، فالإجابة عن مشكلات العصر وفقا لهم يجب أن تكون حدية؛ إما حداثة مطلقة، وإما لا. أما محاولة التوفيق بين مقولات الحداثة والتراث، فينظرون إليها على أنها نوع من الترقيع، وعليه فإن فكرة الدولة القومية لابد وأن تكون الصياغة الوحيدة المطروحة، أما امتلاك أي تصورات عن فكرة الخلافة والأمة فيدخل في إطار الارتباك الذي يتهم العلمانيون تيارات الإسلام السياسي به.
كما تعيب الأصوات العلمانية بشدة الفكرة الأممية عند الإسلاميين، واعتبارهم أن الفكرة الدينية متجاوزة للحدود الوطنية، كما ينتقدون تأكيد الإسلاميين على فكرة أن السيادة العليا ينبغي أن تكون للشرع وليس للشعب، مثلما هو الحال مع الفكر الحداثي.
ويضيف التحليل العلماني إلى ما سبق اتهامات متعددة من قبيل "افتقار الإسلاميين إلى الخيال السياسي، والصلف الذي يصور لهم دائما أنهم يمتلكون «الحقيقة»، والزهو بقوة تنظيماتهم واتساع أرضيتهم الشعبية، وإحالتهم الدائمة لتجارب قديمة، لم يُتَح اختبارها فعليا في الزمن الحالي".
بطبيعة الحال لم يكن اتهام الغربيين للدولة العثمانية بأنها صارت رجلا مريضا اتهاما منشئا، ولكنه كان بدرجة كبيرة اتهاما كاشفا، صحيح أن الدول الغربية أسهمت في هذا الإضعاف، ولكن دولة الخلافة كانت قد احتوت على كل مقومات الانهيار، الذي انتظر فقط أن يعلن عنه بشكل علني.
الشيء نفسه يمكن قوله فيما يخص جماعات الإسلام السياسي المعاصرة، فهذه تحتاج إلى مراجعات كثيرة لتطوير رؤية ذاتية متسقة ومتجانسة، وقادرة على العبور بهذا التيار والمنتمين إليه الأزمة التي يعيشونها في هذه المرحلة، وذلك بغض النظر عن تحامل الانتقادات العلمانية الموجهة ضدها، وبغض النظر عن حقيقة أن هذه النخب العلمانية نفسها كانت أحد العوامل التي أسهمت في فشل تجربة الإسلاميين السياسية وعدم اكتمالها.
فالقضية الآن لم تعد الفوز في السجال مع التيارات الأخرى، وإنما في تحاشي ما تحاول هذه التيارات أن تدفع التيار الإسلامي إليه من مصير يشبه مصير رجل أوروبا المريض.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4557
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4227
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1650
| 12 مايو 2026