رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
540
| 12 أكتوبر 2026
أقسى ما يفعله الغياب أنه لا يأخذ الأشخاص وحدهم؛ يأخذ النسخة منّا التي كانت تضحك حين كانوا هنا. نكتشف هذه الحقيقة متأخرين، غالبا بعد أن تهدأ الأيام الأولى للفقد، وبعد أن يعود البيت إلى ترتيب أشيائه المعتاد، وتعود المواعيد إلى انتظامها، وتصبح أسماء الغائبين أقل حضورا في الأحاديث. عندها فقط نلاحظ شيئا أكثر خفاء: نحن أيضا تغيرنا. هناك ضحكة كانت تسكننا واختفت، وخفة كانت تأتي بسهولة ثم صارت تحتاج إلى مناسبة، وشيء صغير في الروح كان يستجيب للحياة بسرعة، صار يتأخر كثيرا. حين يغيب شخص نحبه، نفكر عادة في الأشياء التي أخذها معه: صوته، حضوره، طريقته في الكلام، عاداته التي كنا نتذمر منها ثم اكتشفنا قيمتها بعد رحيله. نتذكر كرسيه، رسائله، رقمه في الهاتف، وربما نحتفظ بصورة له أكثر مما نحتفظ بصورنا نحن. لكن ما يغيب عن انتباهنا أن بعض الأشخاص كانوا يصنعون نسخة خاصة منا. نسخة لا تظهر مع الجميع، ولا يعرفها الجميع، وربما لم نكن نعرفها نحن إلا بقربهم. هناك أشخاص يجعلوننا أكثر عفوية، وأكثر قدرة على الضحك من أشياء صغيرة، وعلى الحديث ساعات في تفاصيل لا قيمة لها خارج علاقتنا بهم. معهم نتصرف كما لو أن الحياة أقل تعقيدا مما نعرفها عادة. وحين يرحلون، لا نفقد الرفقة وحدها، وإنما نفقد السياق الذي كان يسمح لتلك النسخة منا أن تظهر. لهذا قد نسمع نكتة بعد رحيل شخص عزيز فنبتسم، ثم نتوقف فجأة. نعرف أن النكتة كانت ستضحكه، وأننا كنا سنلتفت إليه تلقائيا، وأن تعليقًا واحدا منه كان سيجعل الحكاية أكثر طرافة. نضحك أحيانا، لكن الضحكة نفسها تبدو غريبة، كأنها خرجت من مكان قديم فينا ثم لم تجد صاحبها. وهنا يصبح الغياب تجربة تخصنا نحن أيضا. الشخص الذي رحل ترك وراءه فراغا، لكن الفراغ لا يجلس في مكان واحد. يتمدد في تفاصيل كثيرة: في فنجان القهوة الذي كان له طقس خاص، في أغنية مرتبطة بمشوار قديم، في مطعم اعتدنا أن نذهب إليه، في كلمة كان يستخدمها بطريقة مضحكة، وفي خبر صغير كنا نرسله إليه من دون تفكير. الأشياء التي تبدو عادية للآخرين قد تصبح عندنا مفاتيح لأبواب مغلقة. وربما لهذا السبب يحتاج الحزن إلى وقت أطول مما نتوقع. نحن لا نتعلم كيف نعيش من دون الشخص فقط، وإنما نتعلم كيف نعيش من دون أنفسنا القديمة التي كانت موجودة معه. نعيد توزيع عاداتنا، ونكتشف طرقا جديدة لقضاء الوقت، ونعتاد أن نقول لأنفسنا ما كنا نقوله له. وقد نضطر إلى اكتشاف اهتمامات نسيناها، وأصدقاء ابتعدنا عنهم، وأماكن لم نعد نذهب إليها، لأن الشخص الذي كان يمنحها معناها لم يعد هناك. ومع ذلك، لا تختفي تلك النسخة منا تماما. ربما تتوارى فقط، ثم تعود على هيئة مفاجأة صغيرة. نسمع أغنية فنضحك بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها معه. نقول جملة كان يحبها، أو نستخدم تعبيرا كان يسخر منه، أو نحكي قصة عنه لشخص أصغر سنا لم يعرفه. وفجأة نشعر أن شيئا منه ما زال يعمل فينا. كأن العلاقة، بعد أن انتهت صورتها اليومية، وجدت لنفسها شكلا آخر من البقاء. وهذا أحد أجمل ما يمكن أن يفعله الحب بنا بعد الغياب: أن يترك فينا قدرة لا نعرف مصدرها. ربما نضحك يوما بالطريقة التي كان يحبها، وربما نتصالح مع شيء كان يراه بسيطا ونحن كنا نعقده، وربما نمنح أحدا آخر تلك الطمأنينة التي منحنا إياها ذات مرة. عندها يصبح ما أخذه الغياب جزءا مما تركه أيضا. أفكر أحيانا أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا كي يبقوا فيها إلى الأبد، وإنما كي يفتحوا لنا بابا إلى أنفسنا. نعرف معهم كيف يمكن أن نكون أخف، وأصدق، وأكثر تلقائية. ثم يأتي الفراق، فنظل نبحث عن تلك النسخة التي عرفناها معهم. وقد نقضي وقتا طويلا في البحث عنها في الآخرين، مع أنها كانت لنا منذ البداية. ربما كل ما نحتاجه هو أن نفهم أن استعادة تلك النسخة لا تعني خيانة الغائب، وأن الضحك بعده لا يعني أننا نسيناه. للحزن حقه، وللذاكرة حقها، وللحياة أيضا حقها في أن تستمر. نحن لا نكرم من أحببناهم بأن نحول بقية أعمارنا إلى مقعد انتظار، وإنما بأن نحمل ما منحونا إياه إلى الأيام التالية. فإذا كان الغياب قد أخذ منا النسخة التي كانت تضحك حين كانوا هنا، فلعل أجمل ما نستطيع فعله أن نعيد إليها الحياة، لا كي ننسى أصحابها، وإنما لأنهم كانوا يحبون تلك النسخة منا أيضا. وربما، في لحظة ما، سنضحك فجأة من قلبنا، ثم نسكت قليلا لأننا تذكرناهم. سنبتسم. وهذه المرة لن نشعر بالذنب.
339
| 05 أكتوبر 2026
العلاقات التي تقوم على الانتقاء المزاجي، علاقات قصيرة النفس، مهما طالت ظاهريا. فقد يستمر شخصان في معرفة بعضهما سنوات، ويتبادلان الرسائل والزيارات والمناسبات، وتبقى بينهما صورة اجتماعية توحي بأن العلاقة راسخة، بينما يعرف كل واحد منهما في داخله أن الآخر لا يحضر إلا حين يناسبه حضوره. هناك من يفتح باب العلاقة حين يكون في حاجة إلى الصحبة، ويغلقه حين تتغير حالته النفسية. يقترب حين يريد أن يتحدث، ويختفي حين يحتاج الآخر إلى أن يتحدث. يتذكر صديقه عندما يشعر بالوحدة، وينساه عندما تمتلئ أيامه بالآخرين. يشاركك فرحه حين يكون الفرح متاحا له، ثم لا يجد مكانا لك عندما تضيق به الحياة. ومع تكرار هذا السلوك، تصبح العلاقة شبيهة بمقعد في غرفة انتظار: نعود إليه حين نحتاج إلى الراحة، ونغادره حين نجد ما يشغلنا. المشكلة هنا ليست في أن تكون للإنسان حالاته ومزاجه ومساحته الخاصة. كلنا نحتاج إلى العزلة أحيانا، ونحتاج إلى أن نغلق هواتفنا وأن نؤجل لقاءاتنا وأن نكون أقل قدرة على الكلام. العلاقة الناضجة تتسع لهذا كله. الفرق يكمن في أن المزاج يصبح في بعض العلاقات قانونا وحيدا يحكم القرب والابتعاد، فتتحول مشاعر الطرف الآخر إلى شيء تابع للحالة النفسية لصاحبها. أعرف أشخاصا لا يتصلون بأصدقائهم إلا عندما يكونون في مزاج جيد، لأنهم يريدون من الآخرين أن يشاركوهم خفتهم وفرحهم. وحين يقع أحد أصدقائهم في مشكلة، تتغير اللغة فجأة، ويصبح الوقت غير مناسب، وتظهر الأعذار التي كانت غائبة تماما عندما كان الحديث عن مناسبة ممتعة أو سفر أو عشاء أو مشروع جديد. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أحيانا ما تعجز سنوات كاملة من المعرفة عن إخفائه. العلاقة الحقيقية تظهر في الأيام العادية أكثر مما تظهر في المناسبات. تظهر عندما لا يكون لدى أحد الطرفين خبر مهم، ولا صورة جديدة، ولا دعوة، ولا مصلحة. تظهر في السؤال الذي يأتي من دون سبب، وفي تذكر موعد يعرف صاحبه أنه مهم، وفي الجلوس إلى جوار شخص يمر بيوم ثقيل من دون محاولة سريعة لإصلاح مزاجه. وتظهر كذلك في احترام المسافة حين يطلبها الآخر، من دون تحويلها إلى عقوبة أو ابتزاز عاطفي. ولعل أكثر ما يرهق العلاقات أن يصبح أحد طرفيها دائما في موقع الانتظار. ينتظر اتصالا عندما يتحسن مزاج صديقه، وانتباها عندما ينتهي الآخر من مشاغله، وموعدا عندما تسمح له ظروفه، ثم يبدأ شيئا فشيئا في مراجعة نفسه: هل قلت شيئا أزعجه؟ هل أخطأت؟ هل تغيرت مشاعره نحوي؟ بينما قد تكون الإجابة أبسط وأقسى: أنت حاضر في حياته بالقدر الذي يسمح به مزاجه، وليس بالقدر الذي تستحقه العلاقة. هناك فرق كبير بين شخص يحتاج إلى مساحة، وشخص لا يمنحك حضورا إلا عندما يحتاج إليك. الأول يعرف قيمة العلاقة ويحاول حمايتها من ضغطه الشخصي، والثاني يجعل العلاقة رهينة لراحته. الأول قد يغيب، لكنه يعرف كيف يعود ويحفظ مكانك في الغياب. والثاني يعود وكأن شيئا لم يحدث، ويتوقع منك أن تستأنف العلاقة من النقطة التي تركها فيها. ومع مرور السنوات، نتعلم أن طول العلاقة لا يعني بالضرورة عمقها. بعض العلاقات تعيش طويلا لأن أحد الطرفين ظل يتنازل عن حاجته إلى المعاملة المتبادلة، أو لأن العادة أقوى من السؤال، أو لأن التاريخ المشترك يمنحها شكلا من الاستمرار. وقد يكون الإنسان قادرا على الاحتفاظ بشخص في حياته سنوات، مع أنه لا يمنحه في الحقيقة سوى فتات الوقت والانتباه. العلاقات التي تستحق البقاء تحتاج إلى قدر من الاستمرارية، لا إلى حضور دائم. تحتاج إلى مرونة تسمح لكل طرف بأن يمر بأيامه الصعبة من دون أن يخسر الآخر، وإلى قدر من العدالة العاطفية يجعل السؤال متبادلا، والاهتمام متبادلا، والغياب مفهوما من الطرفين. نحن لا نحتاج أصدقاء متاحين طوال الوقت، وإنما نحتاج أشخاصا نعرف أننا نستطيع الوصول إليهم عندما تصبح الحياة أثقل من أن تحمل وحدها. لهذا أعتقد أن بعض العلاقات لا تنتهي في اللحظة التي نبتعد فيها، وإنما تنتهي قبل ذلك بكثير، عندما ندرك أننا كنا نعيش داخل جدول مزاج شخص آخر. وحين نتوقف عن الركض وراء موعد يتغير كل مرة، أو عن تفسير الغياب المتكرر، أو عن اختراع الأعذار لمن اختار أن يكون حاضرا بشروطه وحدها، نرى العلاقة بحجمها الحقيقي. العلاقة التي لا تستطيع احتمال أيامك العادية، لن تنقذها كثرة الصور والذكريات والسنوات. وما يبقى في النهاية ليس عدد الأعوام التي عرفنا فيها شخصا، وإنما الطريقة التي جعلنا بها بعضنا يشعر بأنه محفوظ في القلب، حتى عندما تتغير الظروف والمواعيد والمزاج.
351
| 28 سبتمبر 2026
أحيانا نفتح درجًا قديمًا بحثًا عن شيء صغير، فنجد أنفسنا أمام أشياء لم نستخدمها منذ سنوات: تذكرة سفر انتهت رحلتها، بطاقة كتب عليها أحدهم جملة عابرة، صورة بهتت أطرافها، رسالة مطوية بعناية، أو هدية بسيطة لا قيمة كبيرة لها، لكنها تستوقفنا أكثر مما تستحقه ماديا. نمسكها للحظة، ثم نعيدها إلى مكانها، كأننا نخشى أن نقرر مصيرها. السؤال هنا ليس لماذا نحتفظ بهذه الأشياء، وإنما متى تتحول الأشياء من أشياء إلى ذاكرة؟ ربما تبدأ الحكاية من لحظة صغيرة لم ننتبه إلى أهميتها وهي تحدث. تذكرة أخذناها من شباك محطة كانت مجرد ورقة تسمح لنا بالعبور. بعد سنوات تصبح دليلا على رحلة بعيدة، وعلى شخص كان معنا، وعلى مدينة رأيناها للمرة الأولى، وعلى نسخة قديمة منا كانت تملك أحلاما مختلفة. الورقة نفسها لم تتغير كثيرا، الذي تغير هو ما تراكم حولها من حياة. لهذا قد يصعب علينا أحيانا أن نرمي الأشياء التي لا نحتاجها. نحن في الحقيقة لا نحتفظ بالورقة، وإنما باللحظة التي التصقت بها. نحتفظ بصورة قديمة لأن فيها وجوها نعرف أنها لن تعود إلى المكان نفسه، ونحتفظ برسالة لأن صاحبها قال فيها شيئا لم نعد نسمعه منه، ونحتفظ بهدية بسيطة لأن اليد التي قدمتها كانت أهم من الهدية نفسها. الأشياء الصغيرة تقوم أحيانا بدور لا تستطيع الذاكرة وحدها القيام به. إنها مفاتيح لأبواب قديمة في داخلنا. يكفي أن تقع العين على صورة، أو تلمس الأصابع ورقة، حتى يستعيد العقل تفاصيل ظننا أنها اختفت: رائحة مكان، صوت شخص، لون فستان، مقعد في مقهى، طريق طويل، أو مساء عادي لم نعرف وقتها أنه سيصبح عزيزا علينا. والغريب أن قيمة الشيء قد تزداد كلما ابتعدنا عن اللحظة التي حصلنا فيها عليه. الهدية التي لم نفهم معناها كثيرا حين وصلت إلينا قد تصبح بعد سنوات واحدة من أغلى ما نملك، لأن الشخص الذي أعطاها تغير، أو غاب، أو تغيرت علاقتنا به. عندها يصبح الشيء شاهدا على علاقة كاملة، وربما على مرحلة كاملة من العمر. ومع ذلك، قد تتحول الذكريات إلى عبء حين تتحول الأشياء إلى وسيلة للعيش في الماضي. هناك فرق بين أن نحتفظ بشيء لأنه يذكرنا بمن كنا، وبين أن نحتفظ به لأننا عاجزون عن مغادرة تلك المرحلة. الأول يمنح الذاكرة مكانا في حياتنا، والثاني قد يمنع الحياة من أن تفتح مكانا جديدا. لهذا تأتي لحظة، ونحن نرتب خزانتنا أو مكتبتنا أو أدراجنا، نسأل كل شيء نحتفظ به: ماذا تعني لي الآن؟ بعض الأشياء ستبقى، وبعضها سيغادر بسهولة لم نتوقعها. وقد نفاجأ بأننا نتخلى عن أشياء كنا نظن أننا لن نستطيع التخلي عنها، ونحتفظ بأشياء صغيرة لا يفهم الآخرون سبب بقائها. وهنا تكمن خصوصية الذاكرة. قيمتها لا تحتاج إلى تفسير للآخرين. قد يرى أحدهم تذكرة قديمة فيقول: إنها مجرد تذكرة. ونراها نحن فنرى طريقا كاملا. قد يرى صورة عادية، ونرى فيها شخصا كان يملأ المكان ثم صار بعيدا. وقد تبدو هدية بسيطة لا تستحق مساحة في صندوق، بينما نعرف نحن أنها تحمل لحظة لا يمكن شراؤها. الأشياء لا تصبح ذاكرة لأنها ثمينة، وإنما لأن الحياة وضعت فيها شيئا من معناها. نحن الذين نمنحها قيمتها حين نمر بها ونحب ونفقد ونكبر ونتغير. وربما لهذا لا ينبغي أن نستغرب تلك الأدراج الممتلئة بأشياء لا نحتاجها. بعضها لا يصلح لشيء، سوى أن يذكرنا بأننا كنا هنا ذات يوم، وأن لنا حياة سابقة ما زالت بعض آثارها الصغيرة محفوظة في ورقة، أو صورة، أو هدية، أو تذكرة انتهت صلاحيتها منذ سنوات. فالأشياء التي نضعها في الأدراج لا تنام دائما. بعضها ينتظر فقط أن نمد أيدينا إليه، كي يعيد إلينا جزءا من حياتنا لم نكن نعرف أننا ما زلنا نشتاق إليه.
417
| 21 سبتمبر 2026
يحدث أن تعرف شخصاً عمراً بأكمله، تحفظ طريقته في الكلام، وتعرف ما يحب وما يكره، وتتذكر مواقف كثيرة جمعَتكما، وتظن أنك قطعت معه شوطاً كافياً يجعل مفاجآت المعرفة مستحيلة. ثم يأتي موقف عابر، كلمة واحدة، أو تصرف صغير في لحظة لم تكن معدة للاختبار، فتراه فجأة كما لو أنك تراه للمرة الأولى. تتأمل وجهه نفسه، وصوته نفسه، وربما المكان نفسه الذي جلستما فيه عشرات المرات، وتسأل في داخلك: كيف لم أعرف هذا الشخص طوال كل هذه السنوات؟ المفارقة أن السنوات لا تمنحنا دائما معرفة أعمق بالآخرين. أحيانا تمنحنا ألفة أعمق معهم فقط. والألفة شيء، والمعرفة شيء آخر. قد نعتاد شخصاً حتى نكف عن النظر إليه، لأننا رسمنا له في داخلنا صورة مكتملة، ثم أخذنا نتعامل مع الصورة بدلا من الشخص الحقيقي. نعرفه كما اعتدناه: الصديق الذي لا يتخلى، والقريب الذي نطمئن إليه، والزميل الذي نعرف طباعه، والحبيب الذي حسبنا أننا قرأنا قلبه كله. ومع مرور الأيام تصبح هذه الصفات جزءا من تعريفنا له، حتى يأتي موقف واحد فيكشف أن تحت هذه الصورة حياة أخرى لم نرها. وقد يكون الموقف بسيطاً جداً. شخص يحتاج إلى مساعدة، فيتردد من كنت تراه كريماً. شخص يتعرض للظلم، فيختار الصمت من كنت تظنه شجاعاً. امرأة تفتح لك قلبها في لحظة غضب، فتكتشف أن وراء هدوئها الطويل أسئلة ومرارات لم تخطر لك على بال. وقد يحدث العكس أيضا؛ شخص حسبته قاسيا، فإذا به في موقف واحد أكثر رحمة مما توقعت، وشخص ظننته أنانياً، فإذا به يتنازل عن شيء يخصه من أجل آخر من دون أن ينتظر كلمة شكر. المواقف الصغيرة تملك أحياناً قدرة غريبة على هدم سنوات من الانطباعات. لأنها تأتي من دون استعداد مسبق. حين نعرف أننا تحت الاختبار نرتب إجاباتنا ونختار وجوهنا وكلماتنا، أما اللحظة المفاجئة فتترك الإنسان أقرب إلى حقيقته. ولهذا ربما كان علينا أن نكون أكثر حذرا حين نقول: “أنا أعرفه”. ماذا تعني المعرفة هنا؟ هل نعرف الشخص نفسه، أم نعرف النسخة التي اختار أن يقدمها لنا؟ وهل تكفي عشرون سنة من الصحبة لمعرفة ما يفعله حين يخاف، أو حين يغضب، أو حين يخسر، أو حين يصبح قادراً على إيذاء شخص أضعف منه؟ قد يعيش شخصان تحت سقف واحد سنوات طويلة، ويتبادلان تفاصيل الأيام، ثم يكتشف أحدهما في موقف حاسم أن بينهما مسافة لم يلاحظها أحد. وقد تستمر صداقة عقودا ثم تنتهي بسبب موقف واحد، لا لأن الموقف كان أكبر من كل ما سبقه، وإنما لأنه أضاء شيئاً كان موجوداً طوال الوقت ولم نكن نراه. وهنا تأتي تلك اللحظة الثقيلة التي لا نعرف ماذا نفعل بها. هل نصدق السنوات أم نصدق الموقف؟ هل نقول إن شخصاً عرفناه طويلا لا يمكن أن يكون كذلك، أم نعيد قراءة كل ما مضى على ضوء ما اكتشفناه الآن؟ ربما لا تحتاج الإجابة إلى اختيار أحدهما. الناس أكثر تعقيداً من أن تختصرهم لحظة، وأكثر غموضا من أن تفسرهم سنوات الصحبة وحدها. قد يكون الموقف كاشفاً لوجه حقيقي، وقد يكون استثناء عابرا، وقد يكون الإنسان نفسه قد تغير من حيث لم ننتبه. نحن أيضا نتغير، وأحيانا لا نعرف أنفسنا إلا حين تضعنا الحياة أمام امتحان لم نطلبه. لكن بعض المواقف لا تمنحنا رفاهية الشك. هناك لحظات تكفي وحدها لتقول لنا شيئاً واضحاً جداً عن صاحبها. موقف أمام المال، أو السلطة، أو الضعف، أو الخلاف، قد يكشف ميزاناً أخلاقياً كاملاً. وحينها تصبح المفاجأة مؤلمة لأننا لا نكتشف الآخر فقط، وإنما نكتشف أيضا مقدار ما أسقطناه عليه من ثقة، وما بنيناه حوله من يقين. أقسى ما في الأمر أن اكتشاف الآخر يأتي أحيانا متأخراً، بعد أن نكون قد منحناه مفاتيح كثيرة من حياتنا. وقد لا يؤلمنا ما فعله بقدر ما يؤلمنا أننا كنا نراه بطريقة مختلفة تماما. ومع ذلك، ربما علينا ألا نحول كل اكتشاف إلى محاكمة. بعض الناس يستحقون فرصة للتفسير، وبعض المواقف تحتاج إلى سياق، وبعض العلاقات تستطيع النجاة بعدما تنكسر صورتها الأولى. وهناك علاقات أخرى يكون اكتشاف الحقيقة فيها رحمة متأخرة، لأن معرفة الشخص كما هو، مهما كانت موجعة، أكرم من الاستمرار في محبة صورة لا وجود لها إلا في مخيلتنا. لذلك أحب أن أترك مساحة صغيرة بيني وبين أحكامي على الآخرين. أتعلم أن أقول: أعرف هذا الشخص كما عرفته حتى الآن. وهذه العبارة أكثر تواضعاً وأماناً. فكل واحد منا يحمل في داخله غرفا لا يدخلها الآخرون بسهولة، وبعض الأبواب لا تفتحها السنوات، وإنما يفتحها موقف واحد. وقد نخرج من ذلك الموقف خاسرين شخصاً عرفناه طويلا، أو رابحين شخصاً لم نعرف قيمته من قبل. وفي الحالتين، تكون الحياة قد فعلت شيئاً واحداً: نزعت عن شخص ما الصورة التي صنعناها له، وتركتنا أمامه كما هو. وعندها فقط نفهم أن معرفة شخص طوال العمر لا تعني بالضرورة أننا عرفناه. أحيانا نحتاج إلى لحظة واحدة كي نراه، وأحيانا نحتاج إلى تلك اللحظة كي نرى أنفسنا أيضاً.
333
| 14 سبتمبر 2026
هناك أفكار نعيش بها سنوات طويلة من غير أن نسأل أنفسنا: من أين جاءت؟ نقول: هكذا تربينا، هكذا يفعل الناس، هذا عيب، هذا هو النجاح، هذه هي الحياة، وهذه هي المرأة الجيدة. ثم نمضي وكأن هذه الجمل حقائق اكتشفناها بأنفسنا، مع أن بعضها وصل إلينا قبل أن نمتلك القدرة على التفكير فيه. الفكرة تصبح أكثر خطورة حين تتخفى في هيئة بديهية. قد يعيش شخص سنوات في عمل لا يحبه لأنه صدق أن الاستقرار أهم من السعادة. وقد تقضي امرأة عمرها في إرضاء الجميع لأنها تعلمت مبكرا أن الطيبة تعني أن تؤجل نفسها دائما. وقد يرفض شاب فرصة يحبها لأنه سمع طويلا أن الطريق الآمن هو الطريق الصحيح. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: كم قرارا في حياتنا كان قرارا لنا فعلا؟ نحن نرث أكثر مما نتصور. نرث اللغة التي نصف بها الأشياء، ونرث تعريف النجاح والفشل، ونرث الطريقة التي ينبغي أن نحب ونختار ونحزن بها. الأسرة تضع بعض الأفكار في أيدينا، والمدرسة تضيف إليها، والمجتمع يمنح بعضها سلطة تجعلها تبدو كأنها قوانين طبيعية. والأخطر أن الفكرة الموروثة، حين تتكرر بما يكفي، تتحول إلى صوت داخلي. قد تقول لنفسك: أنا لا أحب هذا الشيء، بينما يكون الصوت الحقيقي هو: قيل لي طويلا إنني يجب ألا أحبه. وقد تقول: أنا اخترت هذا الطريق، بينما سلكت الطريق الذي لم يغضب أحدا من عائلتك. وقد تظن أنك واقعي، بينما أنت خائف من احتمال أن تكون رغبتك أصدق من النصيحة التي تلقيتها. لهذا أحب الأسئلة التي تفسد بعض راحتنا. من قال إن النجاح يعني منصبا أكبر ودخلا أعلى؟ من قال إن العمر يحدد ما يحق لنا أن نبدأه؟ من قال إن الفشل عار؟ من قال إن علينا أن نكمل الطريق نفسه لأننا قطعنا فيه مسافة طويلة؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى هدم كل ما ورثناه. بعض الموروثات حكمة تراكمت عبر التجربة، وبعضها خوف قديم ارتدى ثوب الحكمة حتى نسي الناس أصله. والمشكلة تبدأ حين نعامل الاثنين بالطريقة نفسها. ربما لا نستطيع اختيار الأفكار الأولى التي دخلت رؤوسنا، لكننا نستطيع، في لحظة ما، أن نعيد النظر فيها. وهذه لحظة مهمة في حياة أي شخص، لأنها تعني أن الوعي صار قادرا على مراجعة ما صنعه الوعي السابق. أحيانا يكون النضج أن تقول؛ هذه الفكرة تخص عائلتي، وهذه تخص جيلي، وهذه تخص المجتمع الذي نشأت فيه، وهذه تخص خوفي، وهذه تخصني أنا. حين نبدأ في التمييز بينها، تتغير علاقتنا بأشياء كثيرة. نكتشف أن بعض غضبنا مستعار، وأن بعض أحلامنا جاءت من الآخرين، وأن بعض مخاوفنا أقدم منا. ونكتشف أيضا أن هناك رغبات دفناها تحت طبقات من “ينبغي” و”المفروض” و”ماذا سيقول الناس”، حتى نسينا أنها كانت لنا يوما. ربما تكون الحرية أقل ارتباطا بالأبواب التي تفتح أمامنا، وأكثر ارتباطا بالأفكار التي نستطيع أن نضعها أمامنا وننظر إليها من الخارج. السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا ليس فقط: ماذا أريد؟ ثم يأتي السؤال الأصعب: لو غاب خوف الحكم الاجتماعي تماما، فماذا كنت سأختار؟ قد لا تكون الإجابة مريحة، وقد تفتح أبوابا أغلقناها منذ سنوات. لكنها إجابة تستحق البحث عنها. فالحياة التي نعيشها تحت حكم أفكار لم نفحصها قد تبدو مستقرة من الخارج، بينما يكون صاحبها غائبا عنها بطريقة ما. أما أن تعرف الأفكار التي تحكمك، وأن تعرف من أين جاءت، وأن تختار منها ما يشبهك حقا، فتلك واحدة من أعمق صور الحرية.
357
| 07 سبتمبر 2026
نؤجل أشياء كثيرة لأننا ننتظر اللحظة المناسبة. نؤجل الاعتذار حتى تهدأ نفوسنا، والكتابة حتى تصفو أفكارنا، والبدء حتى تتهيأ الظروف، وأحيانا نؤجل علاقتنا بالله حتى نشعر أننا أصبحنا أفضل مما نحن عليه الآن. كأن علينا أن نرتب حياتنا أولا، ونصلح أخطاءنا، ونستعيد توازننا، ثم نطرق باب الله بقلب مستعد. وهنا يقع أحد أكثر الالتباسات قسوة: أن نظن أن الطريق إلى الله يحتاج منا أن نصلح أنفسنا قبل أن نسير إليه، مع أن السير إليه هو أحد أبواب إصلاح النفس. كم مرة قال أحدنا في داخله: سأنتظم حين تستقر حياتي، وسأقترب أكثر حين أتخلص من هذه العادة، وسأبدأ من جديد حين أهدأ، وحين أتجاوز هذا التعب الذي يثقلني؟ تمضي الأيام، وتبقى تلك البداية مؤجلة إلى موعد لا يأتي. وكلما طال الانتظار ازداد شعورنا بأن المسافة اتسعت، مع أن الباب لم يغلق. الله لا يطلب منا قلبا لم يعرف الارتباك، ولا نفسا لم تتعثر، ولا حياة خالية من الأخطاء. نحن نأتي إليه بما لدينا، بما استطعنا أن نحمله من ضعفنا، وبما بقي في داخلنا من رغبة في النجاة. قد تأتي الخطوة الأولى مترددة، وقد تأتي الصلاة بعد انقطاع، وقد تأتي التوبة بعد عودة متكررة إلى الخطأ، وقد يكون الدعاء جملة قصيرة يقولها شخص أنهكه كل شيء ولم يعد يعرف كيف يشرح ما به. المهم أن يبدأ. هناك قسوة خفية في انتظار الكمال، لأن الكمال الذي ننتظره قد يتحول إلى حجة نختبئ خلفها. نقول لأنفسنا إننا سنبدأ عندما نصبح أكثر انضباطا، وأكثر صفاء، وأكثر قدرة على الالتزام، ثم نكتشف بعد سنوات أننا كنا ننتظر نسخة أخرى من أنفسنا كي نسمح للنسخة الحالية بالاقتراب من الله. والقرب لا يشترط هذه النسخة المثالية. قد يذهب شخص إلى الله وهو يحمل أخطاء يعرفها جيدا، ويحمل أسئلة لم يجد لها جوابا، ويحمل قلبا متعبا من خيباته ومن نفسه أيضا. وقد تكون خطواته متقطعة، فيمشي يوما ويتراجع أياما، ثم يعود. هذه العودة نفسها معنى عظيم. فالطريق الروحي لا يشبه سباقا يصل فيه الجميع إلى النهاية بالسرعة ذاتها، وإنما يشبه علاقة طويلة بين قلب وخالقه، فيها الإقبال وفيها الفتور، وفيها لحظات صفاء تضيء الطريق، ولحظات أخرى يمشي فيها صاحبه على قدر ما يستطيع. ولهذا تبدو لي العبارة المشهورة “سيروا إلى الله عرجا ومكاسير” شديدة القرب من حقيقة التجربة البشرية. فهناك من يمشي إلى الله بقلب كامل، وهناك من يمشي إليه بقلب مكسور، وهناك من لا يملك في يومه كله سوى خطوة صغيرة. والفرق قد يكون في صدق الخطوة، لا في جمالها. ربما كانت أجمل البدايات تلك التي لا نملك لها كثيرا من الترتيب. شخص يرفع يديه بعد غياب طويل، وامرأة تستعيد سجادة الصلاة بعد سنوات من الفتور، وشاب يقرر في لحظة عابرة أن يترك ذنبا أتعبه، وقلب يهمس في آخر الليل بكلمة واحدة لأنه عجز عن قول أكثر منها. هذه الأشياء تبدو صغيرة حين نقيسها بمقاييسنا البشرية، لكنها قد تكون عند صاحبها بداية حياة جديدة. نحن نعرف كيف نحاسب أنفسنا على التقصير، وننسى أحيانا أن الرحمة هي التي تجعل العودة ممكنة. نعرف عدد المرات التي أخطأنا فيها، ونحصي أيام ابتعادنا، ونستعيد صورا قديمة لأنفسنا فنشعر أن الطريق صار طويلا. ثم نكتشف أن الله لا يحتاج منا إلى استعراض الماضي، وإنما يحتاج إلى صدق الحاضر. ابدأ من المكان الذي أنت فيه. إن كنت متعبا، فاذهب إليه بتعبك. وإن كنت مرتبكا، فاذهب إليه بارتباكك. وإن كنت قد أخطأت كثيرا، فاجعل الخطأ سببا للعودة، لا سببا لمزيد من الهجر. وإن كنت لا تستطيع سوى القليل، فافعل القليل الذي تستطيع، واجعله صادقا. فكم من خطوة ظن صاحبها أنها عرجاء، وكانت هي الخطوة التي أعادته إلى نفسه، وكم من بداية صغيرة فتحت في القلب بابا لم يكن يعرف أنه ما زال موجودا. الطريق إلى الله لا يحتاج أن نصل إليه ونحن مكتملون. يكفي أن نكون صادقين في رغبتنا في الوصول، وأن نتحرك من مكاننا، ولو ببطء، ولو بعد تعثر، ولو بقلب ما زال يتعلم كيف يمشي. اذهب إليه الآن، بالقلب الذي لديك. فربما كانت المسافة التي تخيفك أقصر مما تظن، وربما كانت الخطوة التي تؤجلها منذ سنوات هي كل ما يحتاجه قلبك كي يبدأ.
372
| 30 أغسطس 2026
أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي، وأنا أعرف أن يدي هذه المرة فارغة. هناك لحظات يصبح فيها الاعتذار أثقل من المشكلة نفسها، لأنك تعرف أن الشخص الذي أمامك لم يأتك مصادفة. جاءك لأنه يعرفك، أو لأنه جربك من قبل، أو لأنه يظن أن لديك منفذا إلى المكان الذي أُغلقت فيه كل الأبواب. جاءك وفي داخله شيء يشبه الاطمئنان، وأنت تستقبل ثقته وقلبك يعرف أن ما يطلبه أكبر من قدرتك. أقسى ما في هذه اللحظة أن عجزك لا يشبه عجز الغريب. الغريب يستطيع أن يقول "لا أستطيع" ويمضي، أما حين يأتيك شخص قريب منك وهو يحمّل طلبه شيئا من ثقته بك، فإنك تشعر كأنك خذلت شيئا لم تعد تملكه وحدك. تصبح يداك فجأة موضع مساءلة، حتى لو لم تعدا تملكان شيئا تقدمانه. وقد مررت بمثل هذه اللحظة أكثر من مرة. يأتيك شخص يحمل حاجة حقيقية، وربما يحمل معها حرجا كبيرا من السؤال، فتفهم من طريقة كلامه أنه لم يجد في نفسه شجاعة أن يسأل إلا لأنه وثق بك. تسمع التفاصيل، وتحاول أن تفكر في منفذ، وتراجع في رأسك أسماء الأشخاص والطرق والاحتمالات، ثم تصل إلى تلك النقطة التي تعرف عندها أن كل ما تملكه من رغبة في المساعدة لن يتحول إلى قدرة، وهنا يبدأ ذلك الشعور الغريب بالعجز. أن تريد شيئا بشدة، وأن تعجز عن تحقيقه، تجربة مختلفة تماما عن ألا ترغب فيه أصلا. الرغبة تمنح العجز وجها أكثر قسوة، لأنك ترى أمامك ما يمكن أن تفعله لو كانت الظروف أرحب، أو لو كان القرار في يدك، أو لو كنت تملك المفتاح الذي ظنك الآخرون تملكه. أحيانا تكون المشكلة أن الناس يرون فينا أكثر مما نرى في أنفسنا. يعتقد أحدهم أنك تعرف شخصا يستطيع، أو أنك تستطيع الوصول إلى جهة ما، أو أن كلمتك ستفتح بابا، أو أن مكانتك ستمنح طلبه فرصة إضافية. وربما كان ظنه مفهوما تماما، لأنك ساعدت من قبل، ولأنك اعتدت أن تبحث عن حلول حين يتوقف الآخرون عند المشكلة. لكن القدرة على المساعدة ليست صفة ثابتة ترافقنا في كل الظروف. حتى الذين اعتدنا أن نراهم قادرين على حمل أعباء الآخرين، تمر بهم أيام تصبح فيها أيديهم مشغولة بحمل ما يخصهم. وهذا شيء يصعب شرحه. كيف تقول لشخص وثق بك إنك هذه المرة لا تملك شيئا؟ كيف تحافظ على صدقه تجاهك من غير أن تمنحه أملا زائفا؟ وكيف تقول الحقيقة من غير أن تبدو كأنك تتخلى عنه في اللحظة التي احتاجك فيها؟ ربما تكون الإجابة الأكثر إنسانية هي أن نعترف بعجزنا حين نعجز، من غير اختراع حلول وهمية، ومن غير وعود نعرف مسبقا أننا لن نستطيع الوفاء بها. أحيانا تكون الصراحة نفسها شكلا من أشكال الرحمة. حين تقول لشخص "أتمنى لو كنت أستطيع" فأنت لا تقدم له ما طلبه، لكنك تقدم له شيئا آخر: صدقك. وقد ينسى بعض الناس أن الخذلان الحقيقي لا يأتي دائما من العجز. أحيانا يأتي من الادعاء. من أن تقول نعم وأنت تعرف أنها لن تتحول إلى فعل، أو أن تترك شخصا معلقا في انتظار وعد لا تملك مفاتيحه. لذلك فإن الاعتراف بالعجز، مهما كان مؤلما، أكرم من صناعة أمل مؤقت ثم ترك صاحبه يسقط منه. ومع ذلك، يظل هناك ذلك الوجع الصغير الذي لا يراه أحد. أن تغلق الهاتف بعد حديث قصير مع شخص كان ينتظر منك شيئا، ثم تبقى تفكر فيه. تتمنى لو كانت لديك واسطة أقوى، أو فرصة أوسع، أو كلمة نافذة، أو حتى معجزة صغيرة تكفي لتغيير النتيجة. وتقول في سرك: لو كان الأمر بيدي لفعلت. لكن الأمر ليس بيدك. وهذه واحدة من الحقائق التي نتعلمها متأخرين: محبتنا للآخرين لا تمنحنا دائما القدرة على إنقاذهم. قد نحب شخصا كثيرا، ونقف إلى جواره بكل ما نملك، ثم نكتشف أن هناك أبوابا لا نملك مفاتيحها، وأقدارا لا نستطيع تعديل مسارها، وأشياء تتجاوز حسن النية مهما كان صادقا. لذلك لا أقيس صدق المحبة دائما بما نستطيع أن نفعله للآخرين. أحيانا أقيسها بما نشعر به حين نعجز عن فعل شيء لهم. ذلك الألم الذي يمر في القلب حين تكون يدك فارغة، رغم أنك كنت تتمنى أن تكون ممتلئة، يقول شيئا عميقا عن علاقتك بذلك الشخص. فاليد الفارغة قد تكون عاجزة، لكنها ليست بالضرورة خالية من المحبة. وأصعب ما في الثقة حين توضع في أيدينا أن نكتشف، في اللحظة التي نحتاج فيها إلى الوفاء بها، أننا لا نملك سوى أن نحملها برفق، وأن نقول الحقيقة، وأن نبقى قريبين قدر ما نستطيع. ربما لا نستطيع أن نفتح الباب الذي جاء الآخر يطلب مفتاحه، لكننا نستطيع، أحيانا، ألا نتركه واقفا أمامه وحده.
762
| 23 أغسطس 2026
يمكن أن نعرف كثيرا من الكتب، ولا نعرف كثيرا عن الحياة. وقد نحفظ أسماء المفكرين والشعراء، ثم نكتشف أن هذه المعرفة لم تغيّر شيئا في الطريقة التي ننظر بها إلى شخص يختلف عنا، أو إلى إنسان أخطأ، أو إلى فكرة كنا نرفضها قبل أن نسمعها كاملة. هنا يبدأ السؤال الأهم: ماذا فعلت الثقافة بنا؟ الثقافة الحقيقية تظهر في الأثر الذي تتركه القراءة في الداخل. عدد الكتب التي قرأناها مهم، والأهم أن نكتشف أننا صرنا أكثر قدرة على الفهم، وأكثر استعدادا لمراجعة أحكامنا. قد يقرأ شخص مكتبة كاملة ويبقى أسير الأفكار نفسها التي دخل بها إلى المكتبة. يقرأ ليؤكد ما يعرفه. وقد تكفي قارئا آخر جملة واحدة لتفتح له نافذة جديدة. ليست قيمة القراءة في عدد الصفحات وحده، وإنما في اللحظة التي تنتقل فيها الكلمات من الورق إلى طريقة النظر. لهذا أحب الثقافة التي تترك صاحبها أكثر تواضعا أمام المعرفة. كلما قرأنا أكثر، اتسعت أمامنا مساحة ما نجهله. وأحيانا تكون الثقافة في القدرة على تغيير الرأي حين نكتشف أن حكمنا الأول كان ناقصا. الهزيمة الحقيقية أن نعرف أننا أخطأنا ثم نواصل الدفاع عن الخطأ حفاظا على صورة رسمناها لأنفسنا أمام الآخرين. والقراءة الحقيقية توسع دائرة التعاطف. حين نقرأ رواية جيدة، ندخل حياة أشخاص لم نلتق بهم، ونرى العالم من زاوية لم تكن زاويتنا، ونفهم خوفا لم نجربه. وحين نقرأ التاريخ، ندرك أن الأشخاص الذين نراهم من مسافة زمنية كانوا، في لحظتهم، بشرا لهم مخاوفهم وأحلامهم وأخطاؤهم. وبالتالي يمكن أن تصبح الحكاية معرفة من نوع خاص. إنها تعلمنا أن الحكم على الناس من لقطة واحدة ظلم غالبا، وأن خلف كل موقف قصة لا نعرفها كاملة. وقد يصبح الكتاب تمرينا على العدالة الإنسانية: أن نتأنى قبل الإدانة، وأن نبحث عن السياق، وأن نترك مساحة لاحتمال أن تكون الصورة أكبر مما وصل إلينا. ومع ذلك، ليست كل قراءة معرفة. يمكن لشخص أن يعرف تاريخ فكرة كاملة، ولا يعرف كيف يتعامل مع صاحبها المختلف عنه. هنا تنكشف المسافة بين المعرفة والثقافة. المعلومة تصبح ثقافة حين تتحول إلى طريقة في النظر. والحكاية تصبح وعيا حين تجعلنا نفهم الآخر بقدر أكبر من الإنصاف. والكتاب يصبح جزءا من حياتنا حين يتجاوز مكانه على الرف، ويظهر في قراراتنا، وفي لغتنا، وفي علاقتنا بالاختلاف. لذلك لا أحب السؤال عن عدد الكتب التي قرأها شخص ما قبل أن أعرف ماذا صنعت به تلك الكتب. قد يكون الأجدى أن نسأله عن كتاب غيّر رأيه، أو فكرة أزعجته ثم عاد إليها. فالكتاب الجيد لا يمنحنا دائما إجابة جاهزة. أحيانا يمنحنا سؤالا جديدا، وهذا كاف. وربما كانت إحدى وظائف الثقافة أن تجعل أسئلتنا أكثر نضجا، وأحكامنا أقل عجلة. الثقافة التي أحبها يمكن أن نراها في التفاصيل الصغيرة: في شخص يصغي قبل أن يحكم، وفي قارئ يستطيع أن يقول “كنت مخطئا”، وفي صاحب معرفة لا يستخدمها لإذلال من يعرف أقل منه، وفي إنسان يكتشف أن اختلاف الآخرين عنه لا ينتقص من إنسانيتهم. عند هذه النقطة تصبح القراءة أكثر من عادة جميلة. تصبح طريقة في العيش. وما نقرؤه لا يبقى محصورا بين غلافي الكتاب، وإنما يمشي معنا إلى البيت والعمل، ويظهر حين نختلف، وحين نغضب. هناك، في الحياة نفسها، يمكن أن نعرف إن كانت الكتب قد وصلت إلينا حقا. فالثقافة في نهايتها ليست ما نستطيع أن نقوله عن الكتب، وإنما ما أصبحت الكتب قادرة على أن تفعله بنا. وكلما جعلتنا القراءة أوسع قلبا، وأكثر عدلا في الحكم، وأقل خوفا من مراجعة أنفسنا، اقتربنا من المعنى الحقيقي للثقافة. عندها فقط تصبح الكتب جزءا من الطريقة التي نرى بها الحياة ونعيشها.
357
| 16 أغسطس 2026
أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه إلى جواري. تمر عشرون دقيقة، وربما ساعة، وأكتشف بعد ذلك أنني كنت أفعل شيئا مهما جدا: كنت أترك رأسي يستريح. منذ متى صار علينا أن نشرح هذا الوقت؟ حين يسأل أحدهم: “ماذا فعلت اليوم؟” نميل إلى تعداد الأعمال التي أنجزناها، والمواعيد التي حضرناها، والرسائل التي أجبنا عنها، والأشياء التي انتهينا منها. وإذا قلنا: “جلست في البيت وقرأت قليلا وشربت قهوتي”، بدا الأمر كما لو أننا قدمنا تقريرا ناقصا عن يومنا. كأن الساعات لا تكتسب قيمتها إلا حين نضع فيها مهمة يمكن تسجيلها في دفتر الإنجاز. حتى الفراغ صار يحتاج إلى مبرر. أفكر أحيانا في الأيام القديمة التي كان فيها للناس وقت يجلسون فيه أمام البيت، أو قرب النافذة، أو في مقهى يعرفون فيه وجوه الجالسين أكثر مما يعرفون أسماءهم. كانت هناك ساعات تمر من غير مشروع واضح، وكان ذلك جزءا طبيعيا من الحياة. قد يقرأ شخص كتابا لساعتين، وقد يمشي مسافة طويلة من أجل متعة المشي، وقد يجلس آخر يتأمل شجرة في الحديقة، وقد يسرح قليلا في فكرة لا يعرف إلى أين ستأخذه. لم تكن كل دقيقة مطالبة بإثبات جدارتها. أما نحن فقد تعلمنا أن ننظر إلى الوقت كأنه مادة خام ينبغي استثمارها كلها. حتى حين نقرر أن نرتاح، نبحث عن طريقة “مفيدة” للراحة. نشاهد محاضرة، نستمع إلى بودكاست، نتعلم لغة، نتابع برنامجا رياضيا، أو نحول المشي إلى سباق مع عدد الخطوات. نحتاج أحيانا إلى أن نخرج من اليوم بفائدة واضحة حتى نشعر أننا لم نهدره. وهنا تكمن المفارقة: قد تكون حاجتنا الأكبر هي بعض الوقت الذي لا نعرف ماذا سنفعل به. فالقراءة، مثلا، تحتاج إلى شيء من البطء. الكتاب الذي نقرأه ونحن نراقب الساعة ونفكر في الرسائل التي تنتظرنا، يفقد شيئا من قدرته على الدخول إلينا. بعض الأفكار تحتاج إلى أن تتأخر قليلا قبل أن تستقر في مكانها. وقد نقرأ جملة صباحا ثم نفهمها مساء، أو نتذكر مشهدا من رواية بعد سنوات فنكتشف أنه كان يقول لنا شيئا لم نكن مستعدين لسماعه يوم قرأناه. حتى المشي يحتاج إلى وقت لا نطالب فيه أنفسنا بالوصول. هناك فرق بين أن تمشي لأنك تريد الوصول إلى مكان، وأن تمشي لأن الطريق نفسه يمنحك شيئا. في المشي الهادئ تتسع المسافة بين الفكرة والفكرة، وتظهر أشياء صغيرة كانت تختفي تحت استعجالنا: شجرة نمت أكثر مما توقعنا، نافذة تغير ستارتها، بائع يعرف زبونه من خطوته، أو سماء أخذت لونا لم ننتبه إليه لأننا كنا مشغولين بالنظر إلى شاشة صغيرة في أيدينا. والجلوس بلا مهمة قد يكون من أصعب الأشياء التي نستعيدها. نجلس خمس دقائق، ثم تمتد اليد تلقائيا إلى الهاتف. نشعر بأن هناك شيئا ينبغي متابعته، رسالة ينبغي قراءتها، خبرا ينبغي معرفته، أو صورة ينبغي رؤيتها. كأن الفراغ أصبح مساحة ناقصة علينا أن نملأها بسرعة. وحين تمتلئ، نشكو أننا لا نملك وقتا للتفكير. ربما نحتاج إلى إعادة النظر في معنى الوقت الضائع. قد تضيع ساعة في انتظار موعد، ثم تكتشف أنك أنهيت خلالها فصلا من كتاب. وقد تجلس طويلا أمام نافذة فتتذكر شيئا كنت قد نسيته. وقد تخرج للمشي من غير غاية فتعود بفكرة تصلح لقصيدة أو مقال. وقد تشرب قهوتك ببطء، من دون قراءة خبر أو الرد على رسالة، فتشعر للمرة الأولى منذ أيام أنك كنت حاضرا في صباحك. الأفكار الكبيرة لا تأتي دائما أثناء العمل عليها. أحيانا تظهر في المسافة التي نتركها بينها وبين انشغالاتنا. وهذا ما يجعل الفراغ ضروريا للكتابة أيضا. الكاتب الذي يملأ يومه كله بالمواعيد والقراءة والرسائل والمتابعة قد يجد نفسه أمام الصفحة عاجزا عن سماع الجملة التي يبحث عنها. الكتابة تحتاج إلى حياة خارج الكتابة، إلى مشهد عابر، ونزهة قصيرة، وحديث لا علاقة له بالعمل، وكتاب نقرأه من أجل المتعة، ووقت طويل نسبيا نترك فيه العقل يتجول من غير أن نطلب منه نتيجة. ربما كان أجمل ما في الوقت الفارغ أنه لا يطالبنا بشيء. يمكن أن نجلس مع فنجان قهوة وننظر إلى الشارع. يمكن أن نقرأ قصيدة للمرة الثالثة. يمكن أن نتمشى من شارع أطول قليلا. يمكن أن نترك الهاتف في غرفة أخرى وننسى مكانه لبعض الوقت. يمكن أن نحدق في شجرة، أو نرتب مكتبة، أو نستعيد وجه شخص نحبه، أو نترك فكرة قديمة تعبر في رؤوسنا من دون أن نحاول الإمساك بها. هذه الساعات التي تبدو بلا وظيفة قد تكون هي التي تعيد ترتيب وظائفنا الداخلية. نحن نعرف كيف نملأ الوقت، ونعرف كيف نحسبه، ونشعر بالقلق حين يسبقنا. ربما نحتاج الآن إلى مهارة أكثر بساطة: أن نترك منه شيئا فارغا. فليس كل ما لا ينتج شيئا في الحال عديم القيمة. هناك أشياء ثمينة تبدأ في لحظة لا يحدث فيها شيء. فكرة، وذكرى، وقرار، وبيت شعر، ورغبة في الاتصال بشخص غاب عنا طويلا. وقد تكون الحياة نفسها، في بعض أجمل لحظاتها، جالسة إلى جوارنا ونحن نعتقد أننا نضيع وقتنا. متى صار الوقت الفارغ وقتا ضائعا؟ ربما حين أقنعنا أنفسنا أن علينا أن نفعل شيئا طوال الوقت. وربما حان الوقت كي نعيد إلى الفراغ مكانه القديم: مساحة حرة نذهب إليها من غير موعد، ونعود منها أحيانا ونحن لا نعرف تماما ماذا حدث لنا. يكفي أننا عدنا ونحن أكثر قدرة على أن نكون هنا.
399
| 09 أغسطس 2026
كنت أظن أن أجمل ما في الاختلاف أنه يفتح نافذة جديدة في جدار اليقين. وأن المرء يخرج من الحوار أكثر معرفة، حتى عندما يظل متمسكًا برأيه. فالحوار الحقيقي لا يطلب منتصرًا، وإنما يطلب مساحة أوسع للفهم. غير أنني كلما تأملت ما يدور حولنا، ازددت اقتناعًا بأننا لم نعد نختلف بالطريقة التي تليق بعقولنا، وإنما أصبحنا نختبر قدرتنا على الخصومة أكثر مما نختبر قدرتنا على التفكير. تبدو وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها منحت الجميع حق الكلام، وهو حق جميل وعادل، لكنها في المقابل جعلت كثيرين يفقدون فضيلة الاستماع. صار كل رأي يقف داخل خندق، وكل صاحب رأي يبحث عن جيش يؤيده، وكل نقاش مرشح لأن يتحول إلى معركة صغيرة، تبدأ بجملة عابرة، وتنتهي بقائمة طويلة من الاتهامات، وكأن الاختلاف في تفسير قصيدة، أو في قراءة حدث سياسي، أو في تقييم رواية، يمس كرامة الأشخاص أكثر مما يمس الأفكار. والمفارقة أن هذه المساحات التي وُلدت لتقريب البشر، صنعت بينهم مسافات جديدة. لم تعد الخلافات تُدار بين أفراد يتبادلون الحجج، وإنما بين هويات مغلقة، يحمل كل طرف تصورًا جاهزًا عن الطرف الآخر قبل أن يقرأ كلماته. لذلك يسبق الحكمُ الفهمَ، وتسبق النيةُ السيئةُ التأويلَ، ويصبح البحث عن الخطأ أهم من البحث عن الحقيقة. أتذكر نقاشات طويلة كانت تدور بين كتّاب ومثقفين يختلفون في السياسة والأدب والفكر، ثم يغادرون الجلسة إلى فنجان قهوة أو إلى أمسية شعرية، من دون أن يشعر أحدهم بأن الآخر عدو. كانت القناعة راسخة بأن الأفكار تتغير، وأن البشر أكبر من آرائهم، وأن احترام الشخص لا يعني تبني موقفه. أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يختصرون الإنسان في تغريدة، أو تعليق، أو موقف واحد، ثم يبنون عليه حكمًا نهائيًا، كأن حياة كاملة يمكن تلخيصها في بضعة أسطر. وهذا التحول لم يصنعه الاختلاف، وإنما صنعته الطريقة التي نتعامل بها معه. فالمشكلة لا تكمن في كثرة الآراء، وإنما في تراجع القدرة على احتمال وجود رأي آخر. لذلك أصبح النقاش سريع الاشتعال، سريع الانكسار أيضًا. يخرج الجميع منه أكثر غضبًا، وأقل رغبة في الإصغاء، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة في مكانها. وأخشى أن الأجيال الجديدة تتعلم هذا النموذج كل يوم. ترى أن الفوز في النقاش يتحقق بالسخرية، أو بالعبارة القاسية، أو بعدد المؤيدين، بينما تغيب عنها متعة التفكير الهادئ، ومتعة الاعتراف بأن الطرف الآخر قد يمتلك جزءًا من الحقيقة. وما من خسارة أكبر من أن يتحول الحوار إلى استعراض، وأن يصبح الرأي وسيلة لتأكيد الانتماء إلى مجموعة، أكثر من كونه محاولة لفهم الواقع. حتى اللغة نفسها أصابها شيء من هذا التحول. فقد صارت الكلمات تُستخدم أحيانًا كسهام، بعد أن كانت جسورًا. وصارت بعض المفردات تحمل أحكامًا جاهزة أكثر مما تحمل معانيها الأصلية. لذلك تراجع الفضول المعرفي، واتسعت مساحة التصنيف، حتى بات السؤال الأول عن صاحب الفكرة، قبل الالتفات إلى الفكرة ذاتها. ولعل أكثر ما يقلقني أن الاستقطاب لا يكتفي بإفساد النقاش العام، وإنما يتسلل إلى العلاقات اليومية أيضًا. نراه داخل الأسرة، وبين الأصدقاء، وفي أماكن العمل، وحتى في الأوساط الثقافية التي يفترض أن تكون أكثر رحابة. يكفي اختلاف صغير حتى يشعر أحد الطرفين بأنه مطالب بالدفاع عن وجوده، لا عن رأيه فقط. وهكذا تفقد العلاقات شيئًا من دفئها، لأن كل حوار يحمل احتمال القطيعة. ولا أزعم أن العودة إلى الحوار الهادئ مهمة سهلة. فالإيقاع السريع، والرغبة في الظهور، وخوارزميات المنصات التي تكافئ المحتوى المثير، كلها تدفع نحو مزيد من الاستقطاب. ومع ذلك، يبقى القرار في النهاية قرارًا شخصيًا. يمكن لكل واحد منا أن يختار طريقة مختلفة في النقاش، وأن يمنح الآخر فرصة ليشرح فكرته كاملة، وأن يراجع رأيه إذا اكتشف ما يستحق المراجعة. فالتراجع عن خطأ ليس هزيمة، والاعتراف بوجاهة رأي آخر لا ينتقص من قيمة صاحبه، وإنما يضيف إلى رصيده الأخلاقي والعقلي. أحسب أن المجتمعات التي تعرف كيف تختلف، تعرف أيضًا كيف تتقدم. فهي تبني أفكارها بالحوار، وتصون وحدتها باحترام التنوع، وتؤمن بأن الحقيقة لا يملكها صوت واحد. أما حين يصبح كل اختلاف إعلان خصومة، فإن الخسارة تتجاوز المتحاورين، وتمتد إلى الثقافة، وإلى التعليم، وإلى السياسة، وإلى الحياة اليومية كلها. وربما كان السؤال الذي يستحق أن نبقيه مفتوحًا، هو هذا: متى فقدنا قدرتنا على الإصغاء؟ لأن استعادة الحوار تبدأ من تلك اللحظة التي نقرر فيها أن نفهم قبل أن نحاكم، وأن نختلف من غير أن نكسر الجسور التي نعبرها جميعًا نحو مستقبل أكثر اتساعًا.
510
| 02 أغسطس 2026
كان الانتظار جزءا من إيقاع الحياة. كنا نعرف أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقتها، وأن النضج لا يحدث بالقفز فوق المراحل، وأن الثمار التي تستحق القطاف تحتاج إلى شجرة تعرف كيف تصبر على الفصول. اليوم تبدلت علاقتنا بالوقت، وصار التأخير الصغير مصدر قلق، وأصبحت الرغبة في الحصول على كل شيء فورا تكاد تتحول إلى طريقة عيش كاملة. نحن نعيش وسط وفرة من الأدوات التي تختصر المسافات وتسرّع الوصول. تصل الرسالة في لحظتها، وتصل المعلومة خلال ثوان، وتصل الطلبات إلى الأبواب قبل أن يبرد الشوق إليها. هذه السرعة منحتنا الكثير من الراحة، لكنها أخذت منا شيئا ثمينا لم ننتبه إلى فقدانه إلا حين بدأ يظهر أثره في تفاصيل حياتنا: القدرة على الانتظار. الانتظار ليس وقتا فائضا كما أصبحنا نراه أحيانا، وإنما مساحة تتشكل فيها أشياء كثيرة. ففي لحظات الترقب الطويلة كانت الأفكار تجد طريقها إلى النضج، وكانت الأسئلة تكبر بهدوء قبل أن تصل إلى إجاباتها. الكاتب الذي يجلس أمام صفحة بيضاء ويمنحها وقتها، لا يكتب الكلمات فقط، وإنما يصغي إلى ما يتكون في داخله. والفنان الذي يعيد النظر في عمله مرة بعد مرة لا يبحث عن الكمال المستحيل، وإنما يحاول أن يمنح فكرته فرصة كي تكتمل. لقد تغير مفهوم التعلم أيضا. صار كثير من الناس يريدون المعرفة كوجبة سريعة، يبحثون عن الخلاصة من دون المرور بطريق البحث والقراءة والتجربة. ومع أن الوصول إلى المعلومات أصبح أسهل من أي وقت مضى، فإن امتلاك المعرفة ما زال يحتاج إلى صبر طويل. فالكتب العميقة لا تكشف أسرارها لمن يمر على صفحاتها بعجلة، والأفكار الكبيرة لا تولد من قراءة عابرة، وإنما من علاقة طويلة بين القارئ والنص. حتى العلاقات الإنسانية تأثرت بثقافة السرعة. أصبح بعض الناس يريدون الصداقة جاهزة، والثقة مكتملة، والقرب متاحا من اللحظة الأولى. لكن القلوب مثل الحدائق، تحتاج إلى عناية متواصلة وإلى وقت يكشف طبيعة الأشياء. فالمحبة الحقيقية لا تُقاس بسرعة بدايتها، وإنما بقدرتها على البقاء حين تمر الأيام بتقلباتها. ولعل أكثر ما نخسره حين نفقد ثقافة الانتظار هو قدرتنا على احتمال الطريق. صرنا نركز كثيرا على الوصول وننسى أن الطريق نفسه يحمل دروسا لا تمنحها النهايات. الطفل الذي يتعلم الصبر على إنجاز مهمة، والشاب الذي ينتظر فرصة عمل مناسبة، والكاتب الذي يعمل سنوات على كتاب واحد، جميعهم يتعلمون معنى عميقا للحياة: أن القيمة لا تأتي دائما من السرعة، وأن بعض الأشياء الجميلة تحتاج إلى وقت كي تصبح جديرة بنا. الانتظار أيضا يعلّمنا التواضع أمام قوانين الحياة. فهناك مواسم للزرع ومواسم للحصاد، وهناك أحلام تتأخر لأنها تحتاج إلى أصحاب أكثر استعدادا لها. وربما كانت بعض التأخيرات التي نغضب منها تحمل في داخلها حماية خفية أو فرصة لإعادة النظر. لا يعني ذلك أن نرفض التطور أو نعود إلى بطء الماضي، فالتقدم حاجة بشرية، والسرعة في كثير من المجالات نعمة حقيقية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول السرعة إلى معيار وحيد للحكم على الأشياء، وحين يصبح كل ما يحتاج إلى وقت موضع شك أو ملل. نحتاج إلى استعادة علاقة أكثر اتزانا مع الزمن. أن نمنح الكتاب وقته، والمشروع فرصته، والعلاقة نموها الطبيعي، وأن نفهم أن بعض الإنجازات تشبه الأشجار العتيقة؛ لا تلفت النظر وهي تنمو، لكنها تمنح الظل حين تشتد الحاجة إليه. ثقافة الانتظار ليست دعوة إلى التأجيل أو الكسل، وإنما هي احترام لإيقاع الأشياء. إنها قدرة هادئة على البقاء بالقرب من الحلم حتى يكتمل، وعلى مواصلة الطريق حتى حين لا تظهر النتائج سريعا. وربما كانت هذه الفضيلة القديمة واحدة من أكثر ما نحتاج إليه اليوم، لأن الحياة التي تركض كثيرا قد تصل إلى أماكن كثيرة، لكنها تحتاج أيضا إلى لحظة تتوقف فيها لتسأل: ماذا فقدنا ونحن نسرع؟
552
| 26 يوليو 2026
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...
9411
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...
1125
| 06 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1089
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
540
| 12 أكتوبر 2026
نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...
534
| 07 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
498
| 11 أكتوبر 2026
الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...
471
| 07 أكتوبر 2026
ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...
435
| 06 أكتوبر 2026
توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...
417
| 06 أكتوبر 2026
كثيرًا ما تنتشر في عالم الإدارة والتنمية البشرية...
402
| 09 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
402
| 11 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية