رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الدول باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أنظمتها القضائية بهدف تسريع عمليات التقاضي، وتحسين جودة العمل القضائي، وصولا إلى تحقيق العدالة الناجزة. ومع ذلك، يظل هناك تحفظ في بعض الدول إزاء تطبيق هذه الأدوات في المحاكم، بسبب المخاوف من التأثيرات السلبية المحتملة عند استخدامها بشكل غير دقيق أو دون إشراف مناسب.
وتشمل التطبيقات الحالية لأدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة حاليًا في محاكم بعض الدول مهام متنوعة مثل أتمتة نظم ملفات المحاكم، وجدولة مواعيد الجلسات، والترجمة الآلية للنصوص الأجنبية، وتلخيص الوقائع القانونية، وتحديد النقاط المتكررة في المذكرات المقدمة، بل وحتى إصدار أحكام في بعض القضايا المحددة.
وعلى الرغم من الفوائد الواضحة لبعض هذه التطبيقات من حيث تعزيز الكفاءة والسرعة في عمل المحاكم، فإن اعتمادها بشكل واسع يثير تساؤلات حول مدى تأثيرها على نزاهة واستقلالية القضاء، وما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يحل محل القاضي البشري في دراسة ملفات الدعاوى وإصدار الأحكام، مع الحفاظ على العدالة والاعتبارات الإنسانية.
ومع ذلك، فقد بدأت العديد من الدول في اعتماد هذه التقنيات بدرجات متفاوتة وبإجراءات تنظيمية مختلفة، فعلى سبيل المثال، فقد قامت دول مثل نيوزيلندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا بمحاولات فردية لوضع معايير إرشادية تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمتها القضائية. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة في وجود معايير دولية موحدة تكفل الاستخدام المسؤول لهذه التقنية، مما يعكس الحاجة إلى تعاون دولي لمعالجة هذه القضية.
ولقد أدركت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، المعروفة اختصارًا بمنظمة اليونسكو، أهمية وضع إرشادات دولية لضبط استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم والهيئات القضائية. ومن هذا المنطلق، دشنت مشروعًا لتطوير مبادئ توجيهية شاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وضمان العدالة الإجرائية. وفي إطار هذا المشروع، أجرت اليونسكو دراسة استقصائية في عام 2023 كشفت أن 93% من الكوادر القضائية التي شملتها الدراسة تستخدم الذكاء الاصطناعي في أنشطتها المهنية. كما أظهرت الدراسة أن 9% فقط من الجهات القضائية التي تعتمد على هذه الأدوات قد أصدرت مبادئ توجيهية لتنظيم استخدامها، مما يبرز الحاجة الملحة إلى تطوير إطار عالمي موحد يضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنية.
وبناء على تلك المعطيات، دشنت اليونسكو مشروعًا لتطوير مبادئ توجيهية شاملة توازن بين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وضمان العدالة الإجرائية. وقد تضمنت مسودة المبادئ ثلاثة عشر مبدأً، ركزت على حماية حقوق الإنسان وضمان العدالة الإجرائية والمساواة من خلال توفير وصول متكافئ للتكنولوجيا لجميع الأطراف. كما أكدت على حماية البيانات الشخصية، وضمان الخصوصية، وتجنب التحيز، حيث يعتمد الذكاء الاصطناعي على البيانات المُدخلة، والتي إن كانت متحيزة ستؤدي إلى نتائج غير عادلة.
كذلك، فقد شددت المسودة أيضًا على الالتزام بالقيم القضائية الأساسية كالحياد والاستقلالية، مع توفير التدريب المستمر للكوادر القضائية لتطوير مهاراتهم الرقمية. كما أوصت المسودة بضرورة وجود إشراف بشري مستمر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لضمان دقة المخرجات وتجنب الاعتماد المفرط عليها، حيث وردت تقارير في بعض الدول عن حالات اعتمد فيها قضاة ومحامون على معلومات غير دقيقة صادرة عن أدوات الذكاء الاصطناعي، مما أسفر عن إصدار قرارات قضائية أو إعداد مذكرات قانونية استندت إلى أحكام غير صحيحة أو غير موجودة.
وقد عرضت اليونسكو مسودة المبادئ على موقعها الإلكتروني لاستقبال الملاحظات من المهتمين، وكان آخر موعد لذلك في 25 سبتمبر 2024. ومن المتوقع أن تعتمد اليونسكو المسودة بعد مراجعة كافة الملاحظات وأخذها بعين الاعتبار، تمهيدًا لإصدار المبادئ بصيغتها النهائية.
ولقد أدركت دولة قطر أهمية أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث أصدر مجلس الوزراء الموقر القرار رقم (10) لسنة 2021 بإنشاء لجنة الذكاء الاصطناعي والتي تهدف إلى تنفيذ استراتيجية قطر للذكاء الاصطناعي ومتابعة تنفيذها. كما تشمل اختصاصات اللجنة الإشراف على البرامج والمبادرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، واقتراح خطط لتطوير الكوادر البشرية في هذا المجال، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز البحث العلمي، وإنشاء قنوات تعاون مع الجهات الدولية المختصة.
ولقد قامت محكمة قطر الدولية مؤخرًا بتدشين مبادرة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على موقعها الإلكتروني لإعطاء ملخصات عن أحكام المحكمة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما يضمن وصول المهتمين من المحامين والقانونيين والمتقاضين إلى المعلومات القانونية بسهولة. كما دشنت المحكمة المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تهدف إلى الإجابة على استفسارات العامة المتعلقة بالمحكمة.
وختامًا، من المتوقع أن يصبح استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم أمرًا حتميًا، وإن كان بوتيرة متفاوتة بين الدول. لذا، من الضروري وضع معايير واضحة للاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، بما يضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، مع استعداد الدول لهذه المرحلة بطريقة تتماشى مع قيمها وعاداتها الثقافية والاجتماعية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2040
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
864
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
690
| 04 فبراير 2026