رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

اليسر وليس العسر

﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ آية قصيرة في مبناها واسعة في معناها، تتسلل إلى القلب كما يتسلل الضوء إلى غرفة أُغلقت طويلاً، فتوقظ في المرء إحساسًا خفيًا بأن الحياة لم تُخلق لتكون حلبة اختبار دائمة، ولا ساحة عقاب مفتوح، وإنما ممر رحيم يعبره بخطى متدرجة، يتعلم ويتعثر ويستعيد توازنه ثم يمضي. كلما تأملت هذه الآية شعرت أن الخطاب فيها حميمي، كأنه يلامس كتف المتعب ويقول له إن التكليف في جوهره تيسير، وإن الشريعة في أصلها رفق، وإن الله الذي خلق هذا القلب أدرى بما يثقله وما يخففه. اليسر هنا ليس ترخيصًا عابرًا، ولا تنازلاً مؤقتًا، وإنما هو فلسفة كاملة في النظر إلى العبادة وإلى الحياة معًا. فالصوم الذي نمارسه كل عام في رمضان لا يُفرض على المريض، والمسافر يُؤذن له أن يؤجل، والضعف يُراعى، والنسيان يُعفى عنه، والخطأ يُغفر بالتوبة. كأن الآية ترسم حدود العلاقة بين السماء والأرض، فتقول إن الله لا يطلب من عباده ما ينهكهم، وإنما ما يزكيهم. غير أن ما يلفتني في الآية ليس بعدها الفقهي وحده، وإنما بعدها النفسي أيضًا. كم من شخص يحمّل نفسه أعباء إضافية باسم الدين، ويمارس على روحه قسوة لم يطلبها الله منه، ويظن أن المشقة غاية، وأن الألم دليل صدق، وأن الطريق إلى الله مفروش بالأشواك حصراً. بينما الآية تعيد ترتيب هذا التصور كله، وتهمس بأن القصد هو الطمأنينة، وأن اليسر ليس استثناءً بل أصل. وحين ننظر إلى حياتنا اليومية نجد أننا نختبر هذه المعادلة باستمرار. أمٌ تسهر على طفلها المريض، وتظن أنها مقصّرة لأنها لم تُكمل وِردها اليومي من القرآن الكريم، وموظف يجلد ذاته لأنه لم ينجز فوق طاقته، وزوجة تخاف أن تعترف بتعبها كي لا تُتهم بالضعف. هؤلاء جميعًا يحتاجون إلى أن يسمعوا الآية كما لو أنها قيلت لهم وحدهم. يريد الله بكم اليسر، أي أنه يعلم حدود الجسد وحدود الروح، ويعلم أن الإرهاق لا يصنع فضيلة، وأن الاعتدال هو الطريق الأقرب إلى الثبات. وهنا يتقاطع معنى اليسر مع معنى العدل، فالعدل أن يُخاطَب المرء بما يستطيع، وأن يُحاسَب على ما يملك، وأن يُعطى فسحة حين تضيق به السبل. والعسر في الآية ليس مجرد مشقة عابرة، وإنما تضييق دائم، واختناق في الروح، وإحساس بأن الحياة فخ محكم. لذلك جاء النفي قاطعًا، ولا يريد بكم العسر، وكأن العسر غريب عن جوهر الرسالة، طارئ على مقاصدها. وقد تأملت كثيرًا كيف تتجلى هذه الآية في تفاصيل صغيرة، في رخصة المسح على الجبيرة، وفي سقوط بعض الواجبات عن العاجز، وفي فتح باب التوبة على مصراعيه مهما تعاظم الخطأ. كل ذلك يشير إلى أن العلاقة مع الله ليست عقدًا صارمًا بين سيد وعبد، وإنما صلة رحمة، ومساحة أمان، ونداء دائم إلى التوازن. ولعل أجمل ما في هذه الآية أنها تعيد للمرء ثقته بربه وبنفسه معًا، فتقول له إن الطريق إليه ليس متاهة، وإن العبادة ليست امتحانًا دائم الرسوب، وإن السقوط لا يلغي المحاولة. وهي في الوقت نفسه تضع مسؤولية أخلاقية علينا، فكما أراد الله لنا اليسر، ينبغي أن نريده لبعضنا، في الأسرة والعمل والمجتمع، وأن نكف عن تحويل الحياة إلى سباق مرهق لإثبات الاستحقاق. أقرأ الآية فأشعر أنها ترفع عن كتفي شيئًا خفيًا، وتدعوني إلى أن أكون أكثر رفقًا بنفسي وبالآخرين، وأن أفهم الدين بوصفه مساحة حياة لا عبئًا إضافيًا. وحين أستعيدها في لحظات التعثر أجدها تقول لي إن الطريق مهما طال يظل ممهورًا بالرحمة، وإن الله الذي أراد بنا اليسر لا يتركنا أسرى للعسر، ما دمنا نسعى ونتعثر ونعود.

210

| 02 مارس 2026

سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها من الخوف، إلا بعد أن كبرتُ واكتشفتُ أن بعض الظلال كانت تمشي معنا ثم تغيب فجأة، تاركةً في أرواحنا ضوءها الطويل. كان عمّي أول من أخذ بيدي إلى القرآن، لا بوصفه كتابًا نحفظه لننجو من اختبار، بل بوصفه حياةً نحتمي بها حين تضيق الحياة. كان يجلس إلى جواري بصبرٍ لا يشبه إلا الآباء، يصحّح مخارج الحروف كما لو أنه يعيد ترتيب قلبي، ويبتسم كلما أخطأتُ، كأن الخطأ نفسه فرصةٌ جديدة كي يربّت على روحي لا على لساني فقط. لم يكن يعلّمني كيف أقرأ الآيات، بل كيف أسكن إليها، وكيف أجعل من التلاوة مأوى حين تتشظّى الأيام. في مرات نادرة كان يحلو له أن يوصلنا إلى المدرسة، وفي الطريق، كانت السيارة تتحوّل إلى فصلٍ صغيرٍ من الطمأنينة؛ يسألنا عن سورةٍ قصيرة، أو عن دعاءٍ نحفظه قبل النوم، أو عن معنى آيةٍ سمعناها البارحة، ثم يضحك حين نتلعثم، ويعيد السؤال بطريقةٍ تجعل المعرفة لعبةً لا واجبًا. لم يكن الطريق طويلًا، لكنه كان يكفي ليزرع فينا شيئًا لا يذبل، شيئًا ظلّ يكبر معنا من دون أن نشعر، حتى صرنا نحمل أسئلته معنا كلما مشينا وحدنا في طرقٍ أكبر من طفولتنا. علّمني الصلاة وأنا في السادسة من عمري كما لو أنه يسلّمني مفتاحًا سريًا للحياة؛ وقف إلى جواري، بعد أن صحّح وقوفي، همس بالتكبير، ثم تركني أكتشف وحدي أن الطمأنينة التي تغمرني وأنا أرفع يديّ ليست سوى أثر يده التي دلّتني إلى الطريق. كبرتُ، وكبرت معي تلك الطقوس الصغيرة، وصرتُ كلما وقفتُ للصلاة أشعر أن بيني وبينه مسافةً من دعاء لا تنقطع. كان أيضًا ملاذي حين أشعر بأن العالم أوسع من قدرتي على الاحتمال. أذكر جيدًا ذلك اليوم عندما كنت في الصف الأول المتوسط، حين وقفتُ مرتبكة أمام إبرة التطريز، عاجزةً عن التعامل معها كما يجب، فانهالت عليّ معلمة التدبير المنزلي بعقابٍ لم أفهم قسوته بقدر ما شعرتُ بإهانته، صفعتني على وجهي وهو عقاب لم أعتده أبداً. عدتُ يومها منكفئة الروح، أحمل في صدري خوفًا مفاجئاً من المدرسة التي أحبها. في صباح اليوم التالي، جاء عمّي معي، لم يكتفِ بأن يسمع حكايتي ويصدقها، بل حملها معه إلى المدرسة كما لو أنها قضيته الشخصية الكبرى؛ وقف بغضب أمام الإدارة والمعلمة، وتحدّث بصوتٍ عالٍ لم أعهده، وعنف المعلمة حتى أجبرها أن تعتذر لي أمام الفصل كله. يومها فقط فهمتُ أن الأمان قد يأتي في هيئة رجلٍ يعرف كيف يردّ عنك الأذى، لا بالصراخ، بل بالعدل؛ وأن الكرامة يمكن أن تُستعاد حين يجد المرء من يؤمن بأنه لا يستحق أن يُهان. لم أكن أعرف أن تلك اللحظات العابرة، التي بدت يومًا جزءًا عاديًا من صباحاتنا، كانت تبني في داخلي يقينًا سيبقى بعد أن يغيب. لم أكن أعرف أن صوته وهو يتهجّى معي آية، سيبقى يتردّد في ذاكرتي كلما قرأتُ وحدي، وأن ابتسامته وهو يسمعني أتمّ سورةً للمرة الأولى، سترافقني كلما حاولتُ أن أبدأ من جديد. اليوم، لا أرثي رجلًا رحل، بل أرثي زمنًا كان فيه الإيمان يأتي بصوتٍ أعرفه، وطمأنينة تمشي إلى جواري في هيئة عمّ. أرثي تلك اليد التي كانت تأخذ طفولتي إلى الله برفق، وتعيدها إليّ أكثر اتساعًا ونقاء. رحل عمّي، لكن القرآن الذي علّمني إياه ما زال يفتح لي أبوابه كلما أغلقت الدنيا نوافذها، والصلاة التي أرشدني إليها ما زالت تمدّ لي جسور النجاة كلما تعثّرتُ في الطريق. رحل، لكن الطريق إلى المدرسة ما زال طويلًا في داخلي، وما زالت أسئلته الصغيرة تتردّد في ذاكرتي، كأنها تريد أن تطمئن أنني لم أنسَ الدرس. سلامٌ عليه في الغياب كما كان سلامًا في الحضور، ورحمةٌ تليق بقلبٍ أمضى عمره يزرع النور في طرقات الآخرين، ثم مضى هادئًا كما يمضي الدعاء بعد أن يقال.

582

| 23 فبراير 2026

حين تمشي الأحلام على قدميك

يحدث أحيانًا أن يتأخر العالم كله خطوةً واحدة، كي يفسح المجال لقلبٍ قرر أن يمضي. ليس لأن الطريق معبّد، ولا لأن المصادفات تتواطأ مع الرغبات، وإنما لأن المرء حين يصغي بصدق إلى نداء داخله، تتبدل علاقته بالأشياء، فيرى العثرة امتحانًا، ويرى الانتظار تربيةً خفية للإرادة، ويرى في المسافة الطويلة مساحةً يختبر فيها صلابته وحنانه معًا. القلوب لا تتكلم بصوت مرتفع، لكنها تعرف كيف تُلحّ. تضع في صدر صاحبها فكرة صغيرة، وتتركه يفاوضها أيامًا وسنوات، ثم تعود فتطرق عليه من جديد، حتى يفهم أن المراوغة لن تنقذه من قدره الشخصي. كثيرون يختارون السلامة، يلوذون بما اعتادوه، ويبررون تراجعهم بحكمةٍ باردة، بينما في أعماقهم حلمٌ يشيخ قبل أن يولد. وقليلون أولئك الذين يقبلون التحدي، فيصافحون خوفهم، ويمضون. ليس الطريق إلى الحلم مستقيمًا كما تتخيله الكتب التحفيزية، ولا هو معركة بطولية صافية. هو حياة كاملة تتخللها التفاصيل الصغيرة، والالتزامات اليومية، والشكوك التي تزور المرء في الليل. وهو صبر يتكرر كل صباح، وصبر يتجدد كلما تعثرت الخطى. الصبر هنا ليس انتظارًا سلبيًا، بل فعل مقاومة هادئ، مقاومة للتعب، ولإغراء التراجع، ولأصوات الآخرين حين يطالبونك بأن تكون نسخة مألوفة منهم. حين يصدق المرء نداء قلبه، تتغير زاوية النظر. يرى في كل عائق درسًا، وفي كل خسارة تدريبًا، وفي كل تأخير اختبارًا لصدق الرغبة. يتعلم أن الأحلام لا تُمنح لمن يتغنى بها، وإنما لمن يخدمها يومًا بعد يوم، ومن دون ضجيج داخلي، ومن دون إعلان متكرر عن نواياه. الحلم كائن حساس، يحتاج إلى عناية، وإلى صبر طويل، وإلى قدرة على الاحتمال. وما يبدو مستحيلًا من الخارج، يذوب تدريجيًا أمام إصرار هادئ. المستحيل ليس صخرةً صماء، بل فكرة متضخمة في الذهن. حين يقترب المرء منها، يكتشف أن لها شقوقًا، وأن بالإمكان تسلقها خطوة بعد أخرى. تنحني المستحيلات أمام من يعرف ما يريد، وأمام من يقبل أن يدفع الثمن، وأمام من يتصالح مع بطء النتائج. غير أن المسألة لا تتعلق بتحقيق حلم وحسب، وإنما بتحول داخلي عميق. فالحلم الذي يتحقق بعد صبر طويل، يترك في صاحبه أثرًا مختلفًا. يجعله أكثر اتساعًا، وأكثر فهمًا لمعنى الجهد، وأكثر رحمة بمن ما زالوا في بداية الطريق. وحين تمشي الأحلام في وضح النهار، لا تكون مجرد إنجاز شخصي، بل شهادة على أن الإرادة قادرة على إعادة تشكيل المصير. هناك لحظة فارقة في كل تجربة صادقة، لحظة يدرك فيها المرء أنه لم يعد يركض خلف حلمه، بل صار الحلم يسير معه. عندها يهدأ القلق، ويستقر اليقين، ويصبح النجاح نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل. يتحول الهمس البعيد الذي كان يسكن الخيال إلى واقع ملموس، وإلى تفاصيل يومية، وإلى مسؤولية جديدة. الصدق مع القلب ليس رفاهية عاطفية، بل قرار أخلاقي أيضًا. هو انحياز إلى ما نؤمن به، وإلى ما يمنح حياتنا معناها الخاص. وهو شجاعة في مواجهة التوقعات الاجتماعية التي تحاصر الفرد بقوالب جاهزة. كل مرة يختار فيها المرء صوته الداخلي، يحرر جزءًا من روحه، ويؤكد أن الحياة تستحق أن تُعاش بامتلاء. قد يطول الطريق، وقد تتعثر الخطى، وقد يظن المرء أحيانًا أن الحلم ابتعد، غير أن الإصرار الصادق يعيد ترتيب المسافات. ما كان بعيدًا يقترب، وما كان خافتًا يتضح، وما كان حلمًا يصبح خبرة معاشة. وحين ينظر المرء خلفه، يبتسم لذلك القلب الذي ألحّ، ولتلك الخطوة الأولى التي بدت صغيرة، فإذا بها تفتح دربًا كاملًا.هكذا تتحول الأحلام من همسٍ في العتمة إلى حقيقة تمشي معنا في وضح النهار، وهكذا يتعلم المرء أن الإصغاء إلى قلبه ليس مخاطرة عابرة، بل هو الطريق الوحيد كي يحيا حياة تليق به.

414

| 18 فبراير 2026

أبستين ومقاييس العالم المزدوجة !

قضية إبستين أوسع من حكاية فردية وأثقل من فضيحة جماعية، وأشدّ تعقيدًا من أن تُختصر في اسمٍ أو صورة أو مقطع أو تقرير أُفرج عنه بعد حذفٍ مريب. ما جرى هناك كان تمرينًا قاسيًا على كشف ما يُقال عنه حضارة وهو في جوهره شبكة مصالح، وما يُقدَّم بوصفه منظومة قيم بينما يتصرّف كآلية انتقاء لا ترى إلا من يملك النفوذ والمال. القضية لم تصدم الضمير الإنساني لأنّها كشفت جريمة، فالعالم يعرف أن الجرائم لا تُرتكب في الأزقة المظلمة وحسب، بل لأنّها عرّت ذلك التناقض الفجّ بين الخطاب والممارسة، وبين محاضرات حقوق الإنسان، والقدرة الفائقة على حماية المتورطين عندما ينتمون إلى النادي الصحيح؛ نادي الأسماء اللامعة، والعلاقات العابرة للقارات، والابتسامات المصقولة في الصور الجماعية. ما يلفت النظر أنّ الأسئلة الكبرى لم تُهزم بالحجج، لكنها دُفنت بالصمت المدروس، وبالتسويف، وبإغراق التفاصيل الثانوية، وبالتلاعب بمسار العدالة من داخلها، وكأن النظام يقول ببرود؛ يمكننا أن نتحمّل سقوط فرد، لكننا لن نسمح بأن يُمسّ السقف. والسقف هنا ليس قانونًا، بل شبكة حماية غير مرئية، تعمل بدقة، وتعرف متى تُغلق الملفات، ومتى تفتح نوافذ جانبية للهروب. الغرب الذي يقدّم نفسه وصيًا أخلاقيًا على العالم، والمستعدّ لقياس ديمقراطيات الآخرين بمسطرة صارمة، بدا في هذه القضية مرتبكًا ومتلعثمًا ومشغولًا بترتيب روايته أكثر من انشغاله بالضحايا الذين صاروا أرقامًا، أو شهادات مبتورة، أو قصصًا مؤجلة باسم الإجراءات. واللافت أنّ الشفافية، التي تُرفع شعارًا في مواجهة دول أخرى، غابت حين صار السؤال داخليًا، وحين صار الاتهام يطال طبقات عليا لا يُفترض الاقتراب منها. لم يكن انهيار الثقة لحظة واحدة، بل تراكم إحساس بأن العدالة ليست عمياء كما يُقال، بل تعرف جيدًا إلى أين تنظر، ومتى تُشيح بوجهها. تعرف من يُستدعى للتحقيق، ومن يُستثنى باسم الحصانة غير المكتوبة. تعرف كيف تُدار المحاكم حين يكون المتهم ثريًا، وكيف تُغلق الأبواب حين تصبح الحقيقة مُكلفة. الأخطر من الجريمة ذاتها هو ما بعدها، لأن ما بعدها كشف أن النظام قادر على امتصاص الصدمة، وعلى إعادة إنتاج نفسه من دون مراجعة حقيقية. تُصدر البيانات، وتُعقد المؤتمرات، ويُعاد تدوير المفردات ذاتها، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة، وكأن العدالة ترفٌ يُؤجَّل حين يهدد صورة القوة. هذه القضية، في جوهرها، لم تكن عن الغرب فقط، بل عن المعايير المزدوجة حين تُصبح أخلاق السياسة أداة انتقائية. عن عالم يطالب الآخرين بالاعتراف والاعتذار والمساءلة، لكنه حين يُمتحن في ساحته، يختار الإغلاق بدل المكاشفة، ويطلب من الجميع أن يصدّق رواية صيغت بعناية، ومن دون أن تُستكمل فصولها. ما يجعل إبستين علامة فارقة ليس اسمه، بل ما كشفه من هشاشة الخطاب الإنساني حين يُواجه بالسلطة. كشف أن العدالة، إن لم تكن شجاعة، تتحول إلى إجراء شكلي. وكشف أن حقوق الإنسان، إن لم تُحمَ حين تُهدِّد الكبار، تفقد معناها حين تُستخدم لمحاسبة الضعفاء فقط. لهذا تبقى القضية مفتوحة أخلاقيًا، حتى لو أُغلقت قانونيًا. تبقى جرحًا في خطابٍ طالما قدّم نفسه مثالًا أعلى. وتبقى تذكيرًا بأن الحقيقة لا تموت، لكنها قد تُحبس طويلًا، وأن السؤال، مهما دُفن، سيجد يومًا ما طريقه إلى الضوء، ولو بعد حين. ويبقى السؤال معلّقًا علينا نحن، كمسلمين وكعرب، بوصفنا أطرافًا في امتحان الوعي والكرامة، إذ لا يكفي أن نرى زيف الخطاب الغربي ثم نكتفي بالاستنكار، ولا يكفي أن نلوّح بالمعايير المزدوجة ونحن نمارس على ذواتنا جلدًا صامتًا، أو نُسلِّم بأن الهزيمة قدر ثقافي. فمواجهة هذا الانسحاق تبدأ باستعادة الثقة بالعقل، وبالقدرة على إنتاج خطاب أخلاقي مستقل، لا يستجدي الاعتراف، ولا يتغذّى على عقدة النقص، ولا يستعير قيمه من مرايا الآخرين. نحن مطالبون بالشجاعة في مساءلة أنفسنا، وبالصرامة في حماية الإنسان أينما كان، وببناء سردية أخلاقية تعرف موقعها من العالم، وتخاطبه من موقع الندّ للند. فحين نكفّ عن استعارة مقاييس الآخرين لقياس ذواتنا، ونمتلك شجاعة الوقوف في مساحة الوعي لا التبعية، يصبح السؤال قوة، وتغدو الكرامة ممارسة يومية لا شعارًا مؤجلًا… للأبد!

237

| 09 فبراير 2026

عبدالعزيز السريع.. رجل المسرح النبيل

لم يكن خبر رحيل عبدالعزيز السريع خبرًا عابرًا في صباح عادي، بل كان أشبه بانطفاء مصباح قديم اعتدنا أن نستدلّ به ونحن نعبر عتمات الأسئلة الكبرى. ثمة أشخاص لا يغادرون المشهد لمجرد أنهم رحلوا، لأن حضورهم كان أعمق من الجسد، ولأن أثرهم تسرّب طويلًا إلى الوعي، وإلى اللغة، وإلى تلك المساحة الهشة التي نقف فيها بين الفن والحياة. عبدالعزيز السريع واحد من هؤلاء الذين حين يرحلون، لا يتركون فراغًا فقط، بل يتركون مسؤولية ثقيلة على من تبقى؛ أن يتذكره كما ينبغي، وأن يكتب عنه بقدر ما كتب هو عنّا. كان أبو منقذ من الذين منحوا المسرح الكويتي روحه، لا بالادعاء ولا بالصوت العالي، بل بالعمل الصبور، وبالإيمان العميق بأن الخشبة ليست مكانًا للعرض فحسب، بل مساحة للمساءلة، وللاختبار الأخلاقي، ولإعادة النظر في علاقة المرء بذاته وبالآخرين. اشتغل على المسرح بوصفه معرفة وموقفًا وفعلًا لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والسياسي والإنساني، ولذلك لم يكن كاتبًا يُستهلك مع الزمن، بل صاحب أثر يتجدد كلما تغيّر السؤال وتبدّل المشهد. في تجربته المسرحية، لم يكن السريع يكتب ليُرضي، ولا ليؤكد ما هو سائد، بل ليزعج الثابت، وليفتح شقوقًا في السرديات المطمئنة. كانت شخصياته مشغولة بالإنسان وليس بالشعار، وبالأسئلة أكثر من الأجوبة، وبالهشاشة بوصفها جزءًا من القوة لا نقيضًا لها. ولهذا ظل حضوره فاعلًا، حتى حين خفت الضوء، وحتى حين غاب الجسد. في عام 2012، وهو يُعدّ لكتابه المهم «حديث المسرح»، وهو كتاب يُشبه سيرة فكرية بقدر ما هو تأمل نقدي في الحركة المسرحية الكويتية والخليجية والعربية، فاجأني بطلب كتابة مقدمته. حاولت التملص، لا تواضعًا مصطنعًا، ولكن حرجًا حقيقيًا من فكرة أن تكتب التلميذة مقدمة لكتاب أستاذها، فقال لي بهدوئه الذي لا يترك مساحة للاعتراض: لن يكتبها غيرك، ولن يصدر الكتاب بغيرها. وحدث ما قال. كتبت المقدمة، وكنت أعرف أنني أقدّم شهادة، وأنني أضع اسمي في مساحة أمانتها أثقل من المجاملة، وأصدق من الاحتفاء. ذلك الكتاب كان وثيقة حيّة عن مسرح عاشه السريع وشارك في صناعته وواجه من خلاله الهجوم والتهميش وسوء الفهم، كما واجه النجاح والتقدير والجدل. كان يرسم صورة واضحة للمعالم الكبرى في الحركة المسرحية في الكويت، ويضيء على رجالها ونسائها، ويستعيد تفاصيل المشهد بوصفه كائنًا حيًا، يتألم ويتعافى ويتغير، لا بوصفه أرشيفًا جامدًا. اليوم، ونحن نودّعه، نرثيه ونستعيده، ولا نغلق الصفحة قبل أن نعيد قراءتها. العزاء لابنه الأستاذ منقذ، أخي وزميلي في سنوات الدراسة الجامعية، ولابنته الغالية نادية، الصديقة النبيلة، ومستودع الطيبة والحب، ولأسرته الكريمة، ولمحبيه، وللمسرح الذي فقد أحد أنبل حرّاسه. أما هو، فيمكنه أن ينام هادئًا، لأن الكلمة التي زرعها لم تمت، ولأن أثره ما زال يقف معنا، كلما أظلم السؤال، وكلما احتجنا إلى من يذكّرنا بأن الفن ليس ترفًا، بل مسؤولية لا تسقط بالتقادم.

249

| 02 فبراير 2026

احترام رأي أم تواضع مزيف؟

نردّد بعض العبارات الشهيرة بحسن نيّة، ونرفعها إلى مقام الفضيلة، ونظنّ أننا كلما تشبّثنا بها ازددنا رقيًّا واتساعًا، غير أننا لا ننتبه إلى اللحظة الدقيقة التي تنقلب فيها هذه الفضيلة إلى عبء ثقيل، وإلى قيد ناعم يلتف حول المعنى والذات معًا. من أكثر هذه العبارات شيوعًا وأشدّها التباسًا مقولة احترام الرأي الآخر، تلك العبارة التي تبدو بريئة في ظاهرها، نبيلة في مقاصدها، لكنها في بعض السياقات تتحوّل إلى ذريعة للتراجع، وإلى مبرر صامت للتقليل من شأن أنفسنا وأفكارنا ومواقفنا، وكأن الاحترام لا يكتمل إلا على حساب ما نؤمن به. يتعلّم المرء الحوار عادة بالتجربة وبالاحتكاك وبالخطأ، ويتعلّم معه أن الإصغاء لا يعني الذوبان، والقبول لا يستلزم التنازل، والانفتاح لا يفرض تعليق العقل عند أول اختلاف. غير أن الخطاب العام، بشقّيه الثقافي والاجتماعي، نجح في ترسيخ معادلة ملتبسة مفادها أن من يتمسّك برأيه يُتّهم بالتعصّب، وأن من يدافع عن قناعته يُدرج فورًا في خانة الإقصاء، وكأن الرأي الآخر كائن هشّ يحتاج إلى حماية دائمة من أي نقاش جاد، أو من أي سؤال قلق. نقع في هذا الفخ حين نساوي بين الرأي بوصفه تعبيرًا حرًّا، وبين كل ما يُقال مهما كان سطحيًا أو مضللًا أو عديم المسؤولية. نقع فيه حين نخشى أن نبدو حادّين فنخفّف لغتنا، ونخشى أن نبدو واثقين فنعتذر عن يقيننا، ونخشى أن نبدو مختلفين فنقدّم تنازلات لا يطلبها أحد سوى خوفنا الداخلي من سوء الفهم أو من العزلة. وهنا يبدأ الاحترام في فقدان معناه الأخلاقي، ويتحوّل إلى سلوك دفاعي، وإلى نوع من المجاملة الفكرية التي لا تحمي الحقيقة ولا تصون الكرامة. الاحترام الحقيقي لا يُختبر في لحظات التوافق، بل في مناطق التوتر الهادئ، حين يقول المرء: أنا أسمعك، وأفهم منطلقك، وأختلف معك، من دون أن يشعر بالحاجة إلى تبرير اختلافه أو تليينه أو الاعتذار عنه. احترام الرأي الآخر لا يعني تعليق ميزان النقد، ولا يعني تجميد القيم، ولا يعني مساواة الجهد المعرفي بالانطباع العابر. هو اعتراف بحق الآخر في الكلام، لا بمنحه حصانة من المساءلة، وهو إقرار بوجوده، لا إلغاء لوجودي. في كثير من النقاشات، نلاحظ كيف يُطلب من أصحاب المواقف الواضحة أن يكونوا أكثر ليونة، بينما لا يُطلب من أصحاب الآراء الهشّة أن يكونوا أكثر عمقًا. يُطلب من المثقف أن يبسّط موقفه حدّ التفريغ، ومن الكاتب أن يخفّف حدّته حدّ التمييع، ومن صاحب التجربة أن يضع خبرته على الهامش كي لا يُشعر غيره بالنقص. وهكذا، باسم الاحترام، يُعاد توزيع الأدوار على نحو غير عادل، ويُكافأ التردّد، ويُشكّك في الثبات، وتُستبدل الجرأة بالحذر. ليس المطلوب أن نرفع أصواتنا، ولا أن نتحوّل إلى قضاة، ولا أن نمارس وصاية على أحد، بل المطلوب أن نستعيد ثقتنا بأن الرأي الذي يتكئ على معرفة، ويتغذّى من تجربة، ويُقال بوضوح، لا يحتاج إلى اعتذار. المطلوب أن نفصل بين الاحترام بوصفه قيمة إنسانية، وبين الخضوع بوصفه سلوكًا مكتسبًا. أن نُدرك أن التواضع لا يعني تصغير الذات، وأن اللياقة لا تعني إخفاء القناعة، وأن الحوار لا يعيش إلا حين يكون الطرفان حاضرين بكامل أصواتهم. حين نكفّ عن التقليل من شأن أنفسنا تحت لافتات براقة، وحين نعيد تعريف احترام الرأي الآخر بوصفه مساحة مشتركة لا ساحة إلغاء، نكون قد أنقذنا المعنى من التآكل، وأنقذنا أنفسنا من صمت لا يشبهنا، ومن تواضع مزيّف لا يليق بتجربة مرّت بما يكفي لتعرف أن الكلمة الواضحة، حتى حين تكون حادّة، أصدق من صمت مهذّب يخفي خوفًا لا فكرة.

309

| 26 يناير 2026

الموناليزا حين تتكلم

عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض المحاضرات لا تنتهي أفكارها عند حدود القاعة التي تقدم فيها، بل تبدأ هناك، ثم تواصل عملها في أعماقنا بصمت. من هذا النوع كانت المحاضرة التي قدّمها الباحث الكويتي بدر العجمي قبل أيام في الكويت بعنوان «سر الموناليزا لتحقيق النجاح: انعكاس الذات بين أسرار الفن والعقل الباطن»، حيث لم تُقرأ اللوحة بوصفها أثرًا فنّيًا محفوظًا في متحف، وإنما ككائن حيّ، يختبر وعينا، ويقيس قدرتنا على النفاذ خلف السطح، وعلى تفعيل البصيرة بدل الاكتفاء بالنظر. منذ البداية، بدا واضحًا أن الحديث لن يتوقف عند جماليات الشكل ولا عند التاريخ الفني للعمل، بل سيمضي أبعد، إلى منطقة شائكة وحسّاسة، منطقة ما وراء المعنى، حيث تتقاطع ظواهر الأشياء مع بواطنها، وحيث لا يعود النجاح نتيجة رقمية أو صورة اجتماعية، بل حالة وعي، وقدرة على قراءة ما لا يُصرَّح به. كانت الموناليزا حاضرة لا كامرأة مرسومة، بل كبنية نفسية مفتوحة، وكحالة إدراكية تختبر المتلقي بقدر ما ينظر إليها. ما شدّني في طرح المحاضِر، وفي النقاشات الحيوية التي تفاعلت معه، هو هذا الإصرار الذكي على أن سرّ الموناليزا لا يكمن فيما نراه مباشرة، بل فيما نشعر به دون أن نستطيع القبض عليه لغويًا. الابتسامة ليست لغزًا بصريًا بقدر ما هي تمرين على البصيرة، على تلك القدرة الداخلية التي تلتقط الإيحاء قبل التفسير، وتقرأ الصمت قبل الكلام. وهنا، تحديدًا، تتجلّى العلاقة العميقة بين الفن والعقل الباطن، حيث لا تعمل الأشياء بمنطق مباشر، وإنما عبر طبقات من الحدس والتجربة والذاكرة. توقفت كثيرًا عند فكرة أن دافنشي لم يكن معنياً بتقديم معنى واحد، بل بتدريب العين والعقل معًا على رؤية التعدد. الخلفية الثرية، والمسارات غير المستقيمة، وتوازن الضوء والظل، كلها عناصر لا تُكمل المشهد بقدر ما تفتحه، وكأن اللوحة تقول إن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، وإن البصيرة لا تعمل إلا حين نقبل بعدم الاكتمال. هذه المقاربة، كما طُرحت في المحاضرة، أعادت تعريف النجاح بوصفه قدرة على فهم الظواهر دون الوقوع في فخها، وعلى العبور من الشكل إلى الجوهر دون تعالٍ أو ادّعاء. النقاشات التي دارت أثناء المحاضرة عمّقت هذا الفهم، خصوصًا حين جرى الربط بين البصيرة كأداة إدراك، وبين النجاح كمسار داخلي طويل. كان لافتًا كيف جرى تفكيك الفكرة الشائعة عن النجاح بوصفه وضوحًا دائمًا، واستبدالها بفكرة أكثر إنسانية، ترى في التردد، وفي السؤال، وفي المراجعة، عناصر قوة لا علامات ضعف. نجاح يشبه الموناليزا في هدوئه، وفي ثقته غير الصاخبة، وفي قدرته على الحضور بلا استعراض. في هذا السياق، بدت اللوحة أقل غموضًا وأكثر صدقًا. لم تعد لغزًا يُطلب حله، بل تجربة تُمارَس، ومساحة يتدرّب فيها المرء على قراءة نفسه. وهذا ما منح المحاضرة قيمتها الفعلية، أنها لم تفرض نتائج جاهزة، ولم تُغلق باب التأويل، بل احترمت ذكاء المتلقي، ودعته إلى تشغيل بصيرته، وإلى التفكير في علاقته بذاته، وفي الطريقة التي يرى بها الأشياء، وفي الكيفية التي يصنع بها معنى نجاحه الخاص. خرجتُ من تلك المحاضرة المطولة وأنا أكثر اقتناعًا بأن الأعمال العظيمة لا تُقاس بما تظهره، بل بما تخفيه دون أن تحجبه، وبأن الفن، حين يُقارب بوعي نقدي وإنساني، يتحوّل إلى أداة كشف داخلي. تحية لبدر العجمي على محاضرته العميقة، وعلى قدرته على تحويل لوحة أيقونية إلى مساحة تفكير حيّ، وعلى طرحه الذي أعاد الاعتبار لقوة البصيرة، وللمعنى الذي لا يُقال، وللنجاح بوصفه رحلة وعي قبل أن يكون محطة وصول.

504

| 19 يناير 2026

اسمها الثاني حنجرة: سيرة شائكة وسرد جميل

حين حضرتُ افتتاح الموسم الجديد لبيت القراءة، أحد الأجنحة الحيوية لرابطة الأدباء في الكويت، قبل أيام، لم أكن أحضر جلسة قراءة عابرة أو احتفاء بكتاب جديد، بل مساحة تُعاد فيها مساءلة السرد نفسه، ودوره، وحدوده، وقدرته على إنصاف الأصوات التي عاشت طويلًا في الظل. الجلسة الجميلة التي نظّمتها وأدارتها بحبّ ووعي الكاتبة شيماء الأطرم حول رواية «اسمها الثاني حنجرة» للكاتبة المبدعة ميس خالد العثمان، بدت منذ لحظتها الأولى وكأنها امتداد طبيعي للنص الذي تناقشه، لا شرحًا له ولا ترويجًا، بل إصغاءً جماعيًا إلى حكاية شائكة ومؤلمة وجميلة في آن. كنت قد قرأت الرواية مسبقًا، وقرأت معها ذلك الإصرار الواضح من كاتبتها على أن تقدّم عملها بوصفه المسقط الروحي لحكاية الفنانة الكويتية الرائدة عائشة المرطة، لا بوصفه استعادة توثيقية باردة ولا خيالًا منفصلًا عن الواقع. ما يلفت في هذا النص منذ صفحاته الأولى أنه يرفض التصنيف السهل، فلا هو رواية تخييلية خالصة، ولا سيرة تسجيلية تقليدية، بل نص سردي هجين، يقف في المنطقة التي غالبًا ما تُهمل أو يُخشى الاقتراب منها، حيث تتداخل الذاكرة مع البحث، والحدس مع الوثيقة، والإنسان مع الرمز. اختارت ميس العثمان، بخبرتها السردية الطويلة، أن تقترب من عائشة المرطة عبر ما تسميه «ملامسة سردية»، وهي تسمية دقيقة ومعبّرة، لأنها لا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، ولا تزعم إعادة بناء حياة امرأة كما كانت تمامًا، بل تسعى إلى لمس جوهرها الإنساني، والتقاط ارتجافاتها، وأسئلتها، وتناقضاتها، من دون ادعاء أو وصاية. عائشة في هذا النص ليست أيقونة غنائية مكتملة ولا صورة احتفالية مصقولة، بل امرأة كافحت كي تجد صوتها في مجتمع لم يكن مهيأً للاعتراف الكامل بالمرأة ككيان مستقل، ولا بصوتها بوصفه حقًا أصيلًا لا منّة فيه. تتحرك الرواية بوعي حاد بين التاريخ والخيال، وتستدعي عائشة بوصفها صوتًا وتجربة وجرحًا مفتوحًا، لا بوصفها اسمًا محفوظًا في ذاكرة الفن. و»الحنجرة» هنا ليست استعارة عابرة ولا رمزًا تجميليًا، بل مركز الثقل كله، موضع الصوت والاختناق معًا، والرغبة في الغناء والخوف من العلن، والتمرّد المكبوت الذي لا يجد دائمًا منفذًا. هي الاسم الثاني لعائشة لأنها عاشت حياتها في صراع دائم مع هذا الصوت، متى يُسمَع، ومتى يُخنَق، ومتى يُساء فهمه، ومتى يتحوّل من نعمة إلى عبء. اعتمدت الكاتبة على بحث طويل وشاقّ، شمل مصادر نادرة وأرشيفات قديمة وروايات متناقضة، وأعادت عبره تركيب صورة عائشة كما كانت وكما جرى تغييبها، لكن اللافت أن هذا الجهد البحثي لا يطفو على سطح النص ولا يتحوّل إلى استعراض معرفي، بل يذوب برهافة وذكاء في النسيج السردي، ويمنح الرواية كثافتها وصدقها من دون أن يثقلها. لا تسير الحكاية وفق خط زمني صارم، بل تتنقّل بين الذكريات والانفعالات والأسئلة المؤجلة، وتكشف هشاشة الشخصية وقوتها في آن، وتدع المتلقي يعيش الزمن من الداخل لا من موقع المراقب الخارجي. ومن خلال عائشة المرطة، تُنصت الرواية إلى زمن كامل؛ إلى المجتمع ونظرته للفن، وإلى علاقته الملتبسة بالصوت الأنثوي حين يخرج عن المألوف، وإلى الكلفة الإنسانية الباهظة لأن تكون مختلفًا في وقت مبكر. وهي بذلك لا تكتفي بإحياء سيرة فرد، بل تعيد مساءلة تصوراتنا المعاصرة عن ذلك الزمن، وتعرّي أوهامنا عنه، وتضعنا أمام أسئلة غير مريحة عن الذاكرة والاختيار والنسيان. «اسمها الثاني حنجرة» عمل عن الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، وعن الصوت بوصفه قدرًا، وعن المرأة حين تُدفع إلى الهامش ثم يُطلب منها أن تكون رمزًا. وهو أيضًا عمل ذكي في توظيف اللهجة المحلية في تناغمها مع اللغة الفصيحة، من دون افتعال أو استعراض، بما يخدم الشخصية والزمن والجو العام للنص. إنها رواية تُقرأ بوصفها شهادة فنية ووجدانية، لا عن عائشة وحدها، بل عن كل صوت نسائي حاول أن يمرّ من عنق الزمان، وترك أثره رغم الخنق والتجاهل، ورغم كل ما قيل له يومًا إن الصمت أكثر أمانًا.

309

| 12 يناير 2026

قداسة الخطوة الفاصلة

هناك مسافة غير مرئية، لا تُقاس بالخطوات ولا تُرسم على الخرائط، لكنها أشد حضورًا من أي جدار. مسافة يشعر بها المرء حين يقترب أحدهم أكثر مما ينبغي، أو حين يتراجع فجأة من دون سبب ظاهر. هذه المسافة ليست برودًا ولا قسوة، بل هي ما يحفظ للروح اتساقها، وللعلاقة معناها، وللقرب قيمته الحقيقية. هي المسافة التي إن انهارت، انهار معها شيء خفي فينا، غالبًا لا ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان. المرء لا يُولد عارفًا بحدوده، بل يتعلمها عبر التجربة، عبر الانكسارات الصغيرة التي لا يُطلق عليها هذا الاسم، وعبر الخيبات التي لا تبدو فادحة لكنها تترك أثرًا عميقًا. نقترب أحيانًا باندفاع حسن النية، نفتح الأبواب على مصاريعها، نمنح من الداخل أكثر مما نحتمل، ثم نُفاجأ بأن ما حسبناه دفئًا صار اقتحامًا، وأن ما ظنناه أُلفة تحول إلى عبء ثقيل. عندها فقط نفهم أن المسافة ليست عائقًا، بل حماية. المسافة المقدسة لا تعني الانسحاب من الحياة، ولا العيش خلف زجاج بارد. هي أشبه بخط رفيع يرسمه المرء بين ذاته والآخرين، يسمح بالضوء ولا يسمح بالاجتياح. علاقة بلا مسافة تتحول سريعًا إلى علاقة استهلاك، يذوب فيها أحد الطرفين أو كلاهما، وتختفي فيها الملامح الفردية لصالح ذوبان مربك. القرب الحقيقي لا يلغي الحدود، بل يعترف بها ويحترمها، ويعرف أن للآخر منطقة لا تُداس حتى باسم المحبة. كثيرون يخلطون بين الصراحة والعري الكامل، وبين الثقة ورفع كل الحواجز. لكن التجربة تعلمنا أن الاحتفاظ بجزء خاص، صامت، غير متاح للجميع، ليس خيانة للعلاقة بل وفاء للنفس. هذا الجزء هو ما يجعل المرء قادرًا على العودة إلى ذاته حين تختلط الأصوات، وهو ما يمنحه توازنًا داخليًا لا تهزه تقلبات الآخرين ولا مطالبهم المتغيرة. من لا يحمي مسافته، يجد نفسه يومًا ما غريبًا عن نفسه، مستنزفًا، عاجزًا عن تفسير هذا الإرهاق العميق. المسافة أيضًا اختبار أخلاقي للعلاقات. من يحترمها، يحترمك. ومن يضيق بها، غالبًا ما يضيق بوجودك المستقل. هناك علاقات لا تحتمل أن يكون للمرء رأي مختلف، أو إيقاع خاص، أو صمت طويل. هذه العلاقات تخاف من المسافة لأنها تكشف هشاشتها، ولأنها تقوم على التملك لا على المشاركة. أما العلاقة السليمة، فتتنفس عبر هذه المسافة، وتكبر بفضلها، وتبقى قادرة على التجدد. في الحياة اليومية، تظهر قداسة المسافة في تفاصيل صغيرة: في الحق في الاعتذار عن لقاء لا طاقة له، في عدم الرد الفوري دون شعور بالذنب، في رفض التبرير المستمر، وفي القدرة على قول “لا” من دون خوف من الفقد. هذه التفاصيل ليست أنانية كما يُروَّج لها أحيانًا، بل وعي ناضج بأن العطاء الحقيقي لا يكون إلا من موقع التوازن، وأن المرء المنهك لا يمنح إلا فتات نفسه. حين يحافظ المرء على المسافة التي تليق به، يصبح حضوره أكثر صدقًا، وصوته أوضح، واختياراته أقل ارتباكًا. لا يعود محتاجًا لإثبات نفسه عبر الإفراط في القرب، ولا خائفًا من الوحدة لأن وحدته لم تعد فراغًا بل مساحة إصغاء. عندها فقط، تتحول العلاقات من ساحة استنزاف إلى مجال تفاعل حي، ومن عبء يومي إلى معنى يُضاف للحياة لا يُثقلها. المسافة بينك وبين الآخرين ليست فراغًا يجب ملؤه، بل قيمة يجب صونها. هي المساحة التي تحمي إنسانيتك من التآكل، وتمنح علاقاتك فرصة أن تكون عادلة، قابلة للاستمرار، وأقرب إلى الصدق. حافظ عليها، لا بوصفها انسحابًا، بل بوصفها اختيارًا واعيًا للحياة بكرامة داخلية، حيث يكون القرب قرارًا حرًا، لا نتيجة ذوبان.

357

| 05 يناير 2026

يمرّ العام من دون أن ألوح له بيدي

يقترب العام من نهايته، لا بوصفه تاريخًا على الحائط، ولا رقمًا يتبدّل في أعلى الصفحة، بل ككائنٍ خفيفٍ مرّ بجانبنا من دون أن يترك ظلًا واضحًا. أفكّر في هذه الطقوس التي تعلّمناها، توديع عام واستقبال آخر، كما لو أن الزمن يقف عند العتبة وينتظر تصفيقنا أو دمعتنا أو خطاباتنا الصغيرة المعلّبة. لا أعرف تمامًا ما الذي يعنيه ذلك كلّه. ماذا يعني أن نقول “وداعًا” لشيء لم يكن يومًا كيانًا مستقلًا، ولم يكن سوى امتدادٍ متواصلٍ لحياتنا، سيولة لا يمكن القبض عليها ولا الإشارة إليها بالإصبع؟العام، حين نفكّر فيه بصدق، ليس وحدةً صلبة. هو حزمة أيام غير متساوية، بعضها ثقيل حتى يكاد يكسر الظهر، وبعضها خفيف إلى حدّ النسيان. هو ليالٍ لم نكن نريد لها أن تنتهي، وصباحات تمنّينا لو أننا لم نستيقظ فيها. ومع ذلك نصرّ، كلّما اقتربت نهايته، على اختصاره في جملة، أو منشور، أو رغبة معلّقة بين أمنيتين. كأننا نخاف مواجهة الحقيقة الأبسط؛ أن الزمن لا يلتفت إلينا، وأن المرء هو من يضفي المعنى أو يتركه يتسرّب.تربكني فكرة الاستقبال. استقبال ماذا تحديدًا؟ عام جديد؟ وهل الجديد هنا صفة حقيقية أم مجرّد مجاملة لغوية؟ الأيام القادمة لا تأتي محمّلة بالوعود، بل تأتي فارغة، حيادية، تنتظر أن نملأها بما نملك من شغف أو خيبة أو قدرة على الاحتمال. وحين نبالغ في الاحتفال، أشعر أحيانًا أننا نحاول التستّر على ارتباكنا، وعلى خوفنا من الفراغ وحاجتنا إلى وهم البداية كي نواصل السير. في نهاية كل عام، يُستدرج المرء إلى محكمة داخلية. أسئلة تتراكم بلا استئذان: ماذا فعلت؟ لماذا أخفقت؟ من خسرت؟ كيف نجوت؟ لكنني لا أثق كثيرًا في هذه المحاكمات الموسمية. الحياة لا تُقاس بدورة تقويم، ولا تُختصر في حصيلة سنوية. بعض التحوّلات يحتاج سنوات كي يُرى، وبعض الجروح لا يظهر أثرها إلا بعد زمن طويل، وبعض النجاحات لا نلتفت إليها لأنها لم تكن صاخبة بما يكفي. أفكّر في الذاكرة، وكيف تتصرّف بذكاء مريب عند نهاية الأعوام. تنتقي، وتمحو، وتلمّع، وتعيد ترتيب المشاهد بما يناسب قدرتنا على الاستمرار. ليس كل ما عشناه قابلًا للعرض في حفل الختام. هناك تفاصيل صغيرة، غير قابلة للتصنيف، هي في الحقيقة ما شكّل العام فعلًا: مكالمة لم نتوقعها، أو صمت طويل أنقذنا من قول ما نندم عليه، أو كتاب فتح نافذة في لحظة اختناق، أو خيبة علّمتنا كيف نعيد تعريف أنفسنا بلا ضجيج. ما يقلقني في هذه اللحظة الفاصلة هو الميل إلى اليقين السريع. كأننا نريد أن نعرف مسبقًا ما الذي سنكونه بعد أيام، أو كيف سيكون العام القادم أكثر لطفًا وعدلًا وقابلية للتحمّل. لكن التجربة تقول إن الزمن لا يمنح ضمانات. كل ما يقدّمه هو الاحتمال. والاحتمال، في حدّ ذاته، مسؤولية. مسؤولية أن نعيش بوعي، لا بحسابات وهمية، وأن نخفّف من قسوتنا على أنفسنا حين لا تسير الأمور وفق المخطط.لا أريد أن أودّع عامًا وكأنه عدوّ، ولا أن أستقبل آخر وكأنه منقذ. كلاهما وجهان لحركة واحدة، وأنا في قلب هذه الحركة، أتغيّر من دون إعلان رسمي، فأنضج أحيانًا، وأتعب أحيانًا أكثر. وربما الحكمة الوحيدة الممكنة هي أن نكفّ عن تحميل اللحظات أكثر مما تحتمل، وأن نسمح للزمن أن يكون ما هو عليه؛ مسارًا مفتوحًا، لا قصة مكتملة الفصول. وحين يقترب العام من نهايته، أشعر بحاجة أقل للكلام، وحاجة أكبر للإنصات. إنصات لما بقي عالقًا في الداخل، لما لم يُقل، لما لم يُفهم بعد. ربما لا يحتاج المرء إلى فكرة كبيرة، ولا إلى أمنية مصقولة، بل إلى صدق هادئ مع الذات، وإلى شجاعة الاعتراف بأننا لا نعرف، وأن هذا الجهل ليس نقصًا، بل مساحة للتعلّم.هكذا، يمرّ العام، من دون أن ألوّح له بيدي، أو أفتح ذراعيّ لعام آخر. يمرّ، كما تمرّ الحياة، خطوة بعد خطوة، وأنا أحاول فقط أن أكون أكثر انتباهًا، أقل ادّعاءً، وأقرب قليلًا إلى المعنى، إن وُجد، أو إلى السؤال، إن كان السؤال هو كل ما نملك.

327

| 29 ديسمبر 2025

حين يركض النص أسرع من صاحبه: تأملات في مصير الحقوق الفكرية

لا يشبه النص، حين يُولد، أيَّ كائنٍ آخر؛ إنّه هشّ في بدايته، شديد الثقة في آن، يخرج إلى الضوء محمّلًا بذاكرة صاحبه، وبسنواتٍ من الصمت والتفكير والتردّد، ثم ما يلبث أن يجد نفسه وحيدًا في فضاء لا يعترف بالأسماء بقدر ما يحتفي بالسرعة. منذ أن صار النشر فعلًا يوميًّا، والنسخ عادةً بلا شعور بالذنب، تغيّر موقع النصّ من كونه أثرًا شخصيًّا إلى مادة سائبة، تتناقلها الأيدي كما لو أنّها بلا صاحب، أو كما لو أنّ صاحبها فكرة زائدة عن الحاجة. لم تعد الملكية الفكرية مسألة قانونية صرف، بل صارت شأنًا أخلاقيًّا يتعلّق بعلاقة المرء بجهده، وبحقه في أن يُنسب إليه ما صنعه بعقله وروحه. سرعة الاستنساخ، وخفّة الانتشار، جعلتا النصوص تُسرق من دون ضجيج، وتُعاد صياغتها بوقاحة ناعمة، تُبدّل بعض المفردات وتُبقي الجوهر، ثم تُقدَّم على أنّها اكتشاف جديد. لا أثر يُلاحق الفعل، ولا يد تُمسك به، وكأنّ الاعتداء يحدث في منطقة رمادية لا تعترف بالمسؤولية، ولا ترى في الفعل ضررًا يستحق التوقّف عنده. أمام هذا الانفلات، لم يعد المبدع مطمئنًّا إلى أن النص سيحفظ اسمه كما كان يحدث سابقًا. صار مضطرًّا إلى مراقبة حضوره، لا بدافع الغرور، بل بدافع الدفاع. يتتبّع ما يُنشر، وما يُعاد تدويره، وما يُقتطع من سياقه، ويُعاد لصقه في سياق آخر. يتحوّل الكاتب، الشاعر، الباحث، إلى حارسٍ دائم لحدوده، يراقب الشاشات كما كان يراقب الورق، لكن بقلقٍ أشدّ، لأن الانتحال لم يعد حادثة فردية، بل ممارسة جماعية تتبدّل أشكالها مع كل منصة جديدة. هنا، يفقد الإبداع شيئًا من براءته الأولى، إذ يغدو محمّلًا بهاجس الحماية، بدل أن ينصرف كلّه إلى الخلق. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل محاولات المقاومة التي ولدت من رحم التقنية نفسها. ظهرت أدوات ذكية، من بصمات رقمية وتقنيات تتبّع وتشفير، تسعى إلى ردّ الاعتبار للنصّ، أو على الأقل إلى تثبيت أثره الأول. غير أنّ هذه الأدوات، على أهميتها، تبدو أقرب إلى حلول إسعافية منها إلى إجابات نهائية. فهي تحمي الأثر، لكنها لا تعالج الذهنية التي تستخفّ بالجهد الفكري، ولا تُعيد الاعتبار للقيمة الرمزية للكتابة بوصفها فعلًا إنسانيًّا يتطلّب وقتًا ومعاناة ومسؤولية. الإشكال الأعمق يكمن في الفجوة بين سرعة الفعل الرقمي وبطء التشريع. القوانين، مهما تطوّرت، ما زالت تتحرّك بإيقاع أبطأ من النصوص التي تُسرق وتُعاد نشرها في لحظة. وبين هذا وذاك، يظلّ الحقّ معلّقًا، ينتظر اعترافًا لا يأتي دائمًا في الوقت المناسب. لا يكفي أن نملك أدوات حماية، ما لم ترافقها رؤية ثقافية تُعيد تعريف العلاقة بين المرء وما ينتجه، وتُرسّخ فكرة النسبة بوصفها جزءًا من الكرامة، لا مجرّد تفصيل إداري. والمعركة ليست بين المبدع والتقنية، بل بين الوعي والتسيّب. فالنصّ، مهما كان رقميًّا، يظلّ ابن تجربة بشرية، يحمل أثر صاحبه كما يحمل توقيعه الخفي. وحماية الحقوق الفكرية ليست دفاعًا عن الأسماء فحسب، بل عن معنى الجهد، وعن فكرة العدالة في أكثر صورها رهافة. فحين نفقد هذا المعنى، نخسر شيئًا أعمق من النصوص المسروقة؛ نخسر الثقة بأن ما نكتبه سيبقى لنا، ولو في ذاكرة اللغة. وربما يكون الامتحان الحقيقي اليوم هو قدرة المرء على الاستمرار في الكتابة رغم كل هذه الهشاشة، أن يواصل منح نصّه أقصى ما لديه، وهو يدرك أنّه قد يُنتزع من سياقه أو يُجرَّد من اسمه، ومع ذلك يختار ألا يختصر جهده ولا يساوم على صوته. فالإبداع، في جوهره، فعل ثقة مؤجَّلة، وإصرار هادئ على أن المعنى الأصيل، مهما تعرّض للتشويه، يظلّ قادرًا على أن يُعرَف، وأن يجد قارئه، ولو بعد حين.

246

| 22 ديسمبر 2025

في زحمة الصحراء!

يُخطئ كثيرون في الظنّ بأن الصحراء مجرد رمال وحصى وحرارة تُنهك الجلد وتخدع الروح، كأنها مكان مُفرغ من المعنى، أو مسرح بلا ممثلين. فالصحراء، لمن يقترب منها بحدس سليم، تُفاجئه بأنها ليست ما تبدو عليه، بل ما تستره، وتظلّ صامتة حتى تتأكد أن الناظر لا يحمل حكمًا جاهزًا، وأنه مستعدّ لأن يسمع قبل أن يرى، ويشعر قبل أن يحكم. من يقف على عتبة الصحراء، كما يقف الزائر على باب شيخ حكيم، يعرف أن الصمت ليس دائمًا علامة فراغ، بل قد يكون طريقة للامتحان. الصحراء لا تفتح صدرها لمن يمرّ بها مروراً سريعاً، ولا تمنح أسرارها لعينٍ تكتفي بمشهد السطح. إنها تطلب من الداخل إليها أن يتخفّف من ضجيجه، وأن يُصغي لما يتوارى خلف هدوئها. ولعل أول ما يتبدّى للمرء عند هذا الإصغاء أنّ الصحراء، على عكس الصورة الشائعة، مكتظة بالحياة، لا تهدأ لحظة. يكفي أن يترك المرء نفسه للحظة واحدة في هدأة فجرها ليكتشف حركة صغيرة تخرج من بين حبات الرمل، زاحفة أو طائرة أو متربصة، كأنها تُعيد بناء العالم كل يوم من جديد. الصحراء إذن ليست فراغاً، بل فضاء يختبر طبيعة العلاقة بين الأشياء حين تُنزع عنها الزخارف. هنا، في هذه الأرض التي تبدو قاسية للوهلة الأولى، تتسع المساحة للسؤال الصافي، وتنكشف طبائع البشر كما تنكشف طبائع الكائنات. حتى الريح، تلك التي يظنّها البعض مجرد دفقة عشوائية، تتصرف في الصحراء بطريقة لا تخلو من قصد خفي، فهي لا تهبّ إلا حين تحتاج الحكاية إلى حركة، ولا تسكن إلا حين تريد للرؤية أن تستقر. ولطالما تعلّم أبناء البادية أن يتابعوا حركات الرياح كما يتابع المرء رسائل صديق قديم يعرف كيف يقول الكثير من دون أن يكتب الكثير. ولعل أعمق ما في الصحراء أنها تُعيد ترتيب الزمن. في المدن، تكاد الساعة تمشي فوق صدور الناس. في الصحراء، يمشي المرء معها كتوأم رشيق، لا سابق ولا لاحق. يومها طويل بما يكفي ليشغل الخيال بما يريد، وقصير بما يكفي ليذكّر المسافر بأن الضوء لا ينتظر من يتباطأ. الليل فيها ليس امتداداً للضوء، بل عالم آخر له لغته الخاصة، إذ تتكثف فيه الأصوات، وتزداد ظلال النجوم عمقاً حتى يشعر المرء أنّ السماء أقرب من أي وقت، وأنه قادر، لو أراد، أن يمدّ يده ويلمس حواف الأبراج البعيدة. ثمّة شيء ما في الصحراء يُنضج الروح كما لو كانت جمرة في حضن الرماد. تكاد تشعر أنّ المرء، حين يطيل المكوث، يتخلّص تدريجياً من طبقات ليست له، طبقات اكتسبها بالعادة أو الخوف أو التجربة، حتى يعود أقرب إلى صورته الأولى. وإن كان ثمة درس تمنحه الصحراء لكل من يقف في حضرتها، فهو أن الحياة لا تُقاس بما يُرى فقط، بل بما يُختبر في الأعماق، وأن القسوة الظاهرة ليست دائماً علامة على غياب الرحمة، بل قد تكون طريقتها في حماية ما هو هشّ فيها. إنها تتيح للخيال أن يركض بحرية، وتسمح للذاكرة بأن تستعيد ما نُسي في زحمة الأيام. وحين يتأمل المرء تضاريس الصحراء بعمق، يدرك أن جمالها لا يكمن في شكلها، بل في قدرتها على إعادة صياغة نظرة المرء إلى العالم. من يظنّها أرضاً خالية لا يعرف أن التنوّع فيها يبدأ من أبسط عناصرها: من طريقة تشكّل الكثبان، ومن وداعة الشجيرات التي تنبت خلاف المتوقع، ومن حفيف جناح طائر صغير لا يحتاج إلى غابة كي يعلن وجوده. تلك التفاصيل التي قد تبدو عابرة تُصبح في الصحراء جوهرية، لأنها تكشف معادلة الحياة حين تتخفف من زوائد الحضارة وتترك المرء أمام جوهره الوحيد: القدرة على البقاء، والرغبة في الفهم، والإيمان بأن المعنى لا يحتاج إلى مبانٍ كي يستقرّ. الصحراء، بهذا المعنى، ليست مكاناً يختبر قسوة الطبيعة فقط، بل مختبر تكشف فيه النفس عن أشدّ أشكال هشاشتها وأقوى لحظات صلابتها. المرء فيها يسمع نفسه لأول مرة بلا ضوضاء، ويرى مساحة لا تفرض عليه مساراً محدداً، فيمشي كما لو أنه يخترع طريقه في كل خطوة. وربما لهذا السبب ظلّت الصحراء موطناً أثيراً للشعراء والمتصوفة والرحالة وكل من يبحثون عن لغة لا تنكسر أمام الأحداث، ولإحساس يحفظ للمرء كرامته أمام صمت الوجود. من يعرف الصحراء حقاً يعرف أنها ليست مكاناً للموت، بل فضاء يُذكّر بالحياة، وأنها ليست خالية كما يتوهم البعض، بل ممتلئة بما يجعل القلب يلين والعقل يصحو. وحده من يقترب منها بقلب لا يحمل فكرة مسبقة يكتشف أنها تملك روحاً حية، وأن هدوءها ليس إلا طريقة خاصة في الكلام، وأن كل ما فيها، من أفقها حتى ظلّ شجيرة منفردة، يشير إلى أن الحياة لا تحتاج إلى ازدحام كي تتجلّى، بل إلى عين تعرف كيف ترى، وقلب يعرف كيف يصبر حتى ينكشف السرّ!

423

| 15 ديسمبر 2025

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2637

| 27 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

2142

| 25 فبراير 2026

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

1770

| 01 مارس 2026

alsharq
الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...

1026

| 26 فبراير 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

825

| 27 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

789

| 25 فبراير 2026

alsharq
من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...

675

| 24 فبراير 2026

alsharq
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...

666

| 02 مارس 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

621

| 24 فبراير 2026

alsharq
العدوان الإيراني يظهر كفاءة عالية لمنظومتنا الدفاعية

-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...

576

| 01 مارس 2026

alsharq
الإمام بين المحراب والقيادة.. هل تراجعت هيبة المسجد

لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...

573

| 26 فبراير 2026

alsharq
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي

انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...

546

| 02 مارس 2026

أخبار محلية