رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحاول الاحتلال الإسرائيلي عبثا تطويق المقاومة الفلسطينية في الداخل بتعزيز مسارات النكسة العربية الثانية، بيد أن تلك المقاومة الشرسة ولحسن الحظ لا علاقة عضوية لها بدول الانكسار العربية المحمولة على قطار التطبيع وئيد الخُطى بسبب رفض الشعوب التي يعرض قادتها أوطانهم للبيع في سوق النخاسة الدولي. ففيما يهرول المرتبكون نحو الاحتلال، يبذل لهم شباب فلسطين وأطفالها دروسا في المقاومة والزود عن الأرض والتمسك بقضية الأمة العادلة ولو بلغ النفاق الدولي والخذلان العربي عنان السماء. فكل من أراد أن يحكم ويثبت كرسيه المهتز ويفرض سلطانه، يظن أن بوابة إسرئيل سبيلا لذلك الطموح الآثم.
في يونيو 1967 كانت "النكسة" الأولى وهي مصطلح تجميلي والتفافي على حقيقة موجعة وهزيمة نكراء جراء العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن، واحتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية. والتي انتهت تلك المواجهة بهزيمة الجيوش العربية واستيلاء إسرائيل على 85 % من أراضي فلسطين التاريخية، واحتلت ما يعادل خمسة أضعاف مساحتها حينئذ على حساب سيناء والضفة الغربية لنهر الأردن ومرتفعات الجولان. وأكثر من ذلك فتحت النكسة باب الاستيطان في الضفة المحتلة وخاصة مدينة القدس الشريف. لقد ظل إصرار إسرائيل على التوسع راسخا منذ ما قبل حرب 1967، ففي أعقاب قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين لدولتين عربية وأخرى يهودية، أصدر مناحم بيغن قائد منظمة الأرغون الإرهابية آنذاك أمراً جاء فيه إنه لم يتم تحرير الأرض، بل تم بترها، وسوف تتم استعادة أرض إسرائيل لشعب إسرائيل وإلى الأبد. واستقال بيغن من حكومة غولدا مائير عام ١٩٦٧ لقبول الحكومة لقرار مجلس الأمن ٢٤٢ الصادر في نوفمبر ١٩٦٧ والذي نص على عودة الأرض العربية المحتلة.
واليوم تعيش فلسطين نكسة ثانية على خطى تطبيع مذل تحت مظلة مشروع سياسي إسرائيلي هدفه دعم وتوسيع دائرة تطبيع العلاقات مع الكيان الغاصب. فموجة التطبيع الأخيرة مع المحتل الإسرائيلي قامت على أساس اتفاق سمي بـ "الاتفاق الإبراهيمي". لقد كان الهدف السياسي المرحلي لأسرائيل اكتساب شرعية وجود الدولة الإسرائيلية وتأمينها في أقصى حدود ممكنة، مع حل الأزمة بكيان فلسطيني لا يمثل تهديداً لإسرائيل من خلال اتفاقيات سلام منفردة مع الدول العربية. وحددت إسرائيل الهدف السياسي العسكري بتحقيق تفوق عسكري على كل الدول العربية يمكنها من الضغط عليها لقبول اتفاقيات سلام تحقق الهدف السياسي المرحلي، مع ضمان عدم تهديد الأمن الإسرائيلي من الدول العربية.
ونجحت إسرائيل بدعم غربي وأمريكي في بناء دولة بوليسية حارسة وقابضة على التطورات السياسية والاجتماعية في المنطقة. ويعيش الاحتلال اليوم وضعا عسكريا مريحا جدا جعله يركز على التحركات السياسية المحروسة بالعصا العسكرية؛ فمنذ أن وقعت مصر اتفاقية واشنطن في 26 مارس 1979، لم تتبلور إستراتيجية عسكرية عربية واضحة المعالم والأهداف كما هي في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية. فحتى العام 1977 كانت هنالك إستراتيجية عسكرية عربية فإن لم تكن شاملة لكن تشترك فيها أو توافق عليها أكثر من دولة عربية. لكن بعد نوفمبر 1977 أصبحت هناك سياسات قُطرية أحادية لا عربية شاملة للتعامل مع المحتل الإسرائيلي.
وتضحك إسرائيل على العرب، إذ تقول إنه لابد من التطبيع الكامل للعلاقات قبل التوصل لاتفاق عن السلام، وتطمح بعض الدول العربية وجميعها غارقة في مستنقع ضعف مزرٍ، في أن السلام يعني التوصل لاتفاق ينهي حالة الحرب، ويضع الضمانات الكفيلة بعدم تكرارها وبالتالي لا يرتبط بعلاقات تبادل أو تفاعل في أبعاد النشاط الدولي أو الإقليمي الأخرى. لكن الأهداف الإسرائيلية تتطور وتختلط في كثير من الأحيان وبشكل مربك ومقصود، بإستراتيجية تحقيقها مما يجعل من الصعب الفصل بين هذه الأهداف وإستراتيجية تنفيذها. وتتمثل أبعاد الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في التوسع الإقليمي بهدف كسب العمق الإستراتيجي وخدمة الأمن، وضمان التفوق العسكري سواء في مجال السلاح التقليدي أو النووي، أيضا ضمان الحفاظ على يهودية الدولة الإسرائيلية ومحاولة جعل اليهود هــم الأغلبية بالدولة بتشجيع الهجرة للداخل لليهود وتهجير الفلسطينيين والتنكيل بهم، الاعتراض على قيام أي دولة فسلطينية على أرض فلسطين وفي ذلك رفض لما يسمى بحل الدولتين. فضلا عن ذلك الحفاظ على العلاقة الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، والعمل على أن لا يشكل العرب بديلاً ممكناً لإسرائيل في التخطيط الإستراتيجي الأمريكي في المنطقة.
ومن أهداف الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية نقل الحرب لأرض الخصم وذلك يستدعي وجود قوة عسكرية قادرة تردع أي قوة عربية تحاول الخروج عن التقسيم الإستراتيجي للدوائر العربية المنفصلة وهي تعزيز سياسة فرق تسد، فالذئب يأكل من الغنم القاصية. لقد قسمت إسرائيل العالم العربي لثلاث دوائر إستراتيجية هي: دائرة وادي النيل، ودائرة الجزيرة العربية، ودائرة الشام. ولا تسمح إسرائيل لأي دائرتين من هذه الدوائر بالتنسيق معاً.
إن غاية التفوق العسكري الإسرائيلي على العرب هو ضمان القوة الرادعة لإيصالهم لحالة نفسية بمرور الزمن يشعرون فيها باستحالة محاربة إسرائيل لإعادة الأرض المحتلة. اليوم تصرف إسرائيل نسبة ضخمة من ناتجها القومي على الدفاع، فموازنة وزارة الدفاع للعام 2022 تقدر بنحو 17.6 مليار دولار من إجمالي الموازنة العامة البالغة نحو 133 مليار دولار. وهذا التفوق النوعي لم يمنع إسرائيل من تطوير نظرية أمنها القومي وفق مفاهيم حديثة للحرب تمثلت في الحرب الاقتصادية؛ وفي هذا المفهوم تحدد إسرائيل مكان وزمان الحرب. كذلك مفهوم الحرب التي تستهدف إحداث تغييرات سياسية كبرى وعدم الاختصار على مسائل الردع أو الإحباط.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3174
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026