رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست هذه هي المرة الأولى التي يستقيل فيها الرئيس محمود عباس من واحد من مناصبه أو يهدد باعتزال الحياة السياسية برمتها بل سبقتها مرات عديدة وكان في كل مرة يتراجع متعللاً بأسباب كثيرة ومنها رفض المجلس الوطني الذي يضم المئات من الفلسطينيين في الداخل، وفي الشتات لاستقالته وتمسكهم بقيادته وبرمزية هذه القيادة التي أنجزت اتفاقية أوسلو وغيرها وهي في رأيهم أبدع ما في الإمكان لكن هذه المرة يبدو أن الرجل وقد قارب على الحادية والثمانين قد يكون صادقا في اعتزاله الحياة السياسية خاصة وأنه قدم ــ بمنظوره الشخصي وبمنظور المعجبين بسياساته للقضية الفلسطينية كل ما كان بإمكانه..
ويرى المحللون أن ثمة احتمالاً هذه المرة بتنفيذ عباس لاستقالته ويرجعون ذلك إلى أسباب طبية وسياسية بنفس القدر, فأبو مازن يعد العدة للخروج من التركة الثقيلة التي حملها على عاتقه طيلة هذه السنين وأنه يبحث عن مخرج مشرف يظهره بمظهر الذي أدى كل ما عليه فعباس تحصل على عهد من الاتحاد الأوربي باستئناف المفاوضات بعد اعتماد الاتفاق النووي، أما الولايات المتحدة فإن رئيسها مهموم بتصديق الكونجرس على اتفاقه النووي مع إيران ولا يريد من يشغله عن الإنجاز الذي سيظل مقرونا باسمه ولذلك فإن الرئيس عباس ينتظر التصديق على الاتفاق النووي فإذا ما تم التصديق عليه طالب أوباما باستئناف المفاوضات وفق جدول زمني معتمد بقرار من مجلس الأمن فإذا لم يفعل أوباما ما يريده عباس منه فإن اللحظة تكون قد حانت وعندها يستقيل منحيا باللائمة على إسرائيل والإدارة الأمريكية تاركا خلفه التركة الثقيلة التي حملها على عاتقه منذ رحيل ياسر عرفات.
ولكنّ مقربين من عباس قالوا إنه غير ملتزم بتاريخ معين وقالوا أيضا إن القرار "لا ينبع من أزمة داخلية ومن ضغط يمارسه عليه خصومه السياسيون، بل هو رسالة للأسرة الدولية وبموجبها فإنه في غياب مسيرة سياسية حقيقية وإنهاء الاحتلال، فإن دور الرئيس في السلطة الفلسطينية لم يعد ذا صلة".
وقال عضو اللجنة المركزية لفتح محمد المدني وهو أحد المقربين من عباس "إن عباس سينفذ اعتزاله حسب جدول زمني وحسب المصلحة الوطنية الفلسطينية. وعلى حد قوله، فإن الرسالة غير موجهة إلى الداخل بل إلى الخارج.
وقال المدني لصحيفة ها آرتس في عددها الصادر يوم 2/9/ 2015 إن “أبو مازن يفهم بأن المسيرة السياسية عالقة وأنه لا يوجد أي أفق سياسي في المستقبل المنظور للعيان، بسبب الرفض الإسرائيلي. ولا يبدو أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منزعجون من هذا، وعليه فإنه جاء ليقول بشكل واضح لا أريد البقاء في المنصب الذي أصبح بمثابة حامي حمى الأمن لإسرائيل، ومن يريد أن يأخذ المسؤولية فليتفضل "لكن لم يستبعد مسؤولون في فتح اعتزال عباس لأن للعمر أحكامه ومتطلباته وأنه لا بد من أن تضخ دماء جديدة في شرايين القيادة والمؤسسات التي شاخ بعضها وتحتاج إلى إسعاف سريع وإنعاش وقالوا "ليس جديدا أن في الساحة الفلسطينية من يتحدثون منذ بضعة أشهر عمن سيأتي بعد عباس، وهذا ليس سرا في إسرائيل وفي العالم يجب أن يفهموا بأن في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي فتح يوجد جهاز وتوجد مؤسسات وفي نهاية المطاف هذه هي التي تختار القيادة.
هذا ما حصل عندما توفي الرئيس ياسر عرفات، الذي كان زعيما كاريزماتيا بلا منافس. وعليه فإن أبو مازن لا يريد أن يتخذ صورة من خلف أرضا محروقة وهو يحاول أن يقود المسيرة وأن يرتب البيت ولا سيما في فتح".
أما معارضوه فمنهم من يقول إنه استقال "بعد خراب مالطة" وأن استقالته جاءت بعدما قدم لإسرائيل ومشروعها الكبير من النيل إلى الفرات كل ما يستطيع وربما شعر بأنه ليس لديه ما يتنازل عنه ويحمدون الله تعالى أنه أقدم على هذه الخطوة لكي يتوقف نزيف التنازلات ويتعافى الوطن المثخن بجراح الاستيطان والتهويد والقتل اليومي وهؤلاء ليسوا آسفين عليه وربما كسروا كل قلل الفخار وراءه إذا غادر مقر السلطة في رام الله فكل ما يعانيه شعب فلسطين إنما جاء بسبب سياساته البراجماتية الواقعية ولعدم إيمانه بالكفاح المسلح وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها وأنه ـ أي عباس ـ لطالما تعهد للاحتلال بعدم السماح باندلاع انتفاضة ثالثة بالضفة الغربية ولطالما صرح وأقر بأن الاحتلال لن يرحل إلا بالمفاوضات والتنسيق الأمني, أما وقد انسدت الآفاق أمامه وانغلقت الأبواب فليس أمامه إلا أن يستقيل تاركا الجمل بما حمل .
وثمة فريق آخر من معارضي الرئيس محمود عباس يرون أن تصريحات عباس وبيانه بالاستقالة واعتزال الحياة السياسية وعدم المنافسة على أي منصب من مناصب منظمة التحرير ليست إلا مناورة من المناورات التي يجيدها ويقولون بأنه رتب الأمر لكي يتخلص من معارضيه ومنافسيه وأنه رتب لرجوعه فأحسن الترتيب والأمر ليس إلا مناورة سياسية.. فالمجلس الوطني الذي يضم 750 عضوا وهو الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها، وتضم الفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1967، والفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1948، اللاجئين الفلسطينيين في مختلف مناطق لجوئهم، وفلسطينيي المنفى، وهو السلطة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها. لا يمكنه أن يتخذ القرارات إلا عندما يحضر التصويت عدد معين من الأعضاء (النصاب). والحالة الوحيدة التي يمكن فيها اتخاذ القرارات حتى لو لم يحضر العدد الأدنى اللازم هو عندما يستقيل الرئيس ويتوجب انتخاب خلف له.
ومن المعلوم أن "أبو مازن" درج على عقد المجلس في رام الله وهذا يحول دون حضور أعضاء المجلس من خارج فلسطين وحتى من داخلها بسبب حواجز إسرائيل ومنعها لدخولهم رام الله فمعظم الأعضاء إذن لن يصلوا لذلك فإذا ما دعي المجلس للانعقاد للنظر في استقالة عباس إن أصر عليها فسوف يتمسك به أعضاء المجلس الوطني ممن تسنى لهم الحضور وهؤلاء هم مؤيدو عباس لا غير ــ ويرفضون استقالته وسيقول أبومازن ساعتها إنه خضع لقرار المجلس وما باليد حيلة وعندها سيواصل رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية وسيبعد خصومه السياسيين وفي مقدمتهم ياسر عبد ربه وسيعين مكانهم من يرتضيهم ويحقق المراد فليس اعتزامه الاستقالة أو اعتزال الحياة السياسية إلا زوبعة في فنجان سرعان ما تزول.
ألعاب الأطفال الشعبية في العيد
العيد فرحة للصغار والكبار، ولكنه للأطفال أكثر متعة لما يحمله من فرص لاستكشاف البيئة المحيطة وتطوير صداقات جديدة،... اقرأ المزيد
96
| 22 مارس 2026
ملحمة وطنية
منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وجدت دولة قطر نفسها أمام اختبار تاريخي جديد، اختبار لم... اقرأ المزيد
171
| 22 مارس 2026
الرواقية: فلسفة المجتمع القطري في زمن الهجمات
حين يغدو الثبات فلسفة قطرية في زمن الهجمات، فمع مرور الأيام مع محاولة اختراق الصواريخ المعادية سماء الدوحة... اقرأ المزيد
309
| 22 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
18009
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1233
| 18 مارس 2026
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
1173
| 22 مارس 2026