رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
معظم المراقبين والذين يكتبون عن الثورات العربية الحاضرة يبدون تخوفا كبيرا من ثلاثة أمور يخشى أن تطرأ على واقع ومستقبل هذه الثورات فتعكر صفوها وتحرف مسارها أو – في أقل تقدير - تقلل الآمال المنوطة بها؛ أول هذه التخوفات هو: الطائفية المذهبية التي انطلقت منذ الثورة الإيرانية واستشرت أكثر وأكثر منذ الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان وهي اليوم تطل علينا بوتائر أعلا بعد فوز الإسلاميين في انتخابات تونس ومصر والمغرب وفلسطين وتركيا وبعد دورهم في الثورات الليبية واليمنية والسورية، وبعد تحولات المواقف الرسمية لصالحهم في دول أخرى باتت تتدارأ من الثورات وتخشى أن تطاولها.. ثاني التخوفات: أن تنشغل الثورات والثوار عن القضية الفلسطينية الكبرى والمركزية بينما يجري العدو الصهيوني جريا في التهويد والاستيطان وتغيير الحقائق وتقرير القوانين وتنفيذ الإجراءات على أرض الواقع التي تبدد الحقوق الوطنية لفلسطينيي الضفة وغزة وتجتاح الحقوق المدنية والسياسية لفلسطينيي الـ48، والتخوف الثالث هو: التدخلات الغربية والأجنبية على هذه الثورات بما ظهر كدعم لها خصوصا في ليبيا، ما قد يؤدي لانقلاب في الاصطفافات والرؤى السياسية لدى شعوبنا في المنطقة.. المقصود هنا أن تسويغا ما بدأ يروج له اليوم تجاه مواقف أمريكا والنظم التي تدور في فلكها "معسكر التسوية" التي صارت تتحدث عن حقوق الشعوب.. وكانت إلى ما قبل الثورات الحالية متهمة لدى الرأي العام الشعبي والنخبوي المؤثر بالعمالة والتهرؤ الوطني والخلقي.. وأقول:
أما التخوف من انشغال الثورات عن فلسطين والتخوف من التداخل الأجنبي عليها فهما تخوفان غير جديين أو لنقل إن لدى الثورات العربية بالإجمال حصانة منهما.. وضمانة ذلك هي وعي الشعوب وطبيعة تطور الثورات وكون الشعوب هي محركها وهي المستفيد منها وهي ضميرها وشعوبنا قد تربت على الشوق للاستقلال الحقيقي وعلى رفض الاحتلال الصهيوني.. هذه الضمانة يمكن اعتبارها حقيقية وستمنع حدوث انقلاب كبير أو مؤثر في المفاهيم تجاه الغرب الاستعماري وتجاه العدو الصهيوني تحديدا.. ربما تلهو الشعوب عن القضية الفلسطينية في الفترة الانتقالية وإلى حين تستقر النظم الجديدة وهو ما لن يستغرق إلا شهورا فقط.. ولكن ستبقى الثقافة الوطنية والدينية المتجذرة عبر عشرات السنين والرافضة للاحتلال الصهيوني والتدخلات الغربية وستبقى تدهورات القضية الفلسطينية والثقافة المترتبة على ممارسات الصهاينة وحرقهم المصاحف والمساجد وعلى الاستيطان والتهويد والاعتداءات على غزة والضفة والمسجد الأقصى.. كل ذلك سيبقى سببا للتأجيج وضمانة من هاتين الخشيتين، وستجعلان من المستحيل على الثورات – بعد الاستقرار – أن تلهو عن القضية الفلسطينية أو تغفل عن المقاربات والمرادات الغربية منها.
يبقى أن التخوف الأهم والأخطر هو الطائفية والمذهبية السياسية والعقدية لأسباب أهمها ثلاثة؛ الأول: أن لهذه الطائفية جذورا منطقية وحقيقية وتاريخية وواقعا وتفاعلات بارزة أو كامنة، الثاني: لأن لها من يستثمر فيها ويدعو لها في الغرب وفي الشرق بدوافع مختلفة ولكنها تلتقي على حقن الثورات والواقع بهذه الطائفية لتفجيرها عند الاقتضاء، ثالثا: لأن هذه المذهبية تتقمص الثوب الوطني في المواجهات الداخلية، والثوب العقائدي في المواجهات المذهبية والدينية، والثوب الحزبي في المواجهات السياسية.. ما يجعل الطائفيين في كل ميدان سادته وقادته، وما يجعل الطائفية في كل مرة في أعلى السلم وتجد لها من (الجاهلين) الذين قد لا ينقصهم الإخلاص من يعتبرها الصواب المطلق والحق الذي ليس وراءه إلا الباطل ومن لديه الاستعداد أن يكون وقودا في معاركها.. لذلك فإن الطائفية هي التخوف الأكبر وهي التي يجب أن تنصب الجهود والكتابات على تفكيكه.. وأقول:
لابد من التنبيه إلى أن الطائفية في بلادنا إنما تضرب أول ما تضرب الدين العام (الإسلام) والانتماء الوطني لشعوبنا واستقلالنا، وأن تأجيج الطائفية كان عادة وتاريخيا مرتبطا بالغزو الخارجي وبتفكيك وحدة الأمة أمامه والتغطية عليه ولفت الانتباه عنه.. وهذا ما يقوله التاريخ للمتتبع المنهجي.. واليوم يكفي أن تكتب في الباحث الإلكتروني - النت – اسم " برنارد لويس " لترى كم ترتبط الطائفية بالمصالح الصهيونية اليهودية تحديدا وكم ترتبط بالتحركات الاستعمارية في بلادنا، ولتكتشف أنها - الطائفية – أكبر من مجرد مناظرة تليفزيونية يغرق فيها مفكران أو شيخان أو عالمان من طائفتين مختلفتين وكل يدعي وصلا بليلى.
جدير توضيح أن هذا المستشرق "برنارد لويس" هو يهودي صهيوني وهو كاتب سياسي إستراتيجي.. وأن كتبه ذات انتشار واسع وتأثير كبير في صناعة الرأي وفي القرار المركزي للولايات المتحدة الأمريكية وفي الغرب عامة وتجاه منطقتنا خصوصا، وجدير التوضيح أن مروحة أصدقاء هذا المستشرق الصهيوني ومعتنقي أفكاره تضم أسماء كبيرة مثل الرئيسين بوش الأب وبوش الابن، ونائب الرئيس الأمريكي الأسبق "ديك تشيني"، والرئيس السابق للجنة التخطيط الإستراتيجي في البنتاغون "ريتشارد بيرل"، ونائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "بول وولفوويتز"، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية وعضو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات " جيمس ووزلي " ورئيس دولة العدو "شمعون بيريز".. الخطير أيضا أن الكونغرس الأمريكي وافق على مشروع "لويس" هذا بالإجماع في جلسة سرية عام 1983م، وبعد اعتماده تم تقنينه وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية المستقبلية لتنفيذه بدقة وإصرار شديدين.
بقي أن نوضح أن مشروع "برنارد لويس" الذي له كل هذه الأهمية والرسمية يقوم على تفكيك الوحدة الدستورية لجميع الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية لتصحيح – كما يقول - حدود سايكس بيكو التي يجب أن تكون – وفق مشروعه - متسقة مع المصالح الصهيوأمريكية، ويوضح ذلك بالخرائط التي يبين فيها التجمعات العرقية والمذهبية والدينية في بلادنا وأن على أساسها يجب أن يتم التقسيم.
من الخطأ توهم أن الطائفية إذا استشرت وعمت وتنافست في تأجيجها الطوائف والمذاهب في بلادنا ستتضرر منها طائفة صغيرة لصغرها أو تنجو منها طائفة كبيرة لكبرها.. ولكنها ستكون محرقة للجميع ونافذة للتدخل الخارجي ولتدويل مشكلاتنا، وستعود عهود الاستعمار والانتدابات الغربية ربما تحت وطأة البحث عن راع للخروج من المأزق.. كما يحدث الآن في العراق إذ يتوقع أن تتدخل أمريكا للإصلاح بين المالكي والهاشمي وأن تصير هي الملجأ والمنجى من حرب لا تبقي ولا تذر.. وعند ذلك ستصير كل استقلالاتنا في مهب العواصف الغربية والتحكم الصهيوني، وسيكون أول الكاسبين من ذلك بالطبع الكيان الصهيوني في المنطقة أولا بفرقتنا وحروبنا البينية وتفكك وحدتنا ثم ثانيا بصيرورة الكيان اليهودي كيانا طبيعيا (طائفيا) بين كيانات كثيرة سنية وشيعية ودرزية وعلوية وكاثوليكية وأرثوذوكسية.. فإن حدث ذلك واستساغته المنطقة فإن المترتب التالي والتلقائي عليه هو الترانسفير الجديد لتهجير الفلسطينيين من فلسطين التاريخية وإقامة (إسرائيل الكبرى) التي وضع "برنارد لويس" لها خريطة تمتد من الفرات إلى النيل ومنهما إلى المدينة المنورة وتجمع معظم العراق وسوريا ومصر وكل لبنان والأردن وفلسطين.
وإذن فعلى كل الوطنيين والإسلاميين الذين يفترض أنهم (أم الولد) – كما يقال - أن يخافوا من التأجيج الطائفي والتفعيل المذهبي، وألا ينجرّوا إلى مواجهات على الأساس الطائفي، وألا يكونوا سنا في ترس الآخرين، وأن يحرص كل منهم في خاصة نفسه وجهته وقبيله وطائفته على المبادرة لنزع فتيل الطائفية وإخراج نفسه من أتونها قبل أن يطالب غيره بذلك مهما بدا له أنه على الحق، وعلى كل أحد من المتفاعلين طائفيا أن يسأل نفسه سؤالا واحدا: إذا كان عمر الطوائف في الافتراق والخلاف مئات السنين، وإذا كانت الطوائف منذ ذاك ترتب لنفسها عقائد وعادات وأفكارا ونظما اجتماعية وفكرية وسياسية؛ فهل يمكن ردها عن كل ذلك بمناقشة نزقة ومحاججة زاعقة أو بالتخويف أو بالصراع بين عشية وضحاها؟
آخر القول: ليس هذا زمن التفعيل الطائفي ولا وقت استفزاز وتثوير الآخر – المذهبي أو الديني - ولكنه وقت الحرص على إنجازات الشعوب وثوراتها المجيدة، وزمن التدليل على الوعي الشمولي لحدود وفواصل الاتفاق والاختلاف بين المذاهب والطوائف، وزمن ترتيب سلم الأولويات وزمن البحث عن الجوامع المشتركة بين كل المخلصين من كل الطوائف.. وقد آن أن ننظر أبعد من "قدام" أنوفنا.. وبقي أن نقول: وعلى الإسلاميين خاصة المسؤولية الأكبر في محاربة هذه الطائفية.. لماذا وكيف؟ هذا ما سنتعرف عليه في الأسبوع المقبل بحول الله.
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
964
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3441
| 23 سبتمبر 2026