رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكثر الناس تعبًا ليسوا أولئك الذين خذلتهم الحياة مرة واحدة، وإنما الذين تعلموا مبكرًا أن يراقبوا أنفسهم باستمرار، وأن يعبروا أيامهم بحذر يشبه الاستئذان، بعض الناس يدخلون أي مكان كأنهم يطرقون بابًا ليس لهم، يجلسون بحذر، ويتكلمون بحذر، ويضحكون بنصف صوت، ويعتذرون كثيرًا حتى حين لا يخطئون. لا أحد طلب منهم ذلك مباشرة، لكن الحياة نجحت، مع الوقت، في تدريب أرواحهم على الشعور بأن وجودهم عبء خفيف على الآخرين. يمكن ملاحظة هذا في أكثر التفاصيل عادية. شخصٌ يتردد طويلًا قبل إرسال رسالة، امرأة تعيد قراءة كلماتها عشر مرات خوفًا من أن تكون ثقيلة، رجل يبالغ في الشكر لأنه تلقى معاملة مهذبة، صديقة تستغرب اهتمامًا بسيطًا كأن العناية بها حدث استثنائي. هؤلاء لا يعانون من نقص في الحساسية فقط، وإنما من تاريخ طويل جعلهم يعتقدون أن المساحة التي يشغلونها في حياة الآخرين يجب أن تبقى صغيرة قدر الإمكان. ثمة تعب نفسي لا ينتج عن الكوارث الكبيرة، وإنما عن التآكل البطيء للشعور بالقيمة، حين يكبر أحدهم وهو يشعر أن الحب مشروط، وأن القبول مؤقت، وأن عليه دائمًا أن يكون لطيفًا أكثر من اللازم كي لا يُستبعَد، يبدأ تدريجيًا بالتخفف من نفسه، يقلل رغباته، ويؤجل اعتراضاته، ويبتلع حزنه بسرعة، ويتعامل مع احتياجاته كأنها نوع من الإزعاج غير اللائق. لهذا يبدو بعض الناس ممتنين بطريقة مؤلمة، تكفيهم كلمة طيبة كي يتأثروا فعلًا، ويكفي أن يصغي إليهم أحد بانتباه حتى يشعروا بدهشة حقيقية، كأنهم لم يعتادوا أن يُمنحوا حضورًا كاملًا في حياة الآخرين، وكأن جزءًا عميقًا داخلهم ظل مقتنعًا بأنهم قابلون للاستبدال في أي لحظة. المشكلة أن هذا النوع من العطب لا يُرى بسهولة، لأن أصحابه غالبًا يبدون متماسكين، ينجحون في أعمالهم، ويكتبون، ويحبون، ويمازحون الآخرين، وربما يبدون أقوياء أكثر من الجميع، لكنهم، في الداخل، يعيشون حالة استنفار دائمة، يخافون من الانسحاب المفاجئ، ومن تبدل المشاعر، ومن تلك اللحظة التي يقرر فيها الآخرون أنهم لم يعودوا مرغوبين بما يكفي. بعضهم لا يعرف كيف يطلب شيئًا مباشرة، يدور طويلًا حول رغبته، ويستخدم التلميح بدل الوضوح، ويترك دائمًا بابًا صغيرًا للتراجع، كأنه يهيئ نفسه لاحتمال الرفض قبل أن يحدث، حتى الحب عندهم يتحول أحيانًا إلى نوع من الحذر العاطفي، يحبون وهم مستعدون للخسارة مسبقًا، ويعتنون بالآخرين أكثر مما يعتنون بأنفسهم، لأنهم تعودوا على فكرة قديمة تقول إن بقاءهم في القلوب يحتاج إلى جهد إضافي دائم. والمؤلم أن كثيرًا من هؤلاء ليسوا ضعفاء أصلًا، وإنما أشخاص عاشوا طويلًا من دون طمأنينة كافية، أشخاص اضطروا، في مراحل مبكرة من حياتهم، إلى مراقبة الأمزجة، وقراءة النبرات، وتحليل الصمت، والتقاط الإشارات الخفية التي تسبق الخذلان، ومع الزمن، يتحول هذا الانتباه الحاد إلى طريقة عيش كاملة. لهذا قد يغيّرهم موقف صغير جدًا، صديق يقول لهم: “خذ راحتك”، شخص يطمئنهم بأن وجودهم محبوب لا محتمل، رسالة صادقة تصل من دون مناسبة، اهتمام لا يحتاج إلى استجداء، هذه الأشياء التي تبدو بسيطة عند الآخرين، قد تفتح نافذة هواء داخل روح ظلت طويلًا تتصرف كأن عليها أن تدفع ثمن بقائها في العالم. وربما كانت أكثر العلاقات إنقاذًا هي تلك التي لا تجعلنا نشعر بأننا تحت الاختبار طوال الوقت، العلاقات التي تسمح لنا أن نتكلم بعفوية، وأن نخطئ أحيانًا، وأن نصمت أحيانًا، من دون خوفٍ من خسارة مكاننا عند الطرف الآخر، فبعض الناس لا يحتاجون حبًا استثنائيًا بقدر حاجتهم إلى طمأنينة بسيطة تعيد ترتيب صورتهم عن أنفسهم، وتحررهم أخيرًا من ذلك الاعتذار الداخلي المزمن الذي يعيشون به منذ سنوات طويلة.
225
| 03 مايو 2026
أتساءل أحيانًا: كيف كان يمكنني مواجهة هذا كله لو أنني لم أعثر على بابٍ يفضي إلى الكتابة؟ السؤال لا يأتي كترفٍ ذهني، ولا كجملةٍ تصلح لتزيين مقدمة، بل كحقيقةٍ تتسلل إلى أعماقي كلما شعرت أنني كنت قاب قوسين من الانطفاء ثم تراجعت، كأن يدًا خفية أعادتني إلى مكاني، إلى طاولتي، إلى الورقة التي تنتظرني بصبرٍ لا يشبه صبر البشر. الكتابة لم تكن خيارًا جماليًا في حياتي، ولم تكن هواية تُمارس في أوقات الفراغ، بل جاءت كضرورةٍ تشبه التنفس، وكأنها الحيلة الوحيدة التي ابتكرتها لأبقى متماسكة وأنا أعبر كل تلك المساحات المربكة. كنت أكتب لأنني لم أجد طريقةً أخرى لفهم ما يحدث لي، ولأن الكلمات كانت الوسيط الأقل خيانةً بيني وبين نفسي، حيث يمكنني أن أقول ما لا يُقال، وأن أُعيد ترتيب ما بعثره الواقع في داخلي، وأن أضع حدودًا لما كان يتسرب إلى روحي من قسوةٍ لا تُرى. أتذكر أنني في لحظاتٍ كثيرة كنت أشعر أنني أعيش حياتين متوازيتين، واحدة تمضي في الخارج بكل ما فيها من التزاماتٍ وأدوارٍ مفروضة، وأخرى تنمو في الداخل بهدوءٍ وتطالبني بالإنصات. الكتابة كانت الجسر الوحيد بين هاتين الحياتين، وكانت المساحة التي أستعيد فيها حقي في أن أكون نفسي، لا كما يراني الآخرون، ولا كما تُفرض عليّ الصور الجاهزة، بل كما أعرفني حين أخلع عني كل ما علق بي من تعريفات. من دون الكتابة، أظن أنني كنت سأفقد هذه القدرة على التفكيك، وعلى مساءلة كل ما يبدو بديهيًا. كنت سأمضي في الحياة كما يمضي كثيرون، أردد ما يُقال، وأتقبل ما يُفرض، وأتعايش مع ما يرهقني من دون أن أمتلك أداةً لمواجهته. الكتابة لم تمنحني حلولًا جاهزة، لكنها منحتني شجاعة السؤال، وهذه الشجاعة وحدها كانت كفيلة بأن تُبقي رأسي مرفوعًا، حتى في أكثر اللحظات هشاشة. هناك شيء آخر فعلته الكتابة بي، وهو أنها أنقذتني من التحجر العاطفي. كلما حاولت القسوة أن تتسلل إلى داخلي، كانت الكلمات تعيدني إلى إنسانيتي، إلى قدرتي على التعاطف، إلى تلك الرغبة العميقة في فهم الآخرين حتى عندما يخذلونني. كنت أكتب لأُفرغ ما يثقلني، لكنني في كل مرة كنت أخرج من النص أكثر اتساعًا، وأكثر استعدادًا لأن أرى الصورة من زوايا متعددة، لا من زاويتي وحدها. وأعرف جيدًا أن الكتابة ليست ملاذًا آمنًا دائمًا، فهي تُرهق صاحبها كما تُنقذه، وتدفعه إلى مواجهة نفسه من دون وسائط، وتضعه أمام أسئلته العارية من دون أن تسمح له بالهرب. ومع ذلك، بقيت أوفى من أي شيءٍ آخر في حياتي، لأنها لا تدّعي، ولا تجامل، ولا تفرض عليّ أن أكون نسخةً مقبولة من نفسي. في الكتابة فقط، أستطيع أن أكون صادقةً إلى الحد الذي يزعجني، وإلى الحد الذي يحررني في الوقت نفسه. أفكر أحيانًا في تلك النسخة الأخرى مني، تلك التي لم تتعرف إلى الكتابة، وأشعر بشيءٍ من الحزن عليها، لأنها كانت ستعيش حياةً أقل وضوحًا، وأقل قدرةً على الاحتمال. ربما كانت ستبدو أقوى في نظر الآخرين، وربما كانت ستنجح في إخفاء ارتباكها، لكنها في الداخل كانت ستتآكل ببطءٍ من دون أن تجد لغةً تقول بها ما يحدث لها. لهذا، حين أعود إلى سؤالي الأول، لا أبحث عن إجابةٍ نظرية، بل أكتفي بهذا الامتنان الصامت لكل لحظةٍ جلست فيها لأكتب، لكل نصٍ أنقذني من فكرةٍ قاتمة، ولكل جملةٍ أعادتني إلى نفسي عندما كدت أضيع. الكتابة لم تغيّر العالم من حولي، لكنها غيّرت طريقتي في الوقوف أمامه، وهذا وحده كان كافيًا لأن أواصل، وأن أؤمن بأنني، مهما ضاقت بي الطرق، سأجد دائمًا سطرًا يبدأ من حيث أنتهي.
510
| 26 أبريل 2026
لا يحتاج الخذلان إلى لافتة كي يعلن عن أثره في داخلك. يكفي أن يمرّ بهدوء، كأن يتخفّى خلف ابتسامة مألوفة، ويختار لحظةً كنتَ فيها مطمئنًا إلى أن اليد التي امتدت إليك لن تفعل أكثر من المصافحة. هناك، بالضبط، يبدأ المعنى في الانقسام، وتبدأ الروح في التعلّم القاسي لمعنى أن يكون الطعن مألوف الملامح. أشدّ الذبح قسوة هو ذاك الذي لا يأتي من عدوٍ معلن، ولا من غريبٍ متوقَّع، بل ممن ظننتهم أصدقاء بينهم وبينك مسافة أمان لا تُكسر. ومع ذلك، حين يحدث، لا يكون السكين حادًا كما تتخيل العدالة أو الخيانة أو حتى الرحمة، بل يكون مثلومًا، وقد فقد طرفه الصلب من كثرة ما استُخدم في مواضع أخرى، في جراحٍ أخرى، وفي أجسادٍ لم نرها. ثم يختارك أنت، لأن القرب أتاح له أن يجد فيك هدفه الأسهل، أو لأنك ببساطة كنت الأكثر ثقة. المؤلم في الأمر ليس الفعل وحده، بل الطريقة التي يُنفَّذ بها. هناك أذى يمرّ سريعًا فيُنسى، وهناك أذى يتعمّد أن يكون بطيئًا، متردّدًا، كأنه لا يريد أن يُنهي مهمته دفعة واحدة. السكين المثلومة لا تقطع بحدة، بل تمزّق وتجرّح وتترك في الجرح أثرًا يشبه التردّد نفسه. وكأن من يمسك بها لا يملك شجاعة الحسم، لكنه يملك إصرار الاستمرار في الإيذاء حتى النهاية. "الأصدقاء" الذين يتحوّلون إلى هذا النوع من الأدوات لا يبدؤون فعلهم دفعة واحدة. يتقدّمون على مهل، يختبرون حدود الصمت فيك، ويقيسون مساحة التسامح، ويجمعون ما يكفي من الثقة ليستخدموه لاحقًا كغطاء للفعل. وحين يأتي الفعل، لا يأتي بصيغة القطيعة الواضحة، بل بصيغة الالتباس الذي يجعل الضحية تتساءل طويلًا؛ هل كان ما حدث مقصودًا، أم أنه عَرَض جانبي لعلاقة لم تُحسن قراءة نفسها؟ في مثل هذه اللحظات، لا يعود الجرح مجرد أثرٍ جسدي رمزي، بل يصبح سؤالًا مفتوحًا عن طبيعة القرب ذاته. كيف يمكن لمن جلس معك طويلًا على طاولة واحدة، وشاركك تفاصيل صغيرة عن الحياة، أن يتحوّل إلى يدٍ تمسك بسكينٍ وتختار أن تختبر صبرك بدل أن تحميه؟ وكيف يمكن للسكين المثلومة أن تكون أصدق وصف للعلاقات التي فقدت حدّها الأخلاقي لكنها لم تفقد قدرتها على الإيذاء؟ المفارقة أن السكين الحاد، رغم قسوته، يمنح نوعًا من الوضوح، فهو يفصل ويقطع وينهي الأمر بسرعة. أما السكين المثلومة فيتركك عالقًا بين ألمٍ مستمرّ وشكٍ دائم. لا تعرف إن كان عليك أن تصرخ أم أن تصمت، أن تغادر أم أن تبرر، أن تعتبر ما حدث خيانة كاملة أم مجرد سوء استخدام لعلاقة لم تُصن. وهذا التردّد هو ما يجعل الأذى أطول عمرًا من الفعل نفسه. ثمّة شيء أشبه بالانطفاء التدريجي يحدث داخل العلاقات حين تفقد أدواتها النقية. ليس الانطفاء صاخبًا، بل يشبه انكسار الضوء في زجاجٍ قديم. ترى الأشياء، لكنك لا تراها كما كانت. وتسمع الكلمات، لكنها لا تصل إليك بالصفاء ذاته. وتدرك متأخرًا أن ما كان يومًا صداقةً جميلة قد تحوّل إلى مساحة رمادية، فيها كثير من الالتباس وقليل من الطمأنينة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة في مرارة خالصة. فحتى السكين المثلومة، رغم قسوتها، تكشف شيئًا عن طبيعة البشر حين يضعف حضورهم الأخلاقي أمام رغباتهم الصغيرة. تكشف أن القرب لا يصنع بالضرورة أمانًا، وأن الوجوه التي نطمئن إليها قد لا تكون سوى أقنعة مؤقتة لنياتٍ لم تختبر نفسها بعد. يبقى الأثر في النهاية هو الدرس الوحيد الذي لا يتأخر في الوصول، وإن تأخرت قراءته. أن الثقة ليست حقًا مكتسبًا، وأن الصداقة ليست ضمانًا دائمًا، وأن اليد التي تقترب قد تكون في لحظةٍ ما مجرد امتداد لسكينٍ فقد حدّه لكنه لم يفقد وظيفته في الإيذاء.
1002
| 19 أبريل 2026
تبدأ الكتابة أحيانًا من نقطة حسّاسة في الداخل، من مكان لا يُرى لكنه يُشعِر بثقله، كأن فكرة صغيرة تضغط على الروح حتى تُجبِرها على الإفصاح. لا تأتي كترف، ولا كخيار جمالي محض، بل كاستجابة شبه قسرية لما يتراكم في الداخل من مشاعر وأسئلة وارتباكات. ولهذا، فإنها تُرهِق، وتُتعب، وتستنزف شيئًا من طاقة صاحبها، لكنها في الوقت ذاته تُبقيه في مأمن من انهيار أعمق، من ذلك الأذى الذي لا يمكن ترميمه بسهولة. الفرق بين الألم والأذى ليس لغويًا فقط، بل وجودي أيضًا. الألم حالة عابرة مهما طالت، يمكن احتمالها، ويمكن حتى ترويضها حين تُفهم وتُفكك وتُروى. أما الأذى، فهو ما يترك أثرًا غائرًا، ما يُفسد التوازن الداخلي، ويُربك علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو الكتابة وكأنها حليف خفيّ للألم، تعمل على احتوائه قبل أن يتضخم ويصير أذى. حين يكتب الكاتب، فهو لا يصف فقط ما يشعر به، بل يعيد تشكيله. الألم الخام، حين يبقى حبيس الداخل، يميل إلى التوحش، وإلى اتخاذ أشكال مبهمة قد تترجم إلى قلق أو غضب أو انطفاء. أما حين يُسكب في اللغة، فإنه يكتسب حدودًا، فيصير قابلاً للرؤية وللتأمل، وربما قابلاً للمصالحة. الكتابة هنا لا تمحو الألم، لكنها تمنحه معنى، وهذا المعنى هو ما يخفف وطأته. الكتابة ليست عملية مريحة، ولا حتى متوازنة دائمًا. هناك لحظات يُضطر فيها الكاتب إلى مواجهة ما كان يهرب منه، أي إلى إعادة فتح جروح ظن أنه تجاوزها، وإلى تسمية أشياء ظلّت بلا أسماء. وهذا الفعل بحد ذاته موجع، لأنه يقتضي شجاعة داخلية لا تتوافر في كل وقت. ومع ذلك، فإن هذا الألم يظل نظيفًا، إن جاز التعبير، لأنه يمر عبر وعي يقظ ولغة تضبطه وتعيد ترتيبه. في المقابل، ينشأ الأذى غالبًا حين يُقمع الألم أو يُهمل أو يُساء فهمه. حين يُطلب من الإنسان أن يتجاوز ما لم يفهمه بعد، أو أن ينسى ما لم يُعطه حقه من التأمل، فإنه يدفع الثمن لاحقًا بشكل أكثر قسوة. هنا تصبح الكتابة، مرة أخرى، ضرورة وليست ترفًا. إنها وسيلة لإعطاء كل تجربة حقها من الانتباه، ولكل شعور حقه من الاعتراف. الكاتب لا يخرج من الكتابة كما دخلها. هناك شيء ما يتبدل في داخله، حتى لو لم يكن واضحًا على الفور. ربما يهدأ، وربما يزداد وعيًا، وربما يكتشف زوايا لم يكن يراها من قبل. وهذا التحول، مهما بدا بسيطًا، يحميه من الانزلاق إلى مناطق أكثر خطورة. والألم الذي يُكتب يُدار ويُراقَب، بينما الأذى الذي يُهمل يتكاثر في الظل. ومن جهة أخرى، تمنح الكتابة صاحبها مسافة ضرورية بينه وبين تجربته. حين تتحول المشاعر إلى كلمات، لم تعد جزءًا ملتصقًا به بالكامل، بل صارت شيئًا يمكن النظر إليه من الخارج، يمكن إعادة قراءته، يمكن حتى نقده. هذه المسافة تمنح نوعًا من الحرية، وتُخفف من سطوة اللحظة، وتجعل التجربة أقل قسوة مما كانت عليه في بدايتها. ولعل أكثر ما يُحسب للكتابة أنها لا تدّعي الشفاء الكامل. فهي لا تعد صاحبها بأن يخرج سالمًا تمامًا، لكنها تضمن له ألا يضيع في متاهة غير مفهومة. الألم يبقى، نعم، لكنه يتخذ شكلًا يمكن العيش معه، فيمكن احتماله، ويمكن أحيانًا تحويله إلى جمال. وهذا التحويل ليس تزيينًا للحقيقة، بل إعادة صياغة لها بما يسمح باستمرار الحياة. لهذا، تبدو الكتابة كفعل مقاومة هادئ، لا يرفع شعارات، ولا يسعى إلى بطولات، لكنه يُنجز ما هو أعمق من ذلك. هي طريقة للبقاء، للبقاء فقط، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير. أن تظل قادرًا على التعبير، على التفكير، على تحويل ما يؤلمك إلى نص، فهذا يعني أنك لم تُهزم بعد. إذن، يمكن القول إن الكتابة لا تُلغي الألم، ولا ينبغي لها أن تفعل، لكنها تمنعه من أن يتحول إلى أذى. وهذا الفرق الصغير في ظاهره، هو ما يصنع كل هذا الفرق في الداخل.
339
| 12 أبريل 2026
التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك لا تُخسر لأنك انهزمت، بل لأنك أدركت في الوقت المناسب أنها لا تستحق أن تُخاض. هذه الفكرة لا تأتي من حكمة جاهزة تُعلّق على الجدران، وإنما من تجارب صغيرة تتراكم في الروح حتى تُصبح بوصلة خفية تقود صاحبها نحو ذاته. كم مرة وقفنا في مواجهة كلمات جارحة، أو مواقف ملتبسة، أو علاقات تستهلكنا ببطء، ثم تردّدنا بين الرد والصمت، بين المواجهة والانصراف، وكأننا مطالبون دائمًا بأن نثبت شيئًا ما، لأي أحد، وفي أي لحظة. ومع الوقت، يتضح أن الإصرار على خوض كل معركة هو أقصر الطرق إلى خسارة النفس. التجاوز لا يعني أن تغضّ الطرف عن الخطأ، ولا أن تساوم على حق، وإنما أن تعيد ترتيب أولوياتك بحيث لا تكون نفسك هي الثمن. هناك نوع من الشجاعة الهادئة، لا يرفع صوته ولا يستعرض قوته، لكنه يعرف تمامًا متى يتراجع، ومتى يغلق الباب من دون ضجيج، ومتى يترك الآخرين لخياراتهم من غير أن يحمل عنهم عبء تصحيحها. هذه الشجاعة لا تُدرّس، وإنما تُكتسب عبر خيبات متكررة، وعبر لحظات صفاء يدرك فيها الإنسان أن طاقته محدودة، وأن كرامته لا تُعوّض. كثيرون يخلطون بين الصمت والعجز، ويظنون أن من ينسحب قد هُزم، وأن من يتجاوز قد تنازل. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا التبسيط القاسي. أحيانًا يكون الصمت فعلًا واعيًا، يشبه وضع حدّ فاصل بينك وبين ما لا يشبهك، وأحيانًا يكون الانسحاب إعلانًا واضحًا بأنك لم تعد معنيًا بإقناع أحد، ولا بتبرير موقفك، ولا حتى بالانتصار في معركة لا تضيف إليك شيئًا سوى المزيد من التعب. التجاوز، في جوهره، نوع من الاقتصاد الداخلي. أنت توفّر نفسك من إنفاقها في اتجاهات لا تعود عليك إلا بالخسارة. تحفظ قلبك من التآكل، وعقلك من التشظي، ووقتك من الهدر. وهذا الاختيار، على بساطته الظاهرية، يحتاج إلى وعي حاد، وإلى قدرة على كبح ذلك الصوت الداخلي الذي يدفعك دائمًا إلى الرد، إلى الدفاع، إلى إثبات أنك على حق. فليس كل حق يستحق أن يُقال، ولا كل معركة تستحق أن تُخاض، ولا كل انتصار يستحق ثمنه. في العلاقات، يبدو التجاوز أكثر صعوبة، لأن الأمر يتعلّق بمشاعر، بذكريات، بتفاصيل لا تُمحى بسهولة. ومع ذلك، يبقى الخيار قائمًا: إما أن تستمر في علاقة تستنزفك لأنك تخشى الفقد، أو أن تغادرها لأنك تخشى فقدان نفسك. هنا يصبح التجاوز فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون قرارًا عمليًا، لأنك تختار أن تكون منصفًا مع ذاتك، حتى لو بدا ذلك قاسيًا في نظر الآخرين. وفي الكتابة، كما في الحياة، ثمة جمل ينبغي حذفها، لا لأنها سيئة، وإنما لأنها تُثقِل النص. وكذلك هي المواقف، بعضها لا يحتاج إلى رد، وبعضها لا يستحق أن يُمنح أكثر من لحظة إدراك ثم يُترك خلفك. هذه القدرة على الحذف، على التخفف، على ترك المساحات الفارغة، هي ما يمنح النص جماله، وهي ما يمنح الحياة خفّتها. لا أحد يولد وهو يتقن التجاوز، فهو مهارة تُبنى ببطء، عبر أخطاء ندفع ثمنها، وعبر دروس نتعلمها غالبًا متأخرين. ومع كل تجربة، نكتشف أن القوة الحقيقية لا تكمن في الصمود الأعمى، ولا في المواجهة الدائمة، وإنما في تلك اللحظة الدقيقة التي تقول فيها لنفسك: يكفي. ثم تمضي. ولأن الكرامة لا تُستعاد بعد أن تُستنزف، فإن حماية الذات تصبح واجبًا لا ترفًا. والتجاوز، في هذا السياق، ليس انسحابًا من الحياة، وإنما انحياز ذكي لها. أن تختار نفسك، لا يعني أن تُلغي الآخرين، وإنما أن تضع حدودًا واضحة، وأن تعترف بأنك لست مسؤولًا عن إصلاح كل شيء، ولا عن احتمال كل شيء. هكذا، يتبدّى التجاوز كفعل ناضج، لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى تبرير. يكفي أن تعرف أنك حين تركت تلك المعركة، لم تكن تفرّ منها، بل كنت تعود إلى نفسك.
699
| 06 أبريل 2026
لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو مقطعٍ مبتور أو روايةٍ جاهزة تفسّر كل شيء بطريقة واحدة. ومع ما تعيشه دول الخليج هذه الأيام من اعتداءات مباشرة من إيران، لم تعد المشكلة في الحدث نفسه فحسب، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها للناس. بوضوح أكثر؛ نحن لا نواجه صواريخ فقط، بل نواجه سرديات. الإعلام الذي يكتفي بنقل ما يحدث دون تدقيق أو مساءلة، يساهم، من حيث يدري أو لا يدري، في تكريس رواية قد لا تكون دقيقة، أو قد تكون منحازة بالكامل. فكل خبر يُنشر هو اختيار، وكل عنوان هو توجيه، وكل كلمة تحمل زاوية نظر. وفي أوقات التوتر، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة مؤثرة جدًا في تشكيل المواقف. ما يحدث الآن مثال واضح. هناك اعتداءات، وهناك تهديد مباشر لأمن المنطقة، ومع ذلك تُطرح روايات تحاول إعادة تفسير المشهد على أنه “معركة من أجل القدس” أو “مواجهة مع العدو الحقيقي”، وكأن ما يجري لا يمسّ دول الخليج ولا يستهدف استقرارها. المشكلة ليست في هذه الروايات فقط، بل في أن بعض الأصوات العربية تكررها أو تنساق خلفها دون تمحيص، فتتحول الدعاية إلى ما يشبه الحقيقة المتداولة. هنا تظهر خطورة الإعلام غير المسؤول. حين يتم تجاهل الوقائع الأساسية، أو التقليل منها، أو إعادة ترتيبها بطريقة تخدم خطابًا معينًا، فإن النتيجة ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل تشويش حقيقي في وعي الناس. المتلقي العادي لا يملك دائمًا الوقت أو الأدوات ليفرز بين الروايات، فيكتفي بما يصله، خاصة إذا كان مكتوبًا بلغة مقنعة أو مدعومًا بمشاعر قوية. المسألة ليست معقدة كما تبدو. هناك واقع واضح؛ دول تتعرض لاعتداء، وشعوب تعيش قلقًا حقيقيًا، وأمن إقليمي مهدد. وفي المقابل، هناك خطاب يحاول نقل المعركة إلى مكان آخر، أو تبريرها بشعارات كبيرة لا علاقة لها بما يجري فعليًا على الأرض. هذا الخلط هو ما يجعل دور الإعلام أكثر حساسية في هذه المرحلة. المطلوب اليوم ليس خطابًا حماسيًا ولا ردودًا انفعالية، بل قدر من الوضوح. أن يُقال للناس ما يحدث كما هو، دون تزيين أو تبرير أو تضليل. وأن يُفرَّق بين القضايا العادلة، مثل قضية فلسطين، وبين استخدامها كغطاء لصراعات أخرى لا تخدمها بالضرورة. كما أن على الجمهور نفسه مسؤولية. ليس كل ما يُقال صحيحًا، وليس كل ما يُتداول يستحق التصديق. التحقق لم يعد ترفًا، بل ضرورة يومية، خاصة في زمن تُصنع فيه الروايات بسرعة، وتنتشر أسرع. في مثل هذه الظروف، لا يكون الإعلام مجرد مهنة، بل يصبح جزءًا من حماية الوعي العام. كلمة غير دقيقة قد تزرع شكًا، ورواية مضللة قد تغيّر موقفًا، وصمت عن حقيقة قد يفتح المجال لأكاذيب أكبر. ما نحتاجه الآن إعلام يعرف أين يقف، ويعرف ماذا يقول، ويعرف أيضًا ماذا يتجاهل. إعلام يضع الحقيقة أولًا، حتى لو كانت غير مريحة، ولا يسمح بتحويل القضايا الكبرى إلى أدوات تبرير لصراعات لا علاقة لها بها. لأن الخطر الحقيقي ليس فقط في ما يحدث حولنا، بل في الطريقة التي نفهم بها ما يحدث.
315
| 30 مارس 2026
أتى العيد هذه المرّة مثقلاً بشيء لا يُرى، كأن الهواء نفسه تعلّم أن يحمل الارتباك، وكأن الفرح اضطرّ أن يعيد ترتيب معناه قبل أن يطرق الأبواب. لا أحد يدخل هذا اليوم بالبراءة القديمة ذاتها، ولا أحد يملك ترف الاحتفال الخالص كما كان يحدث في سنوات مضت، ومع ذلك فإن شيئًا خفيًا يصرّ على البقاء، على أن يقول إن الفرح لا يُلغى، بل يتبدّل، ويتخذ لنفسه هيئة أخرى أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا. نفرح، نعم، ولكن بطبقة إضافية من الوعي، نفرح لأن الإيمان ما زال قادرًا على الوقوف في وجه كل هذا الجنون، ونكبّر لأن القلب يحتاج إلى ما يعلو فوق الخوف، ونرفع الدعاء لأن في الأرض جراحًا لا يكفيها التعاطف العابر، بل تحتاج إلى رحمة تلامسها من الداخل وتعيد ترتيب ما تكسّر، أو تمنحنا القدرة على احتماله. يصبح الدعاء في مثل هذه اللحظات فعلًا حقيقيًا، لا طقسًا عابرًا، ويغدو العيد مساحة لامتحان المعنى أكثر من كونه مناسبة للفرح العابر. وهذه السنة تحمل ما هو أبعد من التبدّل الشعوري، تحمل حدثًا يكاد يعجز العقل عن استيعابه، إذ يغيب صوت صلاة العيد في الأقصى للمرة الأولى منذ عقود طويلة، كأن قطعة من الروح تُنتزع من مكانها، وكأن فراغًا واسعًا يُفتح في ذاكرة الجماعة. وفي الجهة الأخرى، في الكويت وفي الخليج، لم تكن صلاة العيد بعيدة عن هذا الارتباك، كانت تقام بينما نسمع أصوات صفارات الإنذار، وتحلّق المسيّرات فوق الرؤوس كأنها تذكير دائم بأن الواقع لم ينسحب ولو لساعة واحدة. مشهد يكاد يبدو متناقضًا، مصلّون يرفعون التكبير، وأجهزة تنذر، وسماء مزدحمة بما لا يُرى، وخليط يضع الروح أمام اختبار غير مألوف، اختبار يعلّمنا كيف نُصلّي ونخاف في اللحظة ذاتها، وكيف نحافظ على تماسكنا من دون أن ننكر ما يحدث حولنا. وفي غزة، هناك عيد آخر يُكتب بملامح مختلفة تمامًا، عيد تُقاس فرحته بقدرة البيوت على البقاء، وبعدد القلوب التي ما زالت تنبض رغم كل ما مرّ عليها، عيد لا يطلب الكثير، يكفيه أن يتنفس أهله صباحًا من دون فاجعة جديدة، وأن يجدوا في الدعاء ما يسند يومهم ولو قليلًا. ومع ذلك، فإن هذا التداخل نفسه يكشف شيئًا عميقًا، يكشف أن الإيمان لا يحتاج إلى ظروف مثالية كي يظهر، وأن الفرح ليس حالة خارجية مكتملة الشروط، بل قرار داخلي يُصاغ رغم النقص. يتعلّم المرء هنا أن الفرح ليس نقيض الحزن، بل رفيقه في أحيان كثيرة، وأن القدرة على الابتسام لا تعني غياب الألم، بل تعني القدرة على حمله من دون أن يتحوّل إلى سيطرة كاملة. هذا العيد يقدّم درسًا صعبًا، ولكنه صادق، درس في إعادة تعريف ما نعتبره بدهيًا. تبدو التفاصيل الصغيرة أكثر وضوحًا في مثل هذه الأيام، سلام عابر يتحوّل إلى معنى كبير، دعاء قصير يحمل ثقلًا غير متوقّع، نظرة صامتة تختصر كثيرًا من الكلام، وتتراجع المظاهر إلى الخلف، وتقترب المعاني من سطح التجربة، ويصبح العيد أقرب إلى لحظة تأمّل جماعية، لا احتفالًا صاخبًا، وكل شيء يميل إلى البساطة، ولكنها بساطة محمّلة بوعي كثيف. وهنا تتغيّر أيضًا وظيفة الذاكرة، إذ لا يعود العيد مجرد استعادة لما كان، بل يصبح مساحة لمساءلة ما سيكون، سؤال مفتوح عن قدرة هذا العالم على أن يتعافى، وعن حدود ما يمكن احتماله، ومع كل ذلك يظل الدعاء حاضرًا كخيط دقيق يربط بين الممكن والمأمول، كأن الكلمات المرفوعة إلى السماء تحاول أن تعيد ترتيب الأرض بطريقة ما. اللهم اجعل هذا العيد سكينة على القلوب، وأمنًا للأوطان، وفرجًا لكل من أثقلته الحرب، واجعل هذا التناقض الذي نعيشه اليوم طريقًا لفهم أعمق، لا مجرد عبور عابر، ففي مثل هذه اللحظات لا يُقاس العيد بما يُرى، بل بما يبقى في الداخل، بما ينجح في الصمود، وبما يرفض أن ينطفئ مهما تغيّرت الظروف.
393
| 23 مارس 2026
عندما نعيش الحرب كحقيقة نكتشف أن الزمن ليس تلك الأرقام المعلقة على جدار الغرفة، ولا تلك العقارب التي تدور ببرود فوق وجه الساعة. الزمن في مثل هذه الأيام كائن حيّ يقترب ويبتعد ويضيق ويتّسع وفق ما يعتمل في القلب من قلق وترقّب. تمرّ الدقيقة نفسها التي كانت تمرّ دائمًا، ومع ذلك يشعر المرء بأن لها وزنًا مختلفًا، كأنها تحمل خبرًا خفيًا لا يُقال بعد. الأيام التي تعبر بمحاذاة الحرب تعيد ترتيب علاقتنا بالوقت على نحو خفي. يمدّ الليل أطرافه أطول مما اعتدنا، لأن الأخبار لا تنام مبكرًا، ولأن الهاتف الموضوع إلى جانب الوسادة يتحول إلى نافذة مفتوحة على احتمالات كثيرة. يمدّ المرء يده إليه مرات متتابعة، يقرأ عنوانًا عاجلًا، يتأمل خريطة صغيرة تومض على الشاشة، ثم يعيد الهاتف إلى مكانه، لكنه لا ينجح في إعادة قلبه إلى الطمأنينة نفسها التي كان يعرفها قبل ساعات. وفي الصباح، لا يحدث الاستيقاظ بالطريقة التي اعتدناها. لا ينهض المرء لأن النوم اكتمل، بل لأن سؤالًا صغيرًا يلحّ في داخله؛ ماذا جرى أثناء الليل؟ وهكذا يبدأ النهار بزيارة سريعة إلى الأخبار قبل أن يبدأ إلى أي شيء آخر. يقرأ بضعة أسطر، وقد يشعر أن يومه كله تغيّر لمجرد خبر واحد. والمفارقة أن الزمن في هذه الأثناء يسير بطريقتين مختلفتين. الأخبار تتلاحق بسرعة تكاد تربك الوعي؛ تصريح يتبعه تصريح، وخريطة تتبدل حدودها في دقائق، وصورة تأتي بعدها أخرى. ومع ذلك يبدو الوقت في الحياة اليومية أثقل مما كان. المدينة نفسها تمشي ببطء حذر، وكأنها تصغي إلى ما يجري خارج حدودها. الشوارع أقل صخبًا، والحديث بين الأصدقاء يأخذ منحى آخر، إذ يدخل اسم الحرب إلى الجملة مهما حاولوا الابتعاد عنه. وهنا نبدأ بملاحظة أمر لم نكن نلتفت إليه في الأيام العادية؛ الأمان هو الذي يجعل الزمن خفيفًا. حين يطمئن القلب تمرّ الساعات كأنها نسيم عابر، فلا يفكر أحد كثيرًا في عددها. أما حين يقترب الخطر، ولو من بعيد، فإن كل ساعة تصبح مرئية. يراقب المرء عقارب الساعة كما لو أنه يراقب نبضًا شخصيًا، ويتساءل بين لحظة وأخرى عمّا سيحمله الوقت التالي. في هذه اللحظات الصغيرة، يتغير إدراك الحياة نفسها. نتباطأ قليلًا، ونصغي أكثر إلى التفاصيل التي كنا نعبرها سريعًا. فنجان القهوة يكتسب معنى آخر، والمكالمة القصيرة مع صديق تصبح نوعًا من الطمأنينة المتبادلة، والهدوء الذي يمرّ بين خبرين يبدو كهدية مؤقتة ينبغي استقبالها بامتنان. الحرب تغيّر خرائط الأرض، غير أنها تفعل أمرًا آخر أكثر خفاء. تغيّر الإيقاع الداخلي لنا، وتجعلنا نرى الزمن بعين جديدة. نكتشف فجأة أن الأيام التي كانت تمرّ عادية كانت تحمل في داخلها نعمة لم ننتبه إليها كثيرًا. وحين تهدأ الأخبار قليلًا، ويستعيد الليل هدوءه القديم، ندرك أن أبسط لحظة من الطمأنينة قد تكون أثمن مما تخيّل يومًا.
363
| 16 مارس 2026
لم يكن الغياب طويلاً في حساب الزمن، أسبوع واحد فحسب، غير أنّه بدا في القلب أطول بكثير. كأنّ الأيام الرمضانية التي مضت من دون صلاة التراويح في المساجد كانت تمتدّ ببطء، وتترك في الروح فراغاً خفيفاً لكنه محسوس، فراغاً يشبه مقعداً اعتدنا الجلوس عليه كل ليلة ثم وجدناه فجأة خالياً. السبب كان أمنياً محضاً، والصواريخ التي تتبادلها الحروب في سماء المنطقة لا تعبأ بتفاصيل الحياة الصغيرة التي يعيشها الناس. ومع ذلك فإن تلك التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الطمأنينة اليومية. فالمرء حين يسمع أخبار الحرب من بعيد يتخيّل الدمار والخراب، غير أنّه قلّما ينتبه إلى تلك الأشياء البسيطة التي تتعطّل فجأة؛ صلاة جماعة، طريق يختصر المسافة إلى المسجد، باب يفتح بعد الإفطار فتخرج منه العائلات نحو نور المآذن. لهذا بدا الأسبوع الماضي كأنه تجربة صغيرة في الفقد. لم يكن أحد يتحدث عن الأمر بوصفه خسارة كبرى، فالحمد لله أن الخطر لم يصل إلينا، غير أن القلب يعرف طريقه إلى المقارنات الدقيقة. حين يغيب أمر اعتدناه، ندرك كم كان جزءاً من إيقاع أيامنا. في ليالي رمضان الماضية اعتاد الناس أن يتدفّقوا بعد صلاة العشاء نحو المساجد، يحملون هدوءهم وأدعيتهم وأحلامهم الصغيرة. وجوه يعرف بعضها بعضاً، وأخرى تلتقي من غير موعد ثم تتبادل ابتسامة عابرة. الصفوف تمتدّ بهدوء، وصوت الإمام ينساب في المكان، فيشعر المرء أن الليل نفسه يلين قليلاً. ثم توقّف ذلك فجأة. المساجد بقيت صامتة بعد العشاء، والمصلّون أدّوا التراويح في بيوتهم، وكل شيء جرى بسلام. ومع ذلك بقي شعور خفيّ يمرّ في القلب كل مساء: شيء من النقص الذي لا يُرى بسهولة لكنه يُحسّ بوضوح. فالعبادات الجماعية لا تمنح المرء ثوابها وحسب، بل تمنحه أيضاً شعور الانتماء إلى نسيج بشريّ واسع، شعور أن الدعاء حين يرتفع من عشرات القلوب في وقت واحد يخلق حول المكان هالة من السكينة. ولهذا حين تُسحب هذه اللحظة من الحياة اليومية يشعر المرء أن الليل فقد شيئاً من معناه. وفي الليلة التي أُعلن فيها عن عودة الصلاة في المساجد في الكويت، بدا الأمر بسيطاً في ظاهره، كأنه استئناف لعادة عادية. غير أنّ الطريق إلى مسجد منطقتنا، «مسجد عامر بن شرحبيل الشعبي» في الجهراء، كان يحمل نبرة مختلفة. المصلّون يسيرون بخطوات هادئة، وكل واحد منهم يعرف في داخله أن هذه الخطوات نفسها نعمة. الأبواب التي فُتحت، والسجاد الذي عاد يستقبل الصفوف، والأذان الذي يعلو في المئذنة، كل ذلك بدا مألوفاً جداً، ومع ذلك كان مشبعاً بإحساس جديد. كأنّ المرء يرى المشهد ذاته بعين أخرى. فالنعمة حين تحضر باستمرار قد تمرّ من أمامنا في صمت، أما حين تغيب قليلاً فإنها تعود إلينا مضيئة. وقف المصلون والمصليات، كل في القسم الخاص به، في الصفوف، ثم تتابعت الصفوف خلفهم، وانطلق صوت الإمام يقرأ القرآن في هدوء. عند تلك اللحظة شعر كثيرون بأنهم يستعيدون جزءاً من حياتهم اليومية، جزءاً لم ينتبهوا إلى قيمته إلا حين ابتعد عنهم قليلاً. هكذا تذكّرنا أن الطمأنينة ليست مفهوماً كبيراً فحسب، بل هي أيضاً تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم: باب مسجد مفتوح، ومصافحة بعد الصلاة، وهدوء يسكن القلب وهو ينصت إلى آيات تتردد في ليل رمضان. والمرء يعيش بين هذه النعم في الغالب من غير أن يلتفت إليها طويلاً. فالحياة تمضي بسرعة، والعادات اليومية تتحوّل إلى ما يشبه الخلفية الصامتة لأيامنا. غير أنّ تجربة قصيرة كهذه تعيد ترتيب الإحساس بالأشياء. أسبوع واحد كان كافياً لكي ندرك كم أن الطريق إلى المسجد جزء من سلامنا الداخلي. وحين انتهت الصلاة في تلك الليلة، خرج الناس بهدوء كما اعتادوا، غير أنّ وجوههم، كما شعرت، كانت تحمل ابتسامة خفيفة، ابتسامة من يعرف أنه استعاد شيئاً عزيزاً كان قريباً جداً منه. وربما كان الدرس الأجمل في هذه الأيام القليلة أن النعم لا تحتاج دائماً إلى غياب طويل لكي نتعلّم رؤيتها، يكفي أحياناً أن تبتعد خطوة واحدة، ثم تعود، فنستقبلها بقلب أكثر يقظة. الحمدلله.
324
| 09 مارس 2026
﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ آية قصيرة في مبناها واسعة في معناها، تتسلل إلى القلب كما يتسلل الضوء إلى غرفة أُغلقت طويلاً، فتوقظ في المرء إحساسًا خفيًا بأن الحياة لم تُخلق لتكون حلبة اختبار دائمة، ولا ساحة عقاب مفتوح، وإنما ممر رحيم يعبره بخطى متدرجة، يتعلم ويتعثر ويستعيد توازنه ثم يمضي. كلما تأملت هذه الآية شعرت أن الخطاب فيها حميمي، كأنه يلامس كتف المتعب ويقول له إن التكليف في جوهره تيسير، وإن الشريعة في أصلها رفق، وإن الله الذي خلق هذا القلب أدرى بما يثقله وما يخففه. اليسر هنا ليس ترخيصًا عابرًا، ولا تنازلاً مؤقتًا، وإنما هو فلسفة كاملة في النظر إلى العبادة وإلى الحياة معًا. فالصوم الذي نمارسه كل عام في رمضان لا يُفرض على المريض، والمسافر يُؤذن له أن يؤجل، والضعف يُراعى، والنسيان يُعفى عنه، والخطأ يُغفر بالتوبة. كأن الآية ترسم حدود العلاقة بين السماء والأرض، فتقول إن الله لا يطلب من عباده ما ينهكهم، وإنما ما يزكيهم. غير أن ما يلفتني في الآية ليس بعدها الفقهي وحده، وإنما بعدها النفسي أيضًا. كم من شخص يحمّل نفسه أعباء إضافية باسم الدين، ويمارس على روحه قسوة لم يطلبها الله منه، ويظن أن المشقة غاية، وأن الألم دليل صدق، وأن الطريق إلى الله مفروش بالأشواك حصراً. بينما الآية تعيد ترتيب هذا التصور كله، وتهمس بأن القصد هو الطمأنينة، وأن اليسر ليس استثناءً بل أصل. وحين ننظر إلى حياتنا اليومية نجد أننا نختبر هذه المعادلة باستمرار. أمٌ تسهر على طفلها المريض، وتظن أنها مقصّرة لأنها لم تُكمل وِردها اليومي من القرآن الكريم، وموظف يجلد ذاته لأنه لم ينجز فوق طاقته، وزوجة تخاف أن تعترف بتعبها كي لا تُتهم بالضعف. هؤلاء جميعًا يحتاجون إلى أن يسمعوا الآية كما لو أنها قيلت لهم وحدهم. يريد الله بكم اليسر، أي أنه يعلم حدود الجسد وحدود الروح، ويعلم أن الإرهاق لا يصنع فضيلة، وأن الاعتدال هو الطريق الأقرب إلى الثبات. وهنا يتقاطع معنى اليسر مع معنى العدل، فالعدل أن يُخاطَب المرء بما يستطيع، وأن يُحاسَب على ما يملك، وأن يُعطى فسحة حين تضيق به السبل. والعسر في الآية ليس مجرد مشقة عابرة، وإنما تضييق دائم، واختناق في الروح، وإحساس بأن الحياة فخ محكم. لذلك جاء النفي قاطعًا، ولا يريد بكم العسر، وكأن العسر غريب عن جوهر الرسالة، طارئ على مقاصدها. وقد تأملت كثيرًا كيف تتجلى هذه الآية في تفاصيل صغيرة، في رخصة المسح على الجبيرة، وفي سقوط بعض الواجبات عن العاجز، وفي فتح باب التوبة على مصراعيه مهما تعاظم الخطأ. كل ذلك يشير إلى أن العلاقة مع الله ليست عقدًا صارمًا بين سيد وعبد، وإنما صلة رحمة، ومساحة أمان، ونداء دائم إلى التوازن. ولعل أجمل ما في هذه الآية أنها تعيد للمرء ثقته بربه وبنفسه معًا، فتقول له إن الطريق إليه ليس متاهة، وإن العبادة ليست امتحانًا دائم الرسوب، وإن السقوط لا يلغي المحاولة. وهي في الوقت نفسه تضع مسؤولية أخلاقية علينا، فكما أراد الله لنا اليسر، ينبغي أن نريده لبعضنا، في الأسرة والعمل والمجتمع، وأن نكف عن تحويل الحياة إلى سباق مرهق لإثبات الاستحقاق. أقرأ الآية فأشعر أنها ترفع عن كتفي شيئًا خفيًا، وتدعوني إلى أن أكون أكثر رفقًا بنفسي وبالآخرين، وأن أفهم الدين بوصفه مساحة حياة لا عبئًا إضافيًا. وحين أستعيدها في لحظات التعثر أجدها تقول لي إن الطريق مهما طال يظل ممهورًا بالرحمة، وإن الله الذي أراد بنا اليسر لا يتركنا أسرى للعسر، ما دمنا نسعى ونتعثر ونعود.
426
| 02 مارس 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها من الخوف، إلا بعد أن كبرتُ واكتشفتُ أن بعض الظلال كانت تمشي معنا ثم تغيب فجأة، تاركةً في أرواحنا ضوءها الطويل. كان عمّي أول من أخذ بيدي إلى القرآن، لا بوصفه كتابًا نحفظه لننجو من اختبار، بل بوصفه حياةً نحتمي بها حين تضيق الحياة. كان يجلس إلى جواري بصبرٍ لا يشبه إلا الآباء، يصحّح مخارج الحروف كما لو أنه يعيد ترتيب قلبي، ويبتسم كلما أخطأتُ، كأن الخطأ نفسه فرصةٌ جديدة كي يربّت على روحي لا على لساني فقط. لم يكن يعلّمني كيف أقرأ الآيات، بل كيف أسكن إليها، وكيف أجعل من التلاوة مأوى حين تتشظّى الأيام. في مرات نادرة كان يحلو له أن يوصلنا إلى المدرسة، وفي الطريق، كانت السيارة تتحوّل إلى فصلٍ صغيرٍ من الطمأنينة؛ يسألنا عن سورةٍ قصيرة، أو عن دعاءٍ نحفظه قبل النوم، أو عن معنى آيةٍ سمعناها البارحة، ثم يضحك حين نتلعثم، ويعيد السؤال بطريقةٍ تجعل المعرفة لعبةً لا واجبًا. لم يكن الطريق طويلًا، لكنه كان يكفي ليزرع فينا شيئًا لا يذبل، شيئًا ظلّ يكبر معنا من دون أن نشعر، حتى صرنا نحمل أسئلته معنا كلما مشينا وحدنا في طرقٍ أكبر من طفولتنا. علّمني الصلاة وأنا في السادسة من عمري كما لو أنه يسلّمني مفتاحًا سريًا للحياة؛ وقف إلى جواري، بعد أن صحّح وقوفي، همس بالتكبير، ثم تركني أكتشف وحدي أن الطمأنينة التي تغمرني وأنا أرفع يديّ ليست سوى أثر يده التي دلّتني إلى الطريق. كبرتُ، وكبرت معي تلك الطقوس الصغيرة، وصرتُ كلما وقفتُ للصلاة أشعر أن بيني وبينه مسافةً من دعاء لا تنقطع. كان أيضًا ملاذي حين أشعر بأن العالم أوسع من قدرتي على الاحتمال. أذكر جيدًا ذلك اليوم عندما كنت في الصف الأول المتوسط، حين وقفتُ مرتبكة أمام إبرة التطريز، عاجزةً عن التعامل معها كما يجب، فانهالت عليّ معلمة التدبير المنزلي بعقابٍ لم أفهم قسوته بقدر ما شعرتُ بإهانته، صفعتني على وجهي وهو عقاب لم أعتده أبداً. عدتُ يومها منكفئة الروح، أحمل في صدري خوفًا مفاجئاً من المدرسة التي أحبها. في صباح اليوم التالي، جاء عمّي معي، لم يكتفِ بأن يسمع حكايتي ويصدقها، بل حملها معه إلى المدرسة كما لو أنها قضيته الشخصية الكبرى؛ وقف بغضب أمام الإدارة والمعلمة، وتحدّث بصوتٍ عالٍ لم أعهده، وعنف المعلمة حتى أجبرها أن تعتذر لي أمام الفصل كله. يومها فقط فهمتُ أن الأمان قد يأتي في هيئة رجلٍ يعرف كيف يردّ عنك الأذى، لا بالصراخ، بل بالعدل؛ وأن الكرامة يمكن أن تُستعاد حين يجد المرء من يؤمن بأنه لا يستحق أن يُهان. لم أكن أعرف أن تلك اللحظات العابرة، التي بدت يومًا جزءًا عاديًا من صباحاتنا، كانت تبني في داخلي يقينًا سيبقى بعد أن يغيب. لم أكن أعرف أن صوته وهو يتهجّى معي آية، سيبقى يتردّد في ذاكرتي كلما قرأتُ وحدي، وأن ابتسامته وهو يسمعني أتمّ سورةً للمرة الأولى، سترافقني كلما حاولتُ أن أبدأ من جديد. اليوم، لا أرثي رجلًا رحل، بل أرثي زمنًا كان فيه الإيمان يأتي بصوتٍ أعرفه، وطمأنينة تمشي إلى جواري في هيئة عمّ. أرثي تلك اليد التي كانت تأخذ طفولتي إلى الله برفق، وتعيدها إليّ أكثر اتساعًا ونقاء. رحل عمّي، لكن القرآن الذي علّمني إياه ما زال يفتح لي أبوابه كلما أغلقت الدنيا نوافذها، والصلاة التي أرشدني إليها ما زالت تمدّ لي جسور النجاة كلما تعثّرتُ في الطريق. رحل، لكن الطريق إلى المدرسة ما زال طويلًا في داخلي، وما زالت أسئلته الصغيرة تتردّد في ذاكرتي، كأنها تريد أن تطمئن أنني لم أنسَ الدرس. سلامٌ عليه في الغياب كما كان سلامًا في الحضور، ورحمةٌ تليق بقلبٍ أمضى عمره يزرع النور في طرقات الآخرين، ثم مضى هادئًا كما يمضي الدعاء بعد أن يقال.
729
| 23 فبراير 2026
يحدث أحيانًا أن يتأخر العالم كله خطوةً واحدة، كي يفسح المجال لقلبٍ قرر أن يمضي. ليس لأن الطريق معبّد، ولا لأن المصادفات تتواطأ مع الرغبات، وإنما لأن المرء حين يصغي بصدق إلى نداء داخله، تتبدل علاقته بالأشياء، فيرى العثرة امتحانًا، ويرى الانتظار تربيةً خفية للإرادة، ويرى في المسافة الطويلة مساحةً يختبر فيها صلابته وحنانه معًا. القلوب لا تتكلم بصوت مرتفع، لكنها تعرف كيف تُلحّ. تضع في صدر صاحبها فكرة صغيرة، وتتركه يفاوضها أيامًا وسنوات، ثم تعود فتطرق عليه من جديد، حتى يفهم أن المراوغة لن تنقذه من قدره الشخصي. كثيرون يختارون السلامة، يلوذون بما اعتادوه، ويبررون تراجعهم بحكمةٍ باردة، بينما في أعماقهم حلمٌ يشيخ قبل أن يولد. وقليلون أولئك الذين يقبلون التحدي، فيصافحون خوفهم، ويمضون. ليس الطريق إلى الحلم مستقيمًا كما تتخيله الكتب التحفيزية، ولا هو معركة بطولية صافية. هو حياة كاملة تتخللها التفاصيل الصغيرة، والالتزامات اليومية، والشكوك التي تزور المرء في الليل. وهو صبر يتكرر كل صباح، وصبر يتجدد كلما تعثرت الخطى. الصبر هنا ليس انتظارًا سلبيًا، بل فعل مقاومة هادئ، مقاومة للتعب، ولإغراء التراجع، ولأصوات الآخرين حين يطالبونك بأن تكون نسخة مألوفة منهم. حين يصدق المرء نداء قلبه، تتغير زاوية النظر. يرى في كل عائق درسًا، وفي كل خسارة تدريبًا، وفي كل تأخير اختبارًا لصدق الرغبة. يتعلم أن الأحلام لا تُمنح لمن يتغنى بها، وإنما لمن يخدمها يومًا بعد يوم، ومن دون ضجيج داخلي، ومن دون إعلان متكرر عن نواياه. الحلم كائن حساس، يحتاج إلى عناية، وإلى صبر طويل، وإلى قدرة على الاحتمال. وما يبدو مستحيلًا من الخارج، يذوب تدريجيًا أمام إصرار هادئ. المستحيل ليس صخرةً صماء، بل فكرة متضخمة في الذهن. حين يقترب المرء منها، يكتشف أن لها شقوقًا، وأن بالإمكان تسلقها خطوة بعد أخرى. تنحني المستحيلات أمام من يعرف ما يريد، وأمام من يقبل أن يدفع الثمن، وأمام من يتصالح مع بطء النتائج. غير أن المسألة لا تتعلق بتحقيق حلم وحسب، وإنما بتحول داخلي عميق. فالحلم الذي يتحقق بعد صبر طويل، يترك في صاحبه أثرًا مختلفًا. يجعله أكثر اتساعًا، وأكثر فهمًا لمعنى الجهد، وأكثر رحمة بمن ما زالوا في بداية الطريق. وحين تمشي الأحلام في وضح النهار، لا تكون مجرد إنجاز شخصي، بل شهادة على أن الإرادة قادرة على إعادة تشكيل المصير. هناك لحظة فارقة في كل تجربة صادقة، لحظة يدرك فيها المرء أنه لم يعد يركض خلف حلمه، بل صار الحلم يسير معه. عندها يهدأ القلق، ويستقر اليقين، ويصبح النجاح نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل. يتحول الهمس البعيد الذي كان يسكن الخيال إلى واقع ملموس، وإلى تفاصيل يومية، وإلى مسؤولية جديدة. الصدق مع القلب ليس رفاهية عاطفية، بل قرار أخلاقي أيضًا. هو انحياز إلى ما نؤمن به، وإلى ما يمنح حياتنا معناها الخاص. وهو شجاعة في مواجهة التوقعات الاجتماعية التي تحاصر الفرد بقوالب جاهزة. كل مرة يختار فيها المرء صوته الداخلي، يحرر جزءًا من روحه، ويؤكد أن الحياة تستحق أن تُعاش بامتلاء. قد يطول الطريق، وقد تتعثر الخطى، وقد يظن المرء أحيانًا أن الحلم ابتعد، غير أن الإصرار الصادق يعيد ترتيب المسافات. ما كان بعيدًا يقترب، وما كان خافتًا يتضح، وما كان حلمًا يصبح خبرة معاشة. وحين ينظر المرء خلفه، يبتسم لذلك القلب الذي ألحّ، ولتلك الخطوة الأولى التي بدت صغيرة، فإذا بها تفتح دربًا كاملًا.هكذا تتحول الأحلام من همسٍ في العتمة إلى حقيقة تمشي معنا في وضح النهار، وهكذا يتعلم المرء أن الإصغاء إلى قلبه ليس مخاطرة عابرة، بل هو الطريق الوحيد كي يحيا حياة تليق به.
507
| 18 فبراير 2026
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
3771
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
3339
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
1203
| 05 مايو 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
831
| 03 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
816
| 07 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
711
| 05 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
711
| 07 مايو 2026
تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...
516
| 03 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
498
| 04 مايو 2026
كعادتي دائما ما أختار موضوع مقال يخص مجتمعنا...
492
| 04 مايو 2026
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...
471
| 01 مايو 2026
لم تعد المنطقة تُفهم اليوم عبر ثنائية الحرب...
429
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية