رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شكَّ أن التعليم يلعبُ دوراً مُهماً في نهضة الأُمم ورُقيِّها، وهو عمادُ التنمية والسلوك الحضاري للشعوب، وما تَخلُّفُ الشعوب، وتسلّط الديكتاتوريين عليها، إلا نتيجة الأميّة، ليست الأميّة الأبجدية فحسب، بل الأميّة الثقافية، وضيقِ أفقِ الشعوب عن فهم واستيعاب مُخرجات العصر والتواؤم معها، مع عدم إغفال الحقوق الأساسية لتلك الشعوب، وهي الديموقراطية وإفرازاتها، ولقد نهضت الدولُ الأوروبية، على أيدي المُفكرين والعلماء والأدباء والفنانين، بعد أن تدمّرت المدنُ بفعل الحرب العالمية الأولى والثانية، وسقط مئات الآلاف، نتيجةَ سيادةِ السلاح، لا العقل، على مقاليد الأمور.
والمفهوم المجتمعي للتعليم في منطقتنا يقوم - في الأغلب - على قاعدةٍ بائنة، وهي الحصول على الشهادة، حتى وإن كان الطالب غيرَ قادر على فكِّ أسئلة العصر. لذا، نجدُ خريجينَ من الجامعة، لا يستطيعون مواجهة أسئلة الحياة الصعبة، أو حتى كتابة مُذكِّرة من عشرين سطراً، ناهيك عن تواضع معلوماتهم العامة.
ورغم وجود استثناءات محدودة، فإن غالبية الطلبة يدخلون الجامعة أو الكلية، من أجل الشهادة، التي تؤهلهم للوظيفة، أو الترقية، وليس للتعلُّم. وهذا مفهوم خاطئ، لابُدِّ وأن يُصحّح فوراً.
فخلال سنيّ التدريس في الجامعة منذ عام 1983، وحتى اليوم في كلية المجتمع، لاحظتُ إصراراً من العديد من الطلبة، على أن أقوم بتلخيص الكتاب المُقرر، بل وهنالك مطالبات من بعض الطلبة والطالبات، بإلغاء بعض الدروس، مع غياب النقاش داخل الفصل. لذا، نجد الخريّج – في الأغلب – محدودَ الثقافة، غيرَ مُدركٍ لأبعاد ومفاهيم المجتمع والتحدّيات التي يواجهها، فيعيش مُنعزلاً عن هموم مجتمعه، وتتضخّم لديه (الأنا) غير المُنتِجة، ويدخل في مسؤوليات ما بعد الزواج، من سنٍّ مُبكرة، ولا يستطيع الفكاكَ من الاعتماد على والديه، بدءاً من السكن، والطعام، والمساعِدات في المنزل، إلى توصيل أبنائه إلى المدرسة.. إلى تحمّل ديونه! ونظراً لمحدودية استخدام بعض الطلاب لعقولهم بطريقة صحيحة، يحدثُ الطلاق، حيث تقول الأرقام إن حالات الطلاق وصلت إلى ما نسبته 38% من مُجمل الزيجات، ويحدث هذا خلال السنوات الأربع من الزواج.
كانت الوالدة، رحمها الله، تقول لي: " ادرس حتى تصير كَيْتَب"! أي تعلَّم حتى تُصبح كاتباً، أي موظفاً في الدولة. وهذا المفهوم ينطبقُ اليوم على معظم طلابنا، أي أن هدف التعليم الأسمى، لدى هؤلاء الطلبة، هو الحصول على وظيفة، وإن كان الطالب غيرَ مؤهلٍ لتلك الوظيفة، التي قد يصلها عبر واسطة معينة! أخبرني أحد السفراء الناجحين ذات يوم، قبل أكثر من 15 عاماً، أنه يُضطَر إلى كتابة المُذكرات لأنَّ الدبلوماسي الذي معه لا يُجيد كتابة المُذكرات!. فما بالكم لو عمل هذا الطالب في مؤسسة خدمية، تتعلق مباشرة بالجمهور، ناهيك عن قضية الإحساس بقيمة الوقت، والتمسك بقيم الوظيفة ومهامِها، وحُسن التعامل مع المُراجعين، مع عدم استخدام اللغة السليمة للاتصال مع الآخر.
لذا، نؤكد مراراً على طلبتنا وطالباتنا، أهمية استخدام (لغة الجسد) في التعامل مع الآخرين، فالابتسامة لا تُكلّف شيئاً، بل إنها أقلُّ استخداماً لعضلاتِ الوجه، من العبوس والتجهُّم.
نقطة أخرى واجهناها في التدريس، وتتلخص في حالة الغموض والصمت، وعدم التعبير عما يدور في خلد الطالب أو الطالبة، لذا، نجد العديدَ منهم ومنهُنَّ، لا يُشارك في الحوار داخل الفصل، ويكون، إما سارحاً خارج الفصل، أو مُلتصقاً بالهاتف، الذي يُحظرُ استخدامهُ في الفصل، كما تقول اللوائح الأكاديمية.
نقطة أخرى تتعلق بالإهمال الواضح في الاستعداد للامتحانات، والتكليفات خارج الفصل. فنجد الطالب يتأخر في تقديم المطلوب منه، في وقته، ويتعذّر بأعذارٍ واهية، وهذا يُربك عملَ المُدرس، ويجعله يتأخر في رَفع الدرجات، في موعدها على (البلاك بورد)، وبالتالي يتم لفت نظره من قِبل رئيس القسم. وإذا حدث ونبّهَ المُدرسُ الطالبَ أو الطالبة، يجدُ، في بعض الأحيان، ردوداً شائنة، لا تليق بمقام المُدرس، ما يُخالف الأعراف الأكاديمية. وللأسف، هناك مَن يتعامل مع المُدرس تعامله مع السائق، أو المُساعِدة في المنزل أو العزبة! على الرغم من أن التكليفات، والنزاهة، والتعامل مع المُدرس، والحضور، والامتحانات، تُوضَّحُ للطالب منذ اليوم الأول للفصل الدراسي، ويطلب المُدرس من الطلبة قراءة (توصيف المقرر)، كي يعرف الطالب ما له وما عليه.
إن عدم الاستقرار العاطفي والعقلي لدى الطالب أو الطالبة، يجعلهما، في حالات كثيرة، يرفعان صوتَهما على المُدرس، ما يُمكن أن يُضيّع وقتَ الفصل، وتقديم الطالب أو الطالبة للمساءلة الأكاديمية، ذلك أن البعض (دَمُهُم حارّ)، ولا يتقبلون أي توجيه أو مُلاحظة من المُدرس، بل يتصور هذا البعض أن المُدرس عدّو لهم، وهذا فهمٌ خاطئ لمهنة التدريس السامية، ودور المُدرس في جعل الطالب يستوعب المادة، ما يُساهم في تنميةِ شخصيته، وارتفاعِ مستواه التحصيلي والثقافي، عن ذاك المُرتبط بالمرحلة الثانوية.
وبعض الطلبة لا يقرأ (توصيفَ المقرر)، ولا يستوعبُ متطلبات المقرر، وليست لديه قُدراتُ واستعداداتُ لعمل التكليفات، كونه لا يدرس، ويُفضّل التسَكُّع في المقاهي أو التجوال في المولات، وعندما يأتي وقت تقديم الأوراق أو العروض التقديمية لا يفي بها، وقد يلجأ إلى بعض الأساليب " المُحّرمة" أكاديمياً.
إن سعةَ الاطلاع، وتنميةَ قُدرات القراءة من الأمور المُهمّة في جعل الطالب مُنتجاً وإيجابياً في الفصل، كما أن الحفظ، دون الفهم، لا يخلق إنساناً مُتعلماً، لأنه سوف ينسى ما حفظهُ بعد أسبوعين من تقديم الامتحان!!
لذا، فنحن نُنظمُ زياراتٍ ميدانية لبعض المؤسسات الإعلامية، في مقرر المدخل للاتصال الجماهيري، كي يطّلع الطالبُ، على الطبيعة، على التطبيق العملي، لما درَسَهُ في الفصل نظرياً. ونلاحظ أن بعض الطلبة لا يقدّمون تقاريرَهم، عن تلك الزيارات، بأسلوب رصين وصحيح، ويعتمدُ، بعضهم، على آخرين، في كتابة تلك التقارير، وهذا لا يرفعُ درجات الطالب، ولا يساهمُ في تنمية قدراته في الكتابة، ونلاحظ أن بعض الطلبة، لا يقبل الأسئلةَ التي تتطلب أجوبةً مقالية في الامتحانات، ويطلب أن تكون الأسئلة، (صح أو خطأ)، وهذا لا يُطوّر القُدرات الكتابية لدى الطالب، ويجعله أكثر اعتماداً على الآخرين، بل ولا يجعل الطالب يستخدم عقلهُ، في الكتابة الصحيحة، ولا يوسّع مُدركات الخيال والاستحضار لديه.
وبعض الطلبة لا يحضر النشاطات التي تُقيمها الكليةُ أو الجامعة، وينشغلُ بأمورٍ خارج حرمِ الدراسة، وهذا يُضيّع عليه فُرصَ الاستفادةِ من تلك النشاطات، والحوارات التي تجري فيها، مع أساتذة زائرين، غير هؤلاء الذين يُدّرسونه، والاطلاع على الأفكار الجديدة.
هنالك مفاهيمُ مجتمعية، حول الدراسة الجامعية وظروفها، ولابد أن تتعدَّل تلك المفاهيم لدى الطلبة وأولياء الأمور! يتساءل البعض: لماذا لا يخرج لدينا علماءُ ومخترعون ؟ أو أدباء لامعون؟ أو مهنيون يساهمون في التخصصات الدقيقة؟ ذلك أن بعض الطلبة يأتون إلى الجامعة أو الكلية، طمعاً في الشهادة – كما تقدَّم – وليس بهدف التعلُّم، ولابدَّ من تصحيح هذا المسار، وإقناعِ الطالب أن الهدفَ الرئيسي للدراسة هو: تأهيل الطالب لمواجهة الحياة، وفكِّ أسئلتها الصعبة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3861
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1485
| 30 أبريل 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
1134
| 06 مايو 2026