رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم المصالحة التي قدمت فيها حماس كل أسباب التوافق مع منظمة فتح ورئيسها محمود عباس، ورغم كل مظاهر الوحدة الوطنية التي توطدت بين الفصيلين في مواجهة العدوان ميدانيا ثم سياسيا، ورغم ما يفترض أن تقدمه منظمة فتح لحركة حماس من الاحترام والثقة لإبداعاتها في قيادة المقاومة وكسر صورة العدو في أكثر من اتجاه، وأنها مكنت منظمة فتح ولأول مرة تفاوض العدو من مركز قوة.. رغم كل ذلك فهي تعود اليوم على الخصومة من بدء ويشن رئيسها ومتحدثوها على حماس هجوما إعلاميا وسياسيا وأمنيا قاسيا وشاملا ومركزا يذكر بأيام الانقسام الأولى قبل ثماني سنوات..
هذا التحول الصارخ يقوم في لسان أصحابه على ثلاث حجج، الأولى: وشاية من رئيس الموساد الصهيوني لعباس بأن حماس كانت ستنقلب عليه في الضفة وأن (إسرائيل) اعتقلت على ذمة ذلك 93 شخصا من حماس .. والثانية: أن حماس تعامل عباس - كما يقول هو – على أنه "طربوش وظل" بلا اعتبار، ولا تراعي رأيه في سلم ولا في حرب.. أما الثالثة فأن حماس اعتدت على كوادر فتح أثناء الحرب على غزة وأنها فرضت الإقامة الجبرية على 300 منهم..
وفي مناقشة هادئة لهذه الفرى (وليس الحجج) نتساءل: كيف لرئيس هو الرجل الأول في القيادة الفلسطينية أن يستمع، فضلا عن أن يصدق، وشاية العدو في حماس؟ وكيف له أن يصدق أن المقاومة ستنقلب بـ93 شخصا على سلطة تعداد جيشها يتجاوز السبعين ألفا مدعّمين ومحميين أمنيا وعسكريا من الاحتلال؟ أما صحيفة "هآرتس" العبرية فتقول إنها اطلعت على ملف التحقيق مع أحد قادة حماس في الضفة "رياض ناصر" حول هذه الوشاية وأنها خلصت لعدم الثقة في كل الرواية..
وفي الفرية الثانية.. أقول: صحيح أن عباس وفتح تعانيان من عزلة ومن انخفاض الشعبية كما تقول استطلاعات الرأي، ولكن من قال إن حماس هي سبب ذلك؟ ولماذا لا يكون السبب انفصال قيادة فتح عن الواقع وانفصام فتح عن طموحات الشعب الفلسطيني وممارسات وسطوة السلطة البائسة ضد شعبها وفشلها في إقناعه بجدواها وبصحة منطقها..
وأما أن حماس فعلت كذا وكذا ضد فتح وكوادرها أثناء الحرب، فالرد عليه من فتح - غزة – ذاتها ومن لسان الدكتور "حسن أحمد" الناطق باسم الهيئة القيادية العليا للحركة في قطاع غزة.. فقد نفى أن يكون أي من نشطاء أو كوادر أو قيادات الحركة قد تعرض للاعتقال أو فرض الإقامة الجبرية عليه من قبل حماس.
وإذن فالقضية مفبركة ولا تعدو أنها خصومة غير شريفة وامتداد لفكر الانقسام وليس دافعها إلا العداوة التي تعشش في أذهان القائمين على أمر "فتح - الضفة" وإعلامها وحساباتهم الشخصية والحزبية.
وأما توقيت هذه الحملة فلا يمكن أخذه على محمل الخطأ أو حسن الظن، فهو يأتي بعد الانتصار الذي حققته المقاومة مباشرة، كما يأتي قبيل جولة المفاوضات الثانية بخصوص الميناء البحري والمطار وتبادل الأسرى.. وعليه فلا يستبعد والحال هذه أن يكون ما يجري منسقا بين (العدو والسلطة والانقلاب المصري) وأن يكون مقصودهم ضرب الوفد الفلسطيني بالتشاكس لتعطيل فك الحصار، وإفشال مفاوضات المطار والميناء لمنع الخروج من أسر الجغرافيا المصرية، وإضعاف الاستثمار السياسي لانتصارات المقاومة، واتخاذه تكئة لتعطيل التوقيع على ميثاق روما للمحكمة الدولية..
وفي ضوء هذا فإن على المقاومة أن تشكل قيادة سياسية للمرحلة الحالية تكون قادرة على منع سلطات الانقلاب المصري وسلطة فتح من العبث بالجبهة الداخلية الفلسطينية، ومن تجاهل دور المقاومة في ترسيم مستقبل القضية، وأن تتشكل نواة قيادة مقتدرة لقيادة القضية في مرحلة ما بعد انكسار الاحتلال وما يجب أن يثمره ذلك على مستوى التمثيل الرسمي، إذ لا يعقل أن يظل هذا التمثيل حكرا حصريا على منظمة التحرير شبه المتلاشية والتي لا تملك شرعية ثورية أو شعبية أو انتخابية أو تفوقية أو تغلبية أو وراثية، وفي حين أن مؤسساتها مفككة وأشخاصها إلا القليل منهم، مجرد من بقايا الزمن الغابر، ولا يمارسون السياسة كثورة وتضحية ولكن كمناصب ومكافآت ووجاهات..
هذا لا يعني أن يقع صدام جديد بين الفصائل أو بينها وبين السلطة، ولكن يعني تحديدا وعاجلا أن تقع انتخابات حقيقية لاختيار القيادات والسياسات وصياغة المرحلة القادمة.. وأن تجمع الفصائل صفوفها وأن ترتب أوراقها وأن تثبت منهجيتها في الفكر والمقاومة وأن تتحرك في ضوء ذلك، وألا تظل الخصومة بين حماس وفتح فيما تتفرج بقية الفصائل كأن الأمر لا يعنيها.. وألا تنجر المقاومة لمهاترات الخصوم الذين يبعثرون بنكاياتهم الصغيرة المشروع الوطني.. وكل ذلك بقدر ما على منظمة فتح أن تجترح خطوات جريئة لمراجعة مواقفها وخصوماتها وصداقاتها وأن تجدد نفسها.
آخر القول: أنا شخصيا كنت أطمع أن تتم المصالحة فتعود السلطة لغزة وللمعابر وتدخل المساعدات، وأن تكون حماس وأخواتها في المقاومة، ويفك الحصار الذي لم يعد مقبولا بأي شكل، ليتشكل من كل ذلك نموذج إبداعي يتجاوز ضعف السلطة كما يتجاوز حصار المقاومة، وأن ينتقل هذا النموذج بالتوافق ذاته إلى الضفة الغربية.. ولكن يبدو أن منظمة فتح تفتقد للمشروع أو أن لها اعتبارات أخرى غير المشروع التحرري وغير الوحدة الوطنية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026