رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن أكثر الفلسطينيين حماساً لمشروع التسوية السلمية على أساس حل الدولتين بات يدرك -بعد نحو ربع قرن على اتفاق أوسلو- أن الأمر صار في مهب الريح. وأن مشروع التسوية -بالشكل الذي تمّ به- لم يكن أكثر من فخٍّ أو مصيدة حوَّلت الخط السائد في منظمة التحرير الفلسطينية من بيئتها الثورية المفترضة إلى منظومة مصالح، تدير كياناً وظيفياً اسمه "السلطة الفلسطينية"، على أمل الوصول "يوماً ما" إلى حُلُم الدولة الفلسطينية.
في الوقت نفسه، كان الاحتلال الإسرائيلي يُثبّت أركانه بالضفة الغربية في ورشة أشغال تصل الليل بالنهار لتهويد الأرض والإنسان، ولبناء حقائق على الأرض تلغي عملياً وتدمر كافة الأسس الضرورية لإنشاء دولة فلسطينية.
لقد آن الأوان للمعنيين بالمشروع الوطني الفلسطيني -وخصوصاً من يتبنون مسار التسوية- أن يقفوا وقفة مراجعة حقيقية للحالة الكارثية التي وصلت إليها الحالة الفلسطينية، وأن يسحبوا الغطاء على الأقل عن عملية "استغفالهم" أو استخدامهم غطاءً لاستمرار الاحتلال وإضاعة ما تبقى من فلسطين.
الجري وراء "الجزرة" المسماة "دولة فلسطينية" لم يتوقف منذ عقود طويلة. فمن حق الفلسطينيين أن تكون لهم دولتهم واستقلالهم وسيادتهم على أرضهم، ولكن المشكلة تلَخَصَّت في أن الأطراف التي كانت تَعِدُ الفلسطينيين بذلك أو تُلوِّح لهم به، كانت تشترط عليهم "الهدوء والسكينة" واللجوء إلى "الوسائل السلمية".
بعد حرب أكتوبر 1973، وفي ضوء بيئة عربية أكثر ميلاً لمسار التسوية السلمية، وأكثر انكفاءً على أوضاعها القُطرية؛ تبنى المجلس الوطني الفلسطيني في يونيو 1974 برنامج النقاط العشر، الذي فتح المجال لأول مرة للتحرك السياسي الفلسطيني باعتباره إحدى أدوات "التحرير"، كما فتح الباب لإمكانية تجزئة ومرحلة تحرير فلسطين.
وهو ما هيأ المجال للقيادة الفلسطينية للانتقال إلى مشروع الدولتين، بالتناغم مع مسار النظام الرسمي العربي. وخلال أشهر حصدت القيادة الفلسطينية اعتراف الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وحصلت على عضوية مراقب في الأمم المتحدة.
ومع تزايد الضغوط على منظمة التحرير وفصائل المقاومة على مدى سنوات، وخسارتها لنفوذها وقواعدها المسلحة في بلدان الطوق، ومع محاولات إضعافها وتهميشها؛ وجدت المنظمة في الانتفاضة المباركة -التي اندلعت في 9 ديسمبر 1987- رافعة سياسية، حيث عادت قضية فلسطين لتتصدر المشهد، ولتفرض نفسها فرضاً على الأجندات العربية والعالمية.
وقد أرادت المنظمة أن تكون طرفاً مقبولاً أمريكياً وإسرائيلياً للحوار معه للدخول في مسار التسوية السلمية. وبناء على نصائح عربية ومن الاتحاد السوفياتي تمّ وضع برنامج وطني فلسطيني جديد في المجلس الوطني التاسع عشر في 12-15 نوفمبر 1988، حيث اعترفت المنظمة لأول مرة بقرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين، وبقرار مجلس الأمن 242 الذي يتعامل مع قضية فلسطين كقضية لاجئين.
وبغض النظر عن الشكل الاحتفالي الذي تمّت به تغطية التنازل، وذلك بإعلان "استقلال فلسطين"؛ فإن جوهر البرنامج كان مجرد اقتراب فلسطيني من مربع الشروط الأمريكية/الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن قبول القيادة الفلسطينية بدولة منقوصة الأرض (نحو 23% من أرض فلسطين)، فتح المجال للدخول في مفاوضات أدت إلى القبول بحكم ذاتي منقوص السيادة على جزء محدود من الضفة الغربية وقطاع غزة؛ من خلال ما عُرف باتفاق أوسلو (عام 1993).
جاء اتفاق أوسلو في ظل بيئة عربية بائسة متشرذمة ناتجة عن حرب الخليج الثانية، حيث قاد الأميركان تحالفاً عربياً دولياً لمواجهة الاجتياح العراقي للكويت (1990 - 1991). وفي ظلّ تراجع عربي عن دعم منظمة التحرير، وفي بيئة دولية شهدت انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في شرقي أوروبا، وانتهاء مرحلة ثنائية القطبية وبدء مرحلة أحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة.
رمى اتفاق أوسلو "السنارة" للقيادة الفلسطينية لتلتقط من جديد "طُعم" الدولة الفلسطينية. ودون الخوض في تفاصيل الاتفاق؛ فإن قضايا الحل النهائي -التي قد يؤدي حسمها إلى إنشاء دولة فلسطينية- جرى تأجيل البت فيها إلى مفاوضات لاحقة، كان من المتوقع أن تنتهي خلال خمس سنوات.
وبالتالي لم تعد هنالك مواعيد واستحقاقات "مقدسة". وهكذا، مضى 24 عاماً (وليس خمسة أعوام) دونما حلٍّ جادّ يلوح في الأفق. وبينما كان الطرف الإسرائيلي يستمتع باحتلال من مستوى "خمس نجوم"، كان على الطرف الفلسطيني (قيادة المنظمة التي هي قيادة السلطة وقيادة فتح) أن يفي بالتزاماته وصولاً إلى "حلم الدولة".
وما يعنينا هنا، أن حلّ الدولتين لم يعد قائماً، وفق مسار التسوية الحالي الذي لا يعدو كونه غطاءً لتهويد ما تبقى لفلسطين، وإنهاءً لحلم "الدولة الفلسطينية" وفق تطلعات من أيدوا هذا المسار، وفي ضوء الحقائق التي أنشأها الإسرائيليون على الأرض، وبناء على زيادة التطرف في منظومة المجتمع والقيادة السياسية الإسرائيلية، وعلى أن واشنطن معنية أساساً بتطويع الفلسطينيين للشروط الإسرائيلية.
على الطرف الفلسطيني ومن يؤيده في البيئة العربية والدولية أن يكفوا عن "خداع الذات"، وأن يتوقفوا عن أسلوب جري الضحية وراء "الجلاد" لإرضائه أو لتقديم "الحلول" له، وكأن الضحية هي سبب المشكلة وليس الاحتلال. ولذلك؛ على قيادة منظمة التحرير والسلطة أن:
- تصارح شعبها بالحقيقة، وتقوم بعملية مراجعة شاملة لكل مسار التسوية.
- ترفع الغطاء عن مسار التسوية السلمية وتكشف قبح الاحتلال.
- العودة إلى ترتيب البيت الفلسطيني وخصوصاً منظمة التحرير وفتحه للجميع، لاستجماع عناصر القوة في المشروع الوطني في الداخل والخارج، واستئناف مشروع المقاومة والتحرير.
- التوقف عن ملاحقة قوى المقاومة المسلحة الفلسطينية، بل والتحالف معها، والتعامل معها كرصيد وطني يخدم في مراكمة القوة وعناصر الضغط على الاحتلال، واعتبار منجزات المقاومة في غزة رافعة للعمل الوطني، ورفض أي مساس بها.
- السعي إلى إنهاء دور السلطة الفلسطينية كـ"سلطة وظيفية" تخدم أغراض الاحتلال؛ فإما أن تكون السلطة في خدمة البرنامج الوطني، وإما أن يتحمل الاحتلال مسؤولياته في مواجهة مقاومة جهادية ثورية فلسطينية.
وأخيراً؛ لست متفائلاً بأن قيادة المنظمة والسلطة الحالية ستقوم بإجراءات كهذه، نظراً لطبيعة عقليتها وحساباتها، ولكنها -عاجلاً أم آجلاً، أحبت أم كرهت- ستواجه هذا الاستحقاق، أو سيفرضه عليها الشعب الفلسطيني.
المصدر : الجزيرة
دعم جهود الوساطة لمصلحة المنطقة وشعوبها
لا تدخر دولة قطر جهداً في دعم الحوار والدبلوماسية والوساطة كأدوات رئيسية لتسوية النزاعات والأزمات الدولية والإقليمية، بما... اقرأ المزيد
93
| 03 مايو 2026
أين غزة والجنوب اليوم؟
سؤال يفرضه الواقع ونحن نرى الوجوم الذي يسيطر على أنظمة العالم العربي والاسلامي حول ما يجري في غزة... اقرأ المزيد
120
| 03 مايو 2026
حماية البيئة التعليمية من الأخبار غير الموثوقة
تُمثِّل البيئة التعليمية الآمنة حجر الأساس الذي تقوم عليه جودة العملية التربوية واستدامتها؛ فهي ليست مجرد جدران وفصول،... اقرأ المزيد
135
| 03 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3798
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1326
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
987
| 29 أبريل 2026