رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يسلم المكون السعودي منذ نشأته ضمن أطر الكيان الواحد من تناقضات تخبو وتبرز تبعاً لمتغيرات جملة الظروف المحلية والمحيطة كحالة تاريخية تصاحب كافة الدول والمجتمعات مهما بلغت نمطية تركيبها السياسي ومحور إيديولوجياتها المتمثل في عمق فكر أتباعها وتوحدهم نحوه. فالاختلاف سمة إنسانية خالدة وملازمة لكل أطور التجمعات الإنسانية. لذلك لم يكن بدعاً أن تطفوا أحداث القطيف شرق السعودية على المشهد العام مؤخراً فهناك ثمة محرك وراء الحدث وامتداده التاريخي ولعل أبرز تلك المحركات الآن هي الحالة الثورية العربية المعاصرة إضافة إلى جملة ترسبات وممارسات محلية يوقظها ويدعيها البعض تجاه طائفة بعينها. وليس بعيداً عن النهج الرسمي في التعاطي مع الحالة في القطيف والتي عبر عنها بيان وزارة الداخلية السعودية مسنداً بعض التجاوزات الشبابية إلى إملاء خارجي ودعوة البيان الصريحة إلى كبار القطيف للأخذ بيد أولئك المتجاوزين إلى جادة الصواب. فالعبارة الأخيرة تحديداً في البيان هي ما وددت الإشارة إليه في مقالتي هنا حيث تسند إلى كبار القطيف مهمة المشاركة في إنها تلك الحالة باعتبار أهل القطيف ضمن ذلك المكون الواسع للبلاد والمتعدد المذاهب والأطياف والذي سبق له تجاوز جملة من الحالات المماثلة بتغليب المصلحة أولاً: واستقراء تبعات الانجراف لمثل تلك التجاوزات. ففي عمق المشكلة كانت الأصوات من القطيف تنادي إلى الكف عن المزيد من التشاحن والتصعيد ضمن اصطفافات طائفية مع التأكيد على الانتماء الوطني ونقائه من شائبة الولاء للغير مبدين الرغبة في تحقيق جملة من الاستحقاقات المدنية العامة. وحقيقة كانت الحكومة السعودية حصيفة في احتواء الموقف ووقف التصعيد والمواجهات بسحب نقاط التفتيش من المنطقة وبث دواعي الهدوء والتواصل . فقد وضعت أصابع كلا الأطراف على الجرح مباشرة بعدما تبدى للجميع اندساس فئة مغرر بفكرها لتنحو بالأحداث صوب المواجهات والتصعيد. أما هوية ذلك التغرير ومصدره فهي معلومة وتتسق مع مشهد أحداث المنطقة ربما لتوجيه الأنظار عن الثورة في سوريا وتخفيف بعض الضغط عن هناك أو يمكن فهمها من جانب أخر وبرؤية عالمية للعمل على التحشيد الموجه ضد إيران. ومن جملة ما يحسب للقيادة السعودية الحزم في مواجهة أي محاولة لإخلال الأمن في البلاد أين كان مصدرها وعدم التعميم في تحميل تبعية الحدث لأي فئة أو مدينة وفقاً لما سبق أن واجهت به الجهات الأمنية محاولات الإرهاب التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة فكان التعامل محصوراً مع ذات المصدر دون محيطه بل وزادت الحكومة السعودية في أحداث القطيف مؤخراً تكثيف التواصل مع رموز المنطقة بغية التوافق في فهم الحدث وصياغة حلوله بشكل جذري اعتماداً على محصلة ثوابت أساسية ضمن محور العلاقة بين القيادة وعموم الشعب فأهل القطيف بما يمثلونه من كثافة للمذهب الشيعي لا يشكلون فزاعة لأمن الوطن وتركيبته الاجتماعية فهم جزء ملتحم بالنسيج العام لهم ما لغيرهم وعليهم ما على غيرهم أيضا يشاركون بفعالية في جملة الأنشطة الحياتية والعملية وتضمن لهم الدولة حقوق المواطنة كاملة دون تمييز بل وينتشرون في كل مناطقها للعيش والعمل ولهم مواقف تاريخية ومستمرة في تشكيل لحمة الوطن والولاء لقيادته والعمل معها ضمن المكون العام منذ بداية التأسيس وتلك المحصلة الأولى. أما الأخرى فكبار القطيف من أعيان وعلماء يدركون معنى الانتماء وهويته ويستقرأون بحصافة وعمق مجريات الأحداث ومضمونها وعائديتها على الدول والشعوب وفائدة الوحدة الوطنية فيعلنون نبذ فكر التطرف ويعملون على تمتين الانتماء للوطن بحقيقة واعية دون مجاملة أو تمظهر وإن شاب المشهد بعض الأصوات المخالفة فهي تحسب في النهاية إلى أجندات خارجية تكرر المحاولات لاستغلال الحالة العامة وإسقاطها على الأحداث المحلية وهي أيضا لا تخلو من رائحة الابتزاز كسبا لمصالح إستراتيجية كبرى ربما تمليها ظروف الاقتصاد العالمي. وتبقى أحداث القطيف حالة ترصد ضمن سلسلة ظواهر الأحداث في عموم الدول والمجتمعات.
Farhan_alaqeel@yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3717
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
750
| 27 أبريل 2026