رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنتائج مباراة كسر العظم الدائرة في الساحة السياسية المصرية هذه الأيام. مع ذلك بوسع المراقب أن يسجل بعض الملاحظات على جولاتها ومسارها. على الأقل فهذا ما حاولته في التعامل مع مشهد بات متعذرا الدخول فيه أو الخروج منه .
(1)
أولى الملاحظات أن ساحة الصراع الراهن باتت موزعة بين القضاء والفضاء.إذ لابد أن تثير حيرة المرء ودهشته أن يصبح القضاة رأس الحربة في المعركة الدائرة بين جماعات المعارضة وبين الرئيس محمد مرسي.ذلك أن القضاة لم يعتادوا أن يذهبوا بعيدا في الاشتباك مع رئيس الدولة إلى الحد الذي يجعلهم يعلنون تحديه والصدام معه. بل وتصعيد إجراءات المواجهة حينا بعد حين. وما يبعث على الدهشة أن الذين يقودون ذلك الصدام أناس وصفوا ثوار يناير بأنهم من الرعاع، ولم يسمع لهم صوت في ظل النظام السابق، سواء حين سحل أحد المستشارين أيام نادي القضاة، أو حين تم تزوير الانتخابات بشكل فاضح رغم أنف الإشراف القضائي.كما أننا لم نسمع لهم صوت في الدفاع عن دولة القانون حين أصدر المجلس العسكري إعلانه الدستوري الذي فرض فيه وصاية العسكر على مصر.
لقد أصدر المجلس العسكري خمسة إعلانات دستورية لم يطعن في أي منها أمام المحاكم، ولكننا فوجئنا بالطعون تتوالى لوقف كل خطوة إلى الأمام بعد إقصاء المجلس وانتخاب رئيس الجمهورية. وكان إلغاء مجلس الشعب بصورة متعسفة بدا فيها التحيز السياسي واضحا أحد أبرز الضربات التي وجهت إلى النظام الجديد. ولم يكن سرا أن طعون الإلغاء استهدفت مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لوضع الدستور كما استهدفت إلغاء الإعلانات الدستورية التي أصدرها الرئيس مرسي الأمر الذي من شأنه العودة بالثورة إلى نقطة الصفر والإبقاء على البلد بغير سلطة تشريع ورقابة منتخبة وبغير دستور.
في الصف الأول من المعارضة السياسية وقف بعض القضاة، فمنهم في حكم الهوى السياسي في أحكامه، ومنهم من حرص على وقف العمل بالنيابات العامة والمحاكم، ومنهم من دعا إلى مقاطعة الإشراف على الاستفتاء على الدستور في منتصف شهر ديسمبر الحالي.
وإذ أفهم أن يحتج القضاة على ما بدا أنه ماس باستقلال السلطة القضائية في الإعلان الدستوري الجديد. لكن ما لم يكن مفهوما أن يلجأ بعض قياداتهم إلى توسيع نطاق الصدام مع رأس الدولة إلى الحد الذي أشرت إليه توا، وأن يزج بالمحاكم باختلاف درجاتها كي تصبح طرفا في ذلك الصدام. كما لم يكن مفهوما أن تسعى بعض الرموز الناطقة باسم القضاة إلى التواطؤ مع أطراف أخرى من المحامين لتأجيج الحريق المشتعل وتوسيع نطاقه. وصار مستغربا أن تعلن شخصية قضائية من أعضاء المحكمة الدستورية العليا في أكثر من مناسبة وموقع أن الرئيس فقد شرعيته، في انحياز إلى موقف له تأثيره على مصير قضايا معروضة أمام المحكمة.
لقد ذكرت مصادر الرئاسة أن الأزمة بدأت بتغول من جانب السلطة القضائية على السلطتين التشريعية والتنفيذية في حل مجلس الشعب واعتبرت أن شبح ذلك التغول هو الذي دفع الرئيس مرسي إلى تحصين قراراته ضد الإلغاء من جانب الأطراف القضائية التي انضمت إلى المعارضة السياسية، وفهم أن بينها من شارك في سيناريو إعادة حكم المجلس العسكري مرة أخرى.
لا أستبعد ذلك التبرير.لكني أزعم أنه من المهم أيضا الانتباه إلى عدة أمور منها أننا نتحدث عن فئة محدودة من القضاة تصدرت مواقع القيادة في بعض هيئاتهم. منها أيضا أن الذين حرضوا القواعد للتصادم على السلطة خليط من عناصر بعضها له غيرته على استقلال القضاء، لكن البعض الآخر كانت له دوافعه الأيديولوجية، كما أن هناك عناصر أخرى لها ارتباطاتها بالنظام السابق.ولا أتردد في القول إن سلبيات صياغة الإعلان الدستوري الأخير الذي أصدره الدكتور محمد مرسي استنفرت هؤلاء جميعا وحشدتهم في مربع واحد وضعنا في الموقف الذي صرنا إليه .
(2)
إذا كان القضاء هو رأس الحربة في الاشتباك الدائر. فإن الفضاء الإعلامي هو الساحة التي تدور فيها رحى المعركة وإذا كان القضاء يضغط على السلطة ويتحداها، فإن منابر الفضاء هي التي تنقل ذلك كله إلى الناس وهي التي تشكل وعي المجتمع. أضع التلفزيون في مقدمة تلك المنابر. وتأتي بعده الصحف، حيث بات معلوما في الدنيا كلها أن الإعلام المرئي أقوى تأثيرا بمراحل من المقروء والمسموع. وإذا ما تلفت المرء حوله من هذه الزاوية فسوف يجد أن أغلبية المصريين لم ينقسموا في الوقت الراهن فقط إلى مؤيدين للرئيس مرسي ومعارضين له، لأن هؤلاء انقسموا إلى مشاركين في التظاهرات والاعتصامات بالميادين وآخرين تسمروا أمام شاشات التلفزيون لمتابعة ما يحدث في البلد. وأكثرنا لا ينسون أن الذين اعتصموا في ميدان التحرير لجأوا في السابق إلى توزيع شاشات التلفزيون على أرجائه لكي يتمكنوا من متابعة ما يجري خارجه، وربما من مشاهدة أنفسهم أيضا. ولأن القائمين على أمر المحطات القضائية أدركوا ذلك فإنهم أبقوا على مراسيلهم في الميادين على مدار الساعة. كما أنهم حرصوا على توزيع كاميرات التلفزيون على بعض المدن المهمة في أنحاء مصر. ومن ثم بات بمقدورنا أن نرى على الشاشات في وقت واحد صور المتظاهرين في القاهرة والإسكندرية والسويس وأسيوط وغيرها من المدن.
لم يقف الأمر عند حد إسهام التلفزيون بالدور الأكبر في تشكيل الإدراك وترسيخ الانطباعات خلال الفترة الماضية، وإنما لا مفر من الاعتراف بأنه كان الباب الأوسع الذي دخل منه البعض إلى الحياة السياسية، فصاروا نجوما وقياديين، رغم أنهم لم يكونوا معروفين من قبل. وتكفلت تلك النجومية التلفزيونية بدفعهم إلى الصفوف الأولى، فترشحوا إلى مواقع ولجان عدة، ومنهم من ترشح في الانتخابات وفاز فيها، ليس لأداء أو خلفية سياسية تذكر، ولكن فقط لأنهم كانوا زبائن في العديد من البرامج والمداخلات التلفزيونية، وإلى جانب النجوم الذين صنعهم التلفزيون، فإنه تولى تسويق آخرين بعد النفخ فيهم وإضفاء أوصاف التفخيم والتبجيل عليهم.فهذا فقيه دستوري وذاك محلل إستراتيجي، والثالث كاتب كبير والرابع قيادي في التنظيم الفلاني وهكذا.
وليس ذلك حكرا علينا بطبيعة الحال.فالدور الجوهري الذي يقوم به التلفزيون في الحياة السياسية مشهود ومعترف به في كل بلاد الدنيا.لكن الفراغ السياسي عندنا الذي خلفه النظام السابق أضفى عليه أهمية مضاعفة. ذلك أن تعدد مؤسسات المجتمع المدني والحيوية السياسية التي تشبع في الديمقراطيات الحديثة لها دورها إلى جانب التلفزيون في تشكيل الرأي العام.في حين أن موت السياسة والهشاشة التي يتصف بها المجتمع المدني عندنا، جعلا من التلفزيون المؤثر الأكبر والأخطر على العقل الجمعي
إزاء ذلك فقد أصبح السباق على شاشات التلفزيون متقدما كثيرا على التحرك على أرض الواقع.حتى أزعم أن الفضائيات أصبحت أكبر وأقوى أحزاب المعارضة في مصر. وحين يدقق المرء في خطاب مقدمي البرامج الحوارية وفي وجوه ضيوفهم فإنه سيلاحظ أن الجميع يشكلون فريقا متناغما يتوزع أعضاؤه على أرجاء "الملعب " لكنهم جميعا يصوبون باتجاه مرمى واحد.
جدير بالملاحظة في هذا الصدد أن بعض قنوات التلفزيون الرسمي أصبحت تنافس الفضائيات الخاصة في ذلك الاتجاه حتى قرأت مثلا أن قناة النيل للأخبار ظلت تبث طوال 4 ساعات تقريبا مؤتمرا لنادي القضاة حفل بالهجوم على رئيس الجمهورية والهتاف ضده، في حين أنها خصصت 4 دقائق فقط لتغطية مؤتمر "قضاة لأجل مصر " الذي أيد الرئيس ونظامه وعرض وجهة نظر مغايرة للطرف الآخر.
(3)
ثمة ملاحظة أخرى لا يستطيع المراقب أن يتجاهلها وهي أن الأحزاب المدنية والائتلافات المتناثرة حولها ظلت متباعدة ومتنافسة منذ قامت الثورة، ولم يخل الأمر من انشقاقات وتجاذبات فيما بينها. وأغلب تلك الجماعات باستثناء أحزاب اليسار، لم يكن لديها لا هدف ولا برنامج واضح. بل أزعم أن أغلبها التف حول أفراد أكثر من التفافه حول أفكار أو مشروعات سياسية متعددة الاجتهادات كما أن عددا منها كان يتعامل مع حزب الحرية والعدالة الممثل للإخوان باعتباره منافسا وليس خصما. إلا أن المشهد اختلف تماما بعد الإعلان الدستوري الأخير، الذي أنقذ هذا الفريق من مأزقين هما مأزق التشرذم والتنافس والتجاذب ومأزق غياب المشروع والهدف. فتحولوا إلى كتلة واحدة لها هدف محدد هو الاشتباك مع الرئيس محمد مرسي وممارسة الضغط عليه. وفي الوقت نفسه تصفية الحساب مع جماعة الإخوان وذراعها السياسي المتمثل في حزب الحرية والعدالة.
إلا أن أسوأ ما في الأمر أن فلول النظام السابق وجدوها فرصة لإثبات الحضور واكتساب الشرعية، حتى وجدنا بعضهم يتقدم لتشكيل حزب جديد باسم مضلل وشخصيات خلفياتها محل تساؤل وارتباطاتها الخليجية ظاهرة للعيان. ولا يقل سوءا عن ذلك أننا وجدنا بين من يدعون الانتماء للقواعد المدنية من لا يرى في ذلك غضاضة أو مأخذا. وكانت الحجة التي ترددت في هذا الصدد أن الجميع - الفلول والقوى المدنية - صار لهم الآن خصم مشترك هو الرئيس مرسي والإخوان وحزب الحرية والعدالة. ورغم أنها كارثة مزدوجة إلا أن بعض العناصر الوطنية في القوى المدنية رفضت تلك الحجة واعتبرت أن الفلول وأركان النظام السابق هم الخصم الإستراتيجي من حيث إنهم يمثلون الثورة المضادة، في حين أن الاشتباك مع الرئيس مرسي هو مرحلي ويظل في محيط الثورة.
4
أن السؤال الذي تطرحه هذه الملاحظات هو: من صاحب المصلحة في وقف مسيرة التطور الديمقراطي في البلد؟
ما أفهمه - دون الدخول في التفاصيل - أن ما أريد هدمه هو المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا والدستور الذي يسهم في وضع اللبنات الأولى للنظام الجديد. وما أفهمه أيضا أن من شأن تلك المؤسسات إذا قامت أن تسحب سلطة التشريع من رئيس الجمهورية وأن تشرع في ممارسة الرقابة على أداء الحكومة ومختلف أجهزة الدولة. كما أن من شأن الدستور الجديد أن يقلص من صلاحيات الرئيس ويوسع من نطاق الحريات وضماناتها، وتلك كلها خطوات تقطع الطريق على احتمالات العودة إلى الاستبداد أو إعادة إنتاج الفرعون والرئيس الإله. وهي المخاوف التي تشيع في بعض الأوساط. ولا يختلف أحد على ضرورة التخلص منها بكل السبل.
إذا صح الذي أدعيه فإن الإجابة على السؤال تصبح بالغة الأهمية. وللأسف فإنني لا أستطيع أن أتطوع بتلك الإجابة، لأن في مصر جهات أخرى حريصة على مستقبل البلد وأمنه ومن واجبها أن تجلي الغموض المريب الذي يخيم على الساحة، بما يكشف عن حقيقة المعارضة التي تريد استمرار الثورة، وتلك التي تتآمر لإجهاض مسيرتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5886
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3918
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3129
| 24 سبتمبر 2026