رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة الجابر

مساحة إعلانية

مقالات

147

فاطمة الجابر

صناعة الأسمدة والقيمة المضافة

06 مايو 2026 , 03:06ص

وضعتنا الظروف الاستثنائية الراهنة أمام اختبارات حقيقية رغم تسارع جهود وزارة التجارة والصناعة وشركة (قافكو) لطمأنة الأسواق من خلال تفعيل خطط الطوارئ الاستراتيجية وضمان جاهزية المنشآت ذات الصلة. ورغم أهمية هذه التحركات إلا أنها تفتح باب التساؤل الجوهري: هل يمكننا الحديث عن أمن غذائي مستدام في وقت ننتظر فيه وصول أكياس الأسمدة التخصصية العالقة من وراء البحار؟ يرى البعض أنه لا توجد مشكلة حقيقية استنادا إلى كثرة المستورد، والرد هنا أن الوفرة ليست دائماً أماناً، فالارتهان الكامل لواردات الخارج يجعل القرار الغذائي بما فيه أمننا من اللحوم والألبان رهينة لظروف الآخرين الخارجية؛ فقد كشفت الأزمة الحالية تحدياً في النموذج الصناعي رغم خبرتنا التاريخية في انتاج اليوريا عالمياً. فالنتيجة اليوم انخفاض واردات الأسمدة التخصصية بنسبة ٦٠٪؜ نتيجة تعثر الموانئ وتضرر مرافق الانتاج جراء الاستهدافات الأخيرة. يكمن السبب هنا أننا ننتج الأسمدة واليوربا الخام ونستورد المركبة النهائية والمفقودة جيولوجياً، فمصانعنا المحلية توفر النيتروجين، وتفتقر للفسفور المسؤول عن بناء الجذور، والبوتاسيوم الذي يعزز جودة الثمار ومناعتها. فزراعة محاصيلنا كالطماطم والبطاطس والخيار والباذنجان والكوسا والورقيات وحتى الأعلاف مثل الجت والبرسيم، تعتمد كلياً على هذه الأسمدة لضمان القيمة الغذائية وصحة الثروة الحيوانية. وينعكس غياب هذه العناصر في الأسمدة على ارتفاع تكلفة تربية الماشية وغلاء أسعار اللحوم والألبان والبيض المحلي. وهنا تظهر لنا تجارب محلية وعالمية مثل التجربة السنغافورية التي عالجت نفس الأمر في هذا الصدد، وكذلك تجربة (قابكو) القطرية عبر السنوات والتي لم تكتف بتصدير غاز الإيثان كمادة أولية رخيصة بل انشأت مفاعلات متطورة لتحويل المادة إلى حبيبات البولي إيثيلين عالية القيمة. نجحت قابكو في خلق دورة اقتصادية متكاملة دعمت عشرات المصانع الوطنية الصغيرة، وغزت بمنتجها النهائي أكثر من ١٤٠ دولة حول العالم، محولةً المورد الطبيعي إلى سيادة صناعية عالمية. واليوم نستطيع أن نستغل وجود الطاقة والغاز واليوريا ولا نحتاج إلا لاستنساخ هذا النموذج عبر دمج وحدات خلط وتغليف تخصصية داخل المنشآت القائمة فعلياً. وتحقيق هذا التحول يتطلب مجموعة من الاستراتيجيات السيادية بين الحكومات مثل تفعيل اتفاقيات مادة الفوسفات والبوتاس والتي توفرها دول مثل المغرب والأردن على التوالي. وبتأمين المواد الخام عبر الخط البري المباشر مع الأردن والجسر الجوي للخامات المركزة مع المغرب. وثاني الاستراتيجيات هو الاستثمار في المنبع بتملك حصص في المناجم العالمية، وبناء خزانات استراتيجية للمواد الخام تكفي لمدة عام كامل. وأخيرا، اعتماد اتفاقيات المقايضة (الغاز مقابل المواد الخام) لتحويل الطاقة إلى درع غذائي، وهذا يفتح باب الفرص المستقبلية لتصدير الفائض من الأسمدة الذكية للأسواق العالمية. هذه الأزمة تخبرنا أن الاكتفاء الذاتي الحقيقي يتعدى تصدير الخام إلى تحويل مواردنا لمنتج نهائي يخدم سكان الدولة أولاً. والقيمة المضافة هي الجسر الذي نعبره نحو اقتصاد السيادة لتبقى المزارع المحلية خضراء ومؤمنة بصناعات قطرية متكاملة، بعيداً عن الارتهان لمضيق مغلق أو سفن متعثرة في البحار.

مساحة إعلانية