رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

315

سعدية مفرح

قداسة الخطوة الفاصلة

05 يناير 2026 , 01:46ص

هناك مسافة غير مرئية، لا تُقاس بالخطوات ولا تُرسم على الخرائط، لكنها أشد حضورًا من أي جدار. مسافة يشعر بها المرء حين يقترب أحدهم أكثر مما ينبغي، أو حين يتراجع فجأة من دون سبب ظاهر. هذه المسافة ليست برودًا ولا قسوة، بل هي ما يحفظ للروح اتساقها، وللعلاقة معناها، وللقرب قيمته الحقيقية. هي المسافة التي إن انهارت، انهار معها شيء خفي فينا، غالبًا لا ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان.

المرء لا يُولد عارفًا بحدوده، بل يتعلمها عبر التجربة، عبر الانكسارات الصغيرة التي لا يُطلق عليها هذا الاسم، وعبر الخيبات التي لا تبدو فادحة لكنها تترك أثرًا عميقًا. نقترب أحيانًا باندفاع حسن النية، نفتح الأبواب على مصاريعها، نمنح من الداخل أكثر مما نحتمل، ثم نُفاجأ بأن ما حسبناه دفئًا صار اقتحامًا، وأن ما ظنناه أُلفة تحول إلى عبء ثقيل. عندها فقط نفهم أن المسافة ليست عائقًا، بل حماية.

المسافة المقدسة لا تعني الانسحاب من الحياة، ولا العيش خلف زجاج بارد. هي أشبه بخط رفيع يرسمه المرء بين ذاته والآخرين، يسمح بالضوء ولا يسمح بالاجتياح. علاقة بلا مسافة تتحول سريعًا إلى علاقة استهلاك، يذوب فيها أحد الطرفين أو كلاهما، وتختفي فيها الملامح الفردية لصالح ذوبان مربك. القرب الحقيقي لا يلغي الحدود، بل يعترف بها ويحترمها، ويعرف أن للآخر منطقة لا تُداس حتى باسم المحبة.

كثيرون يخلطون بين الصراحة والعري الكامل، وبين الثقة ورفع كل الحواجز. لكن التجربة تعلمنا أن الاحتفاظ بجزء خاص، صامت، غير متاح للجميع، ليس خيانة للعلاقة بل وفاء للنفس. هذا الجزء هو ما يجعل المرء قادرًا على العودة إلى ذاته حين تختلط الأصوات، وهو ما يمنحه توازنًا داخليًا لا تهزه تقلبات الآخرين ولا مطالبهم المتغيرة. من لا يحمي مسافته، يجد نفسه يومًا ما غريبًا عن نفسه، مستنزفًا، عاجزًا عن تفسير هذا الإرهاق العميق.

المسافة أيضًا اختبار أخلاقي للعلاقات. من يحترمها، يحترمك. ومن يضيق بها، غالبًا ما يضيق بوجودك المستقل. هناك علاقات لا تحتمل أن يكون للمرء رأي مختلف، أو إيقاع خاص، أو صمت طويل. هذه العلاقات تخاف من المسافة لأنها تكشف هشاشتها، ولأنها تقوم على التملك لا على المشاركة. أما العلاقة السليمة، فتتنفس عبر هذه المسافة، وتكبر بفضلها، وتبقى قادرة على التجدد.

في الحياة اليومية، تظهر قداسة المسافة في تفاصيل صغيرة: في الحق في الاعتذار عن لقاء لا طاقة له، في عدم الرد الفوري دون شعور بالذنب، في رفض التبرير المستمر، وفي القدرة على قول “لا” من دون خوف من الفقد. هذه التفاصيل ليست أنانية كما يُروَّج لها أحيانًا، بل وعي ناضج بأن العطاء الحقيقي لا يكون إلا من موقع التوازن، وأن المرء المنهك لا يمنح إلا فتات نفسه.

حين يحافظ المرء على المسافة التي تليق به، يصبح حضوره أكثر صدقًا، وصوته أوضح، واختياراته أقل ارتباكًا. لا يعود محتاجًا لإثبات نفسه عبر الإفراط في القرب، ولا خائفًا من الوحدة لأن وحدته لم تعد فراغًا بل مساحة إصغاء. عندها فقط، تتحول العلاقات من ساحة استنزاف إلى مجال تفاعل حي، ومن عبء يومي إلى معنى يُضاف للحياة لا يُثقلها.

المسافة بينك وبين الآخرين ليست فراغًا يجب ملؤه، بل قيمة يجب صونها. هي المساحة التي تحمي إنسانيتك من التآكل، وتمنح علاقاتك فرصة أن تكون عادلة، قابلة للاستمرار، وأقرب إلى الصدق. حافظ عليها، لا بوصفها انسحابًا، بل بوصفها اختيارًا واعيًا للحياة بكرامة داخلية، حيث يكون القرب قرارًا حرًا، لا نتيجة ذوبان.

اقرأ المزيد

alsharq السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، على نحو يشبه ما عرفه العالم... اقرأ المزيد

57

| 12 يناير 2026

alsharq سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات

إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد

60

| 12 يناير 2026

alsharq معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد

234

| 12 يناير 2026

مساحة إعلانية