رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماتزال ثورة سوريا المباركة تعطينا المنح من وسط المحن وتمنحنا الأمل من وسط الألم وتكشف للأمة بأسرها خيانة بعض الحكام الطغاة والمنافقين من ورائهم وتكشف أقنعة الخونة ممن ينتسبون إلى هذه الأمة اسماً وظاهراً ويطعنونها من كل حدب وصوب في كل وقت وحين.
فهذا الحزب الطائفي الحاقد المسمى "حزب الله" تعالى الله عما يصفون كذباً وزوراً وبهتاناً، فلا هو بحزب أصلاً لأنه "خلية" من خلايا دولة الفرس "إيران" المزروعة في جسد العالم العربي والإسلامي، ولا هو ينتمي إلى الله تعالى الواحد الأحد الذي لم يكن له كفواً أحد لا كما يزعم أهل هذا الحزب الضال في عقيدته المنحرف في أخلاقه المجرم في أعماله وأفعاله التي تقتل المسلمين منذ زمن بعيد تحت أجنحة الظلام ثم يظهر بعد ذلك المجرم المدعو بـ "السيد" حسن نصرالله - وللقب السيد تعريف خاص لدى الشيعة يعرفونه جيداً في إحدى طقوسهم المعروفة كذلك!! لا كما يستخدمه المحترمون الملقبون بهذا اللقب - ليتحدث عن المقاومة للاحتلال الإسرائيلي وما هو إلا كاذب دجّال يضمر الشر والحقد لأهل السنة في لبنان وكل مكان بخلاف ما يظهره من "سماحة" للمسلمين!! حين نجد أن "سماحته" وطيبته قد انغمست بين أقدام الصهاينة وتخضع القول والفعل لهم بينما تثخن القتل في صفوف المسلمين وقد ظهر ذلك جليّاً في معارك الشام التي أظهرت حزب "المنافقين" الموالين لدولة الفرس التي جندتهم لصفوفها للقضاء على دولة الإسلام بدءاً من طهران إلى بغداد وبيرت ثم إلى دمشق كمرحلة أولى للنزوح بعدها جنوباً باتجاه مكة والمدينة المنورة لا باتجاه القدس لتحرير الأقصى كما يزعم المنتمون إلى "حزب الشيطان".
نعم إنه "حزب الشيطان" وبجدارة حيث استطاع أن يتغلغل في جسد الأمة الإسلامية لينشأ ويترعرع لا كما يترعرع موسى عليه الصلاة والسلام في بيت فرعون وهو يحمل إيماناً بالله تعالى لينشره بعد ذلك في دار المشركين وإنما العكس من ذلك، كما يترعرع المشرك الفاجر في دار قوم مؤمنين بالله ورسوله لينشأ بعدها عاصياً لربه ومخرّباً لداره ومؤذياً لجيرانه وقاتلاً لإخوانه، أو كما تترعرع الأفعى وهي تبدو ناعمة الجلد زاهية الألوان بينما تحمل في جوفها سمّاً قاتلاً تظهره بعد حين وتقتل به كل من يقترب منها، إنها وللأسف إيران ومن يتبعها من أحزاب وفرق ضالة كهذا الحزب الشيطاني الجاثم على أرض لبنان والمتحكم في كثير من قراراته والعابث بأمنه واستقراره والمستهزئ بحكومته وسلطته، فهو إلى إيران أكثر قرباً وأسرع سمعاً وطاعة، ولاعجب أن يتبع المدعو حسن نصرالله أوامر قادته وزعامته الشيعية في مدينة قم الإيرانية أو النجف العراقية حيث تلقى تعليمه "الشرعي"!! مابين هاتين المدينتين لا كما يفعل أهل السنة الموحدون لربهم الذين يتلقون علومهم الشرعية ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة!!
لقد قالها الشيخ العلامة يوسف القرضاوي معلنة صريحة بأنه كان من بين الداعين للتقارب بين السنة والشيعة وذلك لصفاء نيته وشمول نظرته في البحث عن كل ما يقوي الأمة من ضعف ويجمعها من فرقة فقد أعلن أنه قد أخطأ وتراجع عن ذلك الطريق بعد أن ظهر له "خبث" تلك الطائفة التي تقول مالا تفعل وتعادي وتقتل من أهل السنة في كل مكان بدءاً من إعدامات إيران ومحاربتهم لأهل السنة والتضييق عليهم ومروراً بمحاكمات وإعدامات أهل السنة في العراق على يد خادم إيران المطيع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وكذلك جيش مقتدى الصدر أو "القذر" الذي يتحدث بلغة المحبة بين المسلمين وهو يقتل في أبناء السنة ويعاديهم ومروراً كذلك بالدجّال حسن نصرالله الذي أثخن القتل في أهل السنة في لبنان ثم تزعم صفوف "المقاومة" فجيّش جنوده باتجاه الشام لا باتجاه القدس كما يزعم كاذباً لنصرة نظام بشار الأسد الإجرامي والذي يشترك معه في طائفيته وحقده على الإسلام والمسلمين أكثر من زعمه مقاومته للكيان الصهيوني، حتى أصبحنا اليوم في العالم الإسلامي في مواجهة لكيانين حاقدين جاثمين في جسد الأمة العربية والإسلامية..الكيان الصهيوني..والكيان الصفوي.
لقد سعت إيران منذ زمن طويل للفتنة ونشر مذهبها الشيعي الطائفي الحاقد على المسلمين والمتطاول على أمهات المؤمنين وعلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماتزال تروج لمذهبها وتنشر في عقيدتها الضالة تلك متسترة تحت مكاتبها "الثقافية" الإيرانية وحسينياتها وأوكارها المنتشرة في العالم والمدعومة بميزانيات ضخمة أخذت عنوة من جيب الشعب الإيراني الفقير الذي نصب عليه أدعياء الدين فنهبوا ثرواتهم إما باسم الخمس وإما باسم التقرب إلى الأضرحة والقبور وإما باسم دعم نشر المذهب المنحرف عقائدياً والمشرك بالكثير من آيات الله وسنة نبيه..بل والمشرك في ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته.
ستسعى إيران لدعم النظام السوري مابقيت وكما أعلن ذلك قادتها في السر والعلن وذلك لضمان زحفها نحو عواصم الإسلام واحدة تلو الأخرى بعد أن نجحوا بالاستحواذ على بغداد "عاصمة الدولة الإسلامية في عهد العباسيين" بالتواطؤ مع الأمريكان فهاهم يريدون الاستحواذ على دمشق "عاصمة الدولة الإسلامية في عهد الأمويين بالتواطؤ مع الروس والشيوعيين هذه المرة ومع الأمريكان والصهاينة وكل أعداء الدين.
أخيراً وليس آخراً.. نحمدالله تعالى حمداً كثيراً على كل نعمة وعلى كل ابتلاء يقع بالأمة، فالنعمة يجب أن تزيدنا شكراً وثناءً لله سبحانه والنقمة يجب أن تعيدنا إلى الحق وإلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ثم نلتفت إلى عيوبنا وأن نصلح صفوفنا بعد أن نخرج "المنافقين" من حزب "الشيطان" ومن على شاكلتهم أو الموالين للكفار وأعداء الإسلام من بيننا حتى يميز الله الخبيث من الطيب وحتى يستقيم الصف المسلم وتتطهر القلوب فتستحق نصرالله ومدده وجنده في الأرض والسماء..تمهيداً للنصر القريب بإذن الله تعالى..نحو فتح دمشق..وفتح القدس إن شاء الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6516
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2790
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2514
| 02 يونيو 2026