رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ما أخفته السياسة كشفته الكرة

خلال الأيام الماضية، ومع تأهل المغرب ومصر للأدوار الإقصائية في كأس العالم لكرة القدم2026، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع لا يمكن أن تخطئها العين. أعلام مصر والمغرب ارتفعت في عواصم عربية بعيدة عنهما، وعبارات التهنئة تدفقت من الخليج إلى المحيط، وامتلأت البيوت والمقاهي بفرح بدا وكأنه انتصار شخصي لكل عربي، حتى لمن لم يسبق له أن زار القاهرة أو الرباط. كان مشهدًا يستحق التأمل أكثر من الاحتفال، لأنه كشف حقيقة تتكرر كلما حضرت كرة القدم إلى موعدها الأكبر. نعم.. مباريات كأس العالم لكرة القدم قادرة على إنتاج مشهد يصعب العثور على ما يشبهه في أي مناسبة أخرى. وما يلفت الانتباه فيها ليس عدد الأهداف، ولا قيمة الكأس، ولا حتى المهارة الرياضية، وإنما تلك اللحظة التي يتحول فيها فوز منتخب عربي إلى مناسبة عاطفية تمتد من مدينة إلى أخرى، ومن بيت إلى آخر، حتى يبدو الفرح وكأنه يعبر الحدود أسرع من الطائرات، ومن دون أن يطلب إذنًا من أحد. ما إن ينتصر منتخب عربي حتى تتسع دائرة الاحتفال على نحو يصعب تفسيره بالحسابات الرياضية وحدها. يفوز المغرب، فتُضاء القلوب في الكويت، وفي مصر، وفي اليمن، وفي فلسطين، وفي الجزائر، وفي مدن عربية بعيدة لم تربطها بالمغرب سوى اللغة والذاكرة وبعض الحنين. وتنتصر مصر، فيفرح بها من لم تطأ قدماه أرضها، ولم يعرف شوارعها إلا عبر الكتب والأغاني والأفلام. وتهز قطر أو السعودية أو تونس أو الجزائر أو العراق أو الأردن شباك منافس كبير، فتتعالى الصرخات في بيوت عربية لم يزرها لاعبو ذلك المنتخب يومًا، ومع ذلك يشعر أصحابها بأن شيئًا يخصهم قد تحقق. ذلك لأن الشعوب العربية لا تنظر إلى هذه المنتخبات بوصفها فرقًا وطنية فحسب، وإنما ترى فيها جزءًا من صورتها الجماعية، ومن حلم ظل يقاوم كل ما اعترض طريقه. وقد نجحت السياسة، عبر عقود طويلة، في إنتاج خلافاتها وحدودها وحساباتها، لكنها لم تتمكن من إعادة تشكيل الوجدان الشعبي. فما زال ذلك الوجدان يحتفظ بمنطقه الخاص، ويستجيب لذاكرة أعمق من كل الوقائع العابرة. وربما لهذا السبب يبدو الفرح العربي في كأس العالم لكرة القدم أكبر من نتيجة مباراة. إنه إعلان عفوي عن وجود شعور جمعي ما زال حيًا، مهما تعرض للتعب أو التراجع. فالمشجع الذي يرفع علم المغرب في الخليج، أو يهتف لمصر في المغرب العربي، أو يصفق للجزائر في بلاد الشام، لا يفكر في خرائط السياسة، وإنما يستجيب لإحساس قديم يرى في نجاح أي منتخب عربي امتدادًا لكرامته المعنوية، وكأن الانتصار يخص الجميع، ولو ارتدى قميصًا واحدًا. ومن الجميل أن هذه المشاعر لا تحتاج إلى بيانات رسمية، ولا إلى حملات إعلامية، ولا إلى شعارات كبيرة. إنها تخرج تلقائيًا، وتتحرك بخفة، وتصل إلى الناس لأنها نابعة منهم أصلًا. ولهذا تبدو أكثر صدقًا وأطول عمرًا من كثير من الخطابات التي حاولت، عبر عقود، أن تشرح معنى الانتماء العربي، بينما كانت مباراة واحدة في كأس العالم لكرة القدم تختصر كل ذلك في تسعين دقيقة. ولعل أكثر ما يمنح هذه الظاهرة قيمتها أنها تتكرر من غير اتفاق مسبق. فلا أحد يطلب من الجماهير في الكويت أن تشجع المغرب، ولا من الجمهور في الجزائر أن يحتفل بفوز السعودية، ولا من الفلسطيني أن يفرح لانتصار مصر، ومع ذلك يحدث الأمر تلقائيًا، وكأنه انعكاس لذاكرة عميقة لم تستطع السنوات أن تمحوها. وحتى الأجيال الجديدة، التي وُلدت وسط انقسامات سياسية وإعلامية حادة، تجد نفسها تنخرط في هذا الفرح نفسه، وكأنها تستعيد شيئًا تعرفه بالفطرة. وقد تكون كأس العالم لكرة القدم المناسبة الوحيدة التي تمنح الشعوب العربية فرصة لرؤية نفسها من زاوية مختلفة. فبدل الصورة التي ترسمها نشرات الأخبار، وصور الخلافات التي تملأ الشاشات، تظهر صورة أخرى أكثر هدوءًا وأكثر صدقًا. صورة أناس يتبادلون التهاني، ويرفعون أعلامًا عربية مختلفة، ويتعاملون مع الفوز بوصفه مناسبة جماعية، لا ملكية حصرية لبلد واحد. هذه ليست رومانسية سياسية، ولا محاولة لتجميل الواقع، فواقع المنطقة معروف بما فيه من أزمات وتعقيدات. لكنها ملاحظة تستحق التأمل، لأن ما تكشفه الملاعب أحيانًا يقترب من الحقيقة أكثر مما تكشفه قاعات التفاوض. فالسياسة تصنع توازناتها وفق المصالح، أما الشعوب فتتحرك وفق عواطفها، والعاطفة حين تستند إلى تاريخ طويل تصبح أكثر رسوخًا من كثير من الاتفاقات المؤقتة.

165

| 05 يوليو 2026

يعيشون على الهامش!

يحدث كل يوم أن يمرّ أشخاص كثيرون أمامنا من غير أن يتركوا أثرًا في انتباهنا، مع أنهم يحملون حيوات كاملة، وأحلامًا مؤجلة، وكرامات خاضت معاركها بصمت. نعبرهم في الشارع، ونلتقيهم في المؤسسات، ثم نمضي وكأن وجودهم مجرد تفصيل عابر. ومع الوقت يتكوّن هامش واسع، لا تصنعه الجغرافيا ولا الاقتصاد وحدهما، وإنما تصنعه نظرة المجتمع حين يقرر، من غير إعلان، مَن يستحق أن يُرى، ومَن يظل خارج إطار الصورة. الهامش ليس مكانًا واحدًا، ولا يضم فئة واحدة. إنه مساحة تتسع كل يوم لمن لم يجد نافذة يطل منها على الآخرين. هناك مبدع يكتب أجمل ما لديه ولا يصل إليه ناشر ولا صحيفة ولا مؤسسة ثقافية، فيبقى نصه حبيس الأدراج، بينما تمتلئ المنصات بأعمال أقل قيمة وأكثر قدرة على التسويق. وهناك صاحب موهبة نادرة عاش عمره كله ينتظر من يلتفت إلى ما يصنعه، حتى انتهى به الأمر إلى إقناع نفسه بأن موهبته كانت مجرد سوء تفاهم مع الحياة. وفي زاوية أخرى يجلس كبار السن. لا يحتاجون إلى كثير من الأشياء، وإنما إلى شعور بسيط بأن أعمارهم الطويلة لم تتحول إلى أثاث قديم في البيت. يحملون ذاكرة عائلات كاملة، ويعرفون أسماء الذين رحلوا، ويحفظون الحكايات التي صنعت الأمكنة، ثم يكتشفون فجأة أن أحدًا لم يعد يطلب منهم رواية تلك الحكايات. يتحول الصمت، مع الأيام، إلى رفيق دائم، ويصبح الانتظار عادة ثقيلة، بينما يمضي الجميع مسرعين نحو ما يظنون أنه المستقبل. الهامش يضم أيضًا أولئك الذين يملكون حساسية زائدة تجاه العالم. أشخاص لا يجيدون الصراخ، ولا يعرفون طرق المزاحمة، ولا يرفعون أصواتهم في الاجتماعات، فيظن الآخرون أنهم بلا رأي. بينما الحقيقة أنهم غالبًا أكثر من يفكر، وأكثر من يرى التفاصيل التي يغفل عنها الجميع. المجتمعات تكافئ من يحسن الظهور أكثر مما تكافئ من يحسن العمل، ولهذا يخسر كثيرون معركة لم يختاروا خوضها أصلًا. وأحسب أن أكثر ما يؤلم في حياة هؤلاء أنهم لا يطالبون بالمستحيل. إنهم يبحثون عن اعتراف عادل، وعن فرصة متكافئة، وعن كلمة تقدير تأتي في وقتها، وعن يد تمتد إليهم قبل أن يبتلعهم اليأس. فالإقصاء لا يبدأ بقرار كبير، وإنما يبدأ بإهمال صغير يتكرر حتى يصبح نظامًا كاملًا للحياة. كم من مشروع ثقافي وُلد على الهامش ثم غيّر الوعي العام حين وجد من يؤمن به. وكم من شاعر ظل مجهولًا سنوات طويلة قبل أن يكتشفه قارئ واحد. وكم من امرأة حملت موهبة استثنائية، لكنها انشغلت بالدفاع عن حقها في الوجود قبل أن تدافع عن حقها في الإبداع. وكم من رجل أفنى عمره في خدمة الآخرين ثم وجد نفسه وحيدًا عندما أصبح هو في حاجة إلى من يسأل عنه. المجتمعات تُقاس أيضًا بطريقة تعاملها مع الذين لا يملكون نفوذًا ولا شهرة ولا قدرة على فرض حضورهم. فالقيمة الأخلاقية لأي مجتمع تظهر عند حوافه أكثر مما تظهر في مركزه. هناك، على الأطراف، تتجلى حقيقة العدالة، وحقيقة الثقافة، وحقيقة الشعارات التي تتردد كثيرًا عن الكرامة والمساواة. أما المركز فيملك دائمًا من يدافع عنه، بينما يبقى الهامش في حاجة إلى من يمنحه حق الكلام. وأظن أن الكتابة نفسها وُجدت لكي تمدّ يدها إلى هؤلاء. ليست مهمتها أن تصف الوجوه اللامعة وحدها، وإنما أن تلتقط الوجوه التي يمرّ بها الجميع من غير التفات. فالأدب، حين يؤدي رسالته، يعيد ترتيب الضوء، ويمنح المساحة لمن حُرم منها طويلًا، ويذكّر بأن الحكايات الكبرى تبدأ أحيانًا من أشخاص لم يضعهم أحد في حساباته. لهذا أخشى دائمًا من مجتمع يتقن الاحتفاء بمن يقفون في الصف الأول، ويعجز عن رؤية الواقفين في آخر الصف. فالهامش ليس قدرًا ثابتًا، وإنما نتيجة خيارات بشرية قابلة للتغيير. وما يحتاجه كثير من هؤلاء ليس معجزة، وإنما عين ترى، وقلب ينصف، وفرصة تأتي في موعدها، لأن حياة كاملة قد تتبدل حين يشعر صاحبها، ولو مرة واحدة، أنه مرئي، وأن وجوده لم يعد سطرًا منسيًا على هامش الصفحة.

213

| 28 يونيو 2026

جيل ربّته الكتب وآخر ربّته الخوارزميات

يستحق الفرق بين جيلٍ ربّته الكتب وجيلٍ ربّته الخوارزميات أن يُقرأ بهدوء، بعيدًا عن الحنين الذي يُجمّل الماضي أحيانًا، وبعيدًا عن الحماسة التي تُغدق على الجديد صفات استثنائية. فالقضية لا تتعلق بأفضلية جيل على آخر، وإنما بالطريقة التي يتشكّل بها الوعي، وبالمسارات التي يسلكها العقل وهو يتعرّف على العالم ويصوغ أسئلته ومواقفه وانفعالاته. كان الكتاب، بالنسبة إلى أجيالٍ طويلة، أكثر من وعاء للمعرفة. كان رفيقًا يتطلب وقتًا وصبرًا وعلاقةً خاصة مع اللغة. من يقرأ كتابًا كان يدخل إلى عالمه بشروطه، فيتقدّم صفحةً بعد صفحة، ويمنح الفكرة فرصةً كافية كي تنمو داخله. وكان القارئ يشارك الكاتب رحلةً كاملة، تبدأ من السؤال وتمضي عبر التأمل والاستنتاج والاحتمال. لذلك لم تكن القراءة مجرد تحصيل معلومات، وإنما تدريبًا متواصلًا على الإصغاء والتأنّي ومقاومة الاستعجال. وحين ننظر إلى كثير من أبناء ذلك الجيل، نلاحظ أن علاقتهم بالأفكار كانت تميل إلى العمق أكثر من السرعة. كانوا يختلفون ويتجادلون ويخطئون ويصيبون، لكنهم اعتادوا مرافقة الفكرة لمسافة طويلة قبل إصدار الأحكام عليها. وكانت المكتبات العامة والخاصة جزءًا من المشهد اليومي، كما كانت الصحف والمجلات الثقافية منافذ أساسية لفهم ما يجري حولهم. وحتى من لم يكن قارئًا نهمًا، كان يعيش داخل بيئة تمنح الكلمة المكتوبة مكانةً كبيرة. أما الجيل الذي نشأ في حضن الخوارزميات، فقد وجد نفسه أمام مشهد مختلف تمامًا. المعرفة لم تعد تسكن رفوفًا محددة، وإنما تتدفق من كل اتجاه. الهاتف الصغير الذي يحمله في يده يفتح له أبوابًا لا حصر لها، ويضع بين أنامله ما لم يكن متاحًا لأجيال كاملة من الباحثين والقراء. وهذا مكسب هائل لا يجوز التقليل من شأنه. فالوصول إلى المعلومة أصبح أسهل، والتواصل مع الثقافات الأخرى أصبح أكثر مباشرة، والقدرة على التعلّم الذاتي اتسعت على نحو غير مسبوق. غير أن الخوارزمية ليست وسيطًا محايدًا تمامًا. إنها تقترح وتختار وترتّب وتكرّر. وهي تتعلّم من سلوك المستخدم ثم تعيد تشكيل هذا السلوك في دورة مستمرة. وهنا يكمن الفارق العميق. فالكتاب كان يذهب بالقارئ إلى مناطق لم يكن يتوقعها أحيانًا، بينما تميل الخوارزمية إلى إعادته إلى ما يشبهه ويوافق اهتماماته السابقة. ومع الوقت قد يجد المرء نفسه محاطًا بأصداء آرائه أكثر من مواجهته بآراء مختلفة. ولذلك يبدو أن الفارق الحقيقي بين الجيلين لا يكمن في كمية المعرفة المتاحة، وإنما في طريقة الوصول إليها. جيل الكتب كان يبحث عن المعلومة، وجيل الخوارزميات كثيرًا ما تأتيه المعلومة وهي تبحث عنه. الأول كان يختار طريقه في الغالب، والثاني يجد طرقًا كثيرة تُرسم له مسبقًا. وبين الحالتين تتغيّر طبيعة الانتباه، وتتغيّر علاقة العقل بالوقت، وتتبدّل آليات التلقي والحكم. ومع ذلك فإن اختزال الصورة في ثنائية قديمة وحديثة يظلم الطرفين. فكم من قارئ عاش بين الكتب من دون أن يكتسب وعيًا نقديًا، وكم من شاب نشأ بين المنصات الرقمية واستطاع أن يبني ثقافةً واسعة ورؤيةً مستقلة. الأدوات لا تصنع العقول وحدها، لكنها تؤثر في طرائق عملها وفي المساحات التي تتحرك داخلها. وربما كان التحدي الأهم اليوم هو أن نمنح الأجيال الجديدة فرصة الجمع بين الحسنيين: صبر الكتاب واتساع الفضاء الرقمي، وعمق القراءة وسرعة الوصول إلى المعرفة، والقدرة على التأمل مع القدرة على التفاعل. فالمشكلة ليست في الخوارزميات ذاتها، كما أن الكتب لم تكن يومًا وصفةً سحرية لإنتاج الوعي. القضية تتعلق بقدرتنا على أن نبقى أصحاب قرار في ما نقرأ ونشاهد ونتابع، وألا نترك مهمة تشكيل وعينا بالكامل لما تقترحه علينا الشاشات. فكل جيل يحمل أدوات عصره، وكل عصر يترك بصمته على أبنائه، غير أن السؤال الذي سيبقى مطروحًا دائمًا هو: من الذي يقود الآخر؟ هل نستخدم الوسيلة لنوسّع أفقنا، أم تسمح لنا الوسيلة برؤية الجزء الذي تختاره لنا من العالم؟ بين رفّ كتاب قديم وخوارزمية حديثة تتحدد الإجابة، ويتحدد معها شكل الوعي الذي سيكتب تاريخ السنوات القادمة.

468

| 21 يونيو 2026

ما الذي يبقى منّا؟

في إحدى الأمسيات الشعرية القديمة، اقتربت مني شابة تحمل ديوانًا مهترئًا من كثرة القراءة كما يبدو. قالت إن كلمة قرأتها قبل سنوات في إحدى قصائدي منعتها من الاستسلام ليأس كانت تعيشه آنذاك. وقفت لحظتها حائرة أمام هذه الجملة القصيرة؛ لأنني لا أذكر حتى المناسبة التي كتبت فيها ذلك النص. عدت إلى المنزل وأنا أفكر في المصير الغريب للكلمات، وفي الطرق التي تسلكها بعيدًا عن أصحابها، وفي الأثر الذي قد تتركه من غير أن ينتبه كاتبها إلى حجم ما فعلت. ثمة أشياء صغيرة تبدو عابرة حين تُقال أو تُفعل، لكنها تظل واقفة في مكان ما من الذاكرة، كأنها تعرف طريقها جيدًا إلى القلوب التي لا تنساها. كلمة تُقال في لحظة انكسار، ويد تمتد من غير حساب، وموقف يمر بهدوء من دون أن يطلب اعترافًا أو شكرًا، ثم يترك خلفه شيئًا يشبه الضوء الخافت الذي يهدي العابرين في المسافة الطويلة بين الناس. ما يُزرع في الآخرين لا يتوقف عند لحظة فعله، ولا ينتهي عند حدود رد الفعل المباشر. هناك أثر يتسلل بصمت، ويكبر ببطء، ويأخذ أشكالًا لا يمكن التنبؤ بها. قد يتحول إلى طمأنينة تعود في وقت متأخر، أو إلى شجاعة تتشكل في قلب كان مترددًا، أو إلى ذاكرة تُستدعى كلما ضاق العالم بمن فيه. وهكذا يبدو أن ما يُقدَّم بصدق لا يضيع، حتى وإن غاب صاحبه أو ابتعدت خطاه. تتسع الحياة لتجارب كثيرة، غير أن ما يبقى منها ليس دائمًا الأحداث الكبرى، بل تلك اللحظات التي مرّت خفيفة لكنها تركت أثرها الثقيل في الداخل. إن أثر الكلمة الطيبة، حين تُقال في لحظة مناسبة، يشبه يدًا تفتح نافذة في جدار مغلق، فيدخل منها هواء مختلف يعيد ترتيب الداخل على نحو لا يمكن نسيانه. وكذلك الفعل النبيل، حين يحدث من دون انتظار مقابل، يظل كأنه وعد غير مكتوب بالإنسانية الممكنة بين الجميع. وفي كثير من الأحيان لا يدرك صاحب العطاء حجم ما يتركه خلفه. يظن أن الموقف انتهى بانتهائه، وأن الكلمة سقطت في مكانها وانطفأت، غير أن ما لا يُرى هو ما يعمل بهدوء في مسارات الآخرين. هناك من يستعيد تلك اللحظة بعد سنوات طويلة، فيجد نفسه مدينًا لها بتغيير لم يكن يتوقعه، أو بقرار لم يكن ليجرؤ عليه لولا ذلك الأثر البعيد الذي ظل يعمل في العمق. وتتعدد صور هذا الأثر بين العلاقات اليومية البسيطة، وبين المواقف التي تمر سريعًا في محطات الحياة. قد تكون ابتسامة عابرة في مكان مزدحم، أو نصيحة قصيرة قيلت في وقتها المناسب، أو موقف إنساني لم يُعلن عن نفسه لكنه ظل حاضرًا في الذاكرة. وكلها تشكل في النهاية شبكة غير مرئية من الامتداد الإنساني الذي يربط الناس بعضهم ببعض من دون اتفاق مسبق. ولعل الأجمل في هذا كله أن الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى شهود، ولا يطلب توثيقًا أو اعترافًا. يكفي أنه يستمر في العمل داخل الآخرين، ويعيد تشكيل بعض مواقفهم، ويمنحهم قدرة على الاستمرار حين تتعثر الخطى. وهنا يتضح أن قيمة الفعل لا تُقاس بوقته، بل بما يخلّفه من امتداد يتجاوز صاحبه. هناك ما يشبه السلسلة غير المنقطعة من الأفعال الصغيرة التي تتناقلها الأرواح عبر الزمن. فعل بسيط يُلهم فعلًا آخر، وكلمة صادقة تفتح بابًا جديدًا في قلب متردد، وموقف إنساني يتحول لاحقًا إلى طريقة في النظر إلى الحياة. وكأن الخير حين يُمارس بصدق لا يتوقف عند حدود فاعله، بل يتحرك ليصنع ما يشبه الدائرة التي تتسع كلما تحركت. نعم.. لا يبقى من الحكاية إلا ذلك الأثر الذي يواصل سيره بهدوء، ويعيد تعريف معنى الحضور الإنساني بعيدًا عن الأضواء والاعترافات. أثر لا يُرى لكنه يُحس، ولا يُعلن لكنه يعمل، ويكفيه أنه يواصل إشعال شيء من الدفء في طرق الآخرين، حتى بعد أن يغيب الذين بدأوه.

687

| 14 يونيو 2026

ماذا لو اختفى "الذكاء الاصطناعي" فجأة؟

قبل سنوات قليلة فقط، كان الذكاء الاصطناعي موضوعًا يخص المختبرات التقنية والباحثين والشركات الكبرى. كان حاضرًا في الأخبار أكثر مما هو حاضر في تفاصيل الحياة اليومية. ثم حدث ما يحدث دائمًا مع التقنيات الكبرى؛ تسللت بهدوء إلى المكاتب والجامعات والصحف ودور النشر والمؤسسات والأسواق والهواتف المحمولة، حتى أصبح جزءًا من الروتين اليومي لكثيرين من دون أن ينتبهوا إلى اللحظة التي بدأ فيها هذا التسلل. لهذا يبدو السؤال مثيرًا للقلق أكثر مما يبدو نظريًا: ماذا لو استيقظنا غدًا فاكتشفنا أن جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد اختفت فجأة؟ قد يظن البعض أن الأمر لن يتجاوز تعطل بعض البرامج أو تأخر بعض الخدمات لساعات، لكن المشهد أوسع بكثير. هناك موظفون أصبحوا يعتمدون على أدوات تساعدهم في كتابة التقارير وتحليل البيانات وترتيب الأولويات. وهناك طلاب اعتادوا الاستعانة بها لفهم الدروس وتلخيص الكتب ومراجعة الأبحاث. وهناك صحفيون ومترجمون ومصممون ومسوقون ورواد أعمال صاروا ينجزون في ساعات ما كان يحتاج أيامًا كاملة. وحين تختفي هذه الأدوات دفعة واحدة، سيكتشف كثيرون أن جزءًا من قدرتهم الإنتاجية لم يعد قائمًا على مهاراتهم وحدها، وإنما على شراكة يومية غير معلنة مع آلة ذكية. المفارقة أن معظمنا لا يشعر بحجم هذا الاعتماد لأنه لم يأتِ على هيئة انقلاب صاخب، وإنما عبر خطوات صغيرة ومتتابعة. في البداية كانت الأداة مجرد مساعد ثانوي، ثم أصبحت اختصارًا للوقت، ثم تحولت إلى رفيق دائم في العمل، ثم صار غيابها يترك فراغًا حقيقيًا. وهكذا تتشكل التحولات الكبرى؛ لا عبر لحظة واحدة حاسمة، وإنما عبر اعتياد طويل يجعل الجديد جزءًا من البديهيات. ولو حدث الاختفاء المفترض، فلن تكون المشكلة في توقف بعض المشاريع فقط، وإنما في ذلك الارتباك الفكري الذي سيصيب كثيرين. سيجلس بعضهم أمام شاشة فارغة متسائلًا: كيف كنت أنجز هذه المهمة قبل عامين؟ وكيف كنت أبحث وأرتب وأراجع وأقارن وأصوغ الأفكار؟ سيكتشف آخرون أن الذاكرة البشرية نفسها بدأت تعيد توزيع أدوارها، وأنها تخلت طوعًا عن بعض الوظائف لصالح أدوات قادرة على الاستدعاء السريع والتنظيم الفوري. ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق لا يتعلق بالتقنية، وإنما بطبيعة علاقتنا بها. فالتاريخ مليء باختراعات بدت في بدايتها كماليات ثم تحولت إلى ضرورات. الكهرباء والهاتف والإنترنت لم تعد مجرد أدوات يمكن الاستغناء عنها بسهولة، لأنها أعادت تشكيل بنية الحياة ذاتها. والذكاء الاصطناعي يسير في الطريق نفسه، لأنه لا يضيف خدمة جديدة فحسب، وإنما يعيد تعريف طريقة العمل والتعلم والإنتاج واتخاذ القرار. هل يمكن إذن العودة إلى ما قبل الذكاء الاصطناعي؟ نظريًا نعم. يستطيع الباحث أن يعود إلى مراجعه الورقية، ويستطيع الموظف أن ينجز أعماله من دون مساعدة رقمية متقدمة. لكن السؤال الحقيقي ليس عن الإمكانية، وإنما عن الرغبة والقدرة على التكيف بعد أن تغيرت التوقعات. فكل تقنية ناجحة لا تغيّر الأدوات فقط، وإنما تغيّر سرعة الحياة ومعاييرها. حين اعتدنا البريد الإلكتروني لم يعد الانتظار أيامًا لوصول رسالة أمرًا مقبولًا. وحين اعتدنا البحث الفوري على الإنترنت فقدت الموسوعات الورقية موقعها المركزي. وحين اعتدنا الذكاء الاصطناعي بدأت تتشكل توقعات جديدة حول الزمن والجهد والكفاءة. لهذا يبدو الحديث عن العودة إلى الخلف شبيهًا بالحديث عن العودة إلى مدينة قديمة هُدمت شوارعها وأُعيد بناؤها. المكان ما زال موجودًا من حيث المبدأ، لكن الطرق المؤدية إليه لم تعد كما كانت. لقد تغيرت الخريطة. ومع ذلك، فإن أخطر ما قد يكشفه اختفاء الذكاء الاصطناعي ليس حجم اعتمادنا على التكنولوجيا، وإنما حجم ما تخلينا عنه من مهاراتنا الخاصة. فكل أداة تمنحنا قوة إضافية تحمل معها إغراءً خفيًا بالتنازل عن جزء من الجهد الشخصي. وحين يحدث ذلك لفترة طويلة، تصبح المهارة الصدئة أكثر هشاشة من أن تُستعاد بسرعة. ربما لا يختفي الذكاء الاصطناعي غدًا، وربما يواصل توسعه حتى يصبح أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة مما نتخيل اليوم. لكن قيمة هذا السؤال تكمن في أنه يدفعنا إلى مراجعة علاقتنا بهذه الأدوات: هل نستخدمها لتوسيع قدراتنا أم لاستبدالها؟ وهل ما زلنا نمتلك القدرة على التفكير والكتابة والتحليل من دون وساطة دائمة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبلنا مع التقنية، لأن القضية لم تعد قضية برامج ذكية فحسب، وإنما قضية توازن دقيق بين ما تمنحه الآلة وما ينبغي أن يبقى ملكًا للعقل البشري. ففي النهاية، لا تكمن قوة أي تقنية في قدرتها على أن تفكر نيابة عنا، وإنما في قدرتها على أن تساعدنا على التفكير بصورة أفضل.

360

| 07 يونيو 2026

ما الذي ينقص أعيادنا؟

قبل أيام من كل عيد تبدأ الحركة المعتادة، قوائم شراء طويلة، ورسائل متلاحقة، وصور للأزياء والحلويات والهدايا، واستعدادات لا تنتهي. يبدو المشهد مفعمًا بالحياة، وكأن الفرح يقترب بخطوات واسعة. ثم يأتي العيد، فنكتشف أحيانًا أن كل شيء كان حاضرًا إلا ذلك الشعور القديم الذي كان يجعل العيد عيدًا بالفعل. أتساءل أحيانًا: ما الذي ينقص أعيادنا؟ السؤال لا يصدر عن حنين أعمى إلى الماضي، فالماضي لم يكن فردوسًا كاملًا، وكانت فيه متاعبه ونقائصه وهمومه، ومع ذلك كان يمتلك ميزة صغيرة يصعب العثور عليها اليوم؛ كان أكثر بساطة، وكانت تلك البساطة تمنح الفرح مساحة أوسع للتنفس. كان العيد يصل إلى البيوت من أبوابها الحقيقية، لا عبر الشاشات. وكانت التهاني تُقال بصوتٍ يسمعه الآخر، وتُقرأ على الوجوه قبل أن تُقرأ في الكلمات. وكان الناس يزور بعضهم بعضًا لأن اللقاء نفسه غاية، لا مادة تصلح للنشر أو التوثيق أو جمع الإعجابات. لم تكن البيوت أفخم، ولا الموائد أكثر امتلاءً، ولا الملابس أكثر فخامة. ومع ذلك كان شيء ما يربط القلوب بخيطٍ خفي يجعل للعيد مذاقًا مختلفًا. كنا ننتظر اجتماع العائلة أكثر مما ننتظر الهدايا، ونفرح بزيارة قريب بعيد أكثر مما نفرح بصورة جميلة نلتقطها وننشرها. أما اليوم فقد تحوّل جزء كبير من العيد إلى مناسبة للاستعراض الاجتماعي، صرنا نهتم بكيف سيبدو العيد في الصور أكثر من اهتمامنا بكيف سيُعاش في الواقع. نجلس حول المائدة نفسها، لكن كل واحد يحمل عالمه الصغير بين يديه. نتبادل النظرات سريعًا، ثم نعود إلى الشاشات. نلتقط عشرات الصور للحظة الواحدة، بينما اللحظة نفسها تمر من بين أصابعنا بهدوء. حتى المعايدات تغيّرت. كانت في الماضي رحلة قصيرة نحو الآخر، فيها صوت وملامح ومصافحة وربما كوب شاي وحديث عابر. أما الآن فأصبحت في كثير من الأحيان رسالة جماعية تصل إلى مئات الأشخاص في ثانية واحدة، وتغادرهم بالسرعة نفسها. وقد تحقق الغرض الشكلي من التهنئة، لكن شيئًا من حرارتها يبقى مفقودًا. ولعل أكثر ما يفتقده العيد اليوم هو الوقت. ذلك الوقت الذي كان الناس يمنحونه لبعضهم بسخاء. أصبح الجميع مستعجلين على نحوٍ دائم. يزورون بسرعة، ويغادرون بسرعة، ويعايدون بسرعة، وكأن العيد مهمة ينبغي إنجازها لا مناسبة ينبغي عيشها. حتى الفرح نفسه صار محكومًا بجدول مزدحم. ولا يتعلق الأمر بالأفراد وحدهم، فإيقاع الحياة كله تبدّل. الضغوط الاقتصادية أثقلت كثيرين، والقلق تسلل إلى تفاصيل عديدة، والأخبار المؤلمة أصبحت ضيفًا دائمًا على موائدنا. يصعب على القلب أن ينعزل تمامًا عن كل ذلك. ولهذا يحمل العيد أحيانًا عبء العالم معه، بدل أن يكون استراحة منه. ومع ذلك فإن ما نفتقده ليس مستحيلًا. فالعيد لا يحتاج إلى معجزة كي يستعيد شيئًا من روحه. يحتاج إلى قرار صغير بأن نعطي الأولوية للبشر على الأشياء، وللذكريات على المظاهر، وللقاءات الحقيقية على توثيقها. يحتاج إلى أن نجلس مع من نحب من دون أن ننشغل طوال الوقت بتصوير الجلسة، وأن نصغي إلى حكايات الكبار، وأن نترك للأطفال مساحة لخلق ذكرياتهم الخاصة بعيدًا عن إدارة الكاميرات. الفرح في جوهره كائن بسيط. لا يحتاج إلى كل هذا الجهد الذي نبذله أحيانًا في مطاردته. يكفي أن يشعر المرء بأنه محاط بمن يحب، وأن يجد وجهًا يبتسم له بصدق، وأن يسمع دعاءً طيبًا من أم أو أب أو صديق قديم. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي كانت تصنع أعياد الأمس، وهي نفسها القادرة على أن تصنع أعياد اليوم. لهذا أظن أن أعيادنا لم تفقد جمالها تمامًا، فقد ازدادت أناقة واتسعت خياراتها وتنوعت مظاهرها، لكنها تحتاج إلى أن تستعيد شيئًا من دفئها الأول. تحتاج إلى قلوب أقل انشغالًا بالمشهد الخارجي وأكثر انتباهًا لما يجري في الداخل. فعندما يصبح اللقاء أهم من الصورة، والذكرى أغلى من المنشور، والضحكة الصادقة أثمن من أي استعراض، يعود العيد إلى معناه الأصلي، ويجلس بيننا كما كان دائمًا: ضيفًا خفيفًا يحمل الفرح من يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب.

729

| 31 مايو 2026

ذاكرتنا التي سرقها الهاتف

قبل أيام، بحثت طويلًا عن رقم هاتف كنت أحفظه منذ أكثر من عشرين عامًا. رقم أعرف إيقاعه كما أعرف بيتًا شعريًا رددته كثيرًا. وحين احتجته فعلًا، جلست أمام الشاشة أفتش عنه بعصبية خفيفة، ثم اكتشفت أن الرقم اختفى من الهاتف، وأن رأسي أيضًا لم يعد يحتفظ به. لحظتها شعرت بخسارة غريبة لا علاقة لها بالرقم نفسه. شعرت أن ذاكرتي تتراجع بهدوء، وأنني لم أنتبه إلى ذلك إلا متأخرة. الهاتف اليوم لم يعد مجرد وسيلة اتصال. صار ذاكرة متنقلة تحمل عنا كل شيء تقريبًا. أسماء الأصدقاء، والمواعيد، والصور، والعناوين، وحتى الأشياء الصغيرة التي كنا نحفظها قديمًا بعفوية كاملة. يكفي أن يختفي الهاتف أو يتعطل حتى يشعر كثيرون أنهم فقدوا جزءًا من قدرتهم على الحياة اليومية، كأن ذاكرتهم الشخصية كانت مخزنة داخله طوال الوقت. أتذكر يوم تعطل هاتفي فجأة، كأن أحدًا أطفأ جزءًا من حياتي دفعة واحدة. لم أكن خائفة على الصور ولا على التطبيقات بقدر خوفي من ذلك الفراغ المفاجئ الذي اكتشفته داخلي. حاولت أن أتصل بأقرب الناس إليَّ، ثم أدركت أنني لا أحفظ أرقامهم. الأشخاص الذين أعرف تفاصيل أصواتهم وملامح تعبهم وضحكاتهم الصغيرة، عجزت عن الوصول إليهم لأن ذاكرتي كانت تقيم داخل جهاز معطل. وحتى الطرق التي كنت أعبرها دائمًا بدت غريبة ومربكة، كأنني أمشي في مدينة أعرفها بعين الهاتف لا بعيني. يومها فهمت أن الأمر تجاوز فكرة الراحة بكثير، وأننا سلّمنا أجزاء حساسة من ذاكرتنا للأجهزة بهدوء كامل، ثم صرنا أضعف مما نظن حين تنطفئ الشاشة فجأة أو يختفي ذلك الامتداد الإلكتروني الذي صار يحمل عنا ما كنا نحمله قديمًا داخل رؤوسنا وقلوبنا. أفكر أحيانًا في الطريقة التي كانت بها الذاكرة جزءًا من الحياة اليومية الحميمة. كانت الأم تحفظ مقاسات أبنائها، ومواعيد قلقهم، ونبرة بكائهم، وكان الأصدقاء يحفظون أرقام بعضهم كما تُحفظ الأغنيات، وكان العشاق يتذكرون التواريخ الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد سواهم. أما الآن، فقد تحولت الذاكرة إلى خدمة خارجية، إلى مساحة تخزين مدفوعة، قابلة للحذف والعطل والاختراق وانتهاء الاشتراك. الأمر لا يتعلق بالحنين إلى الماضي بقدر ما يتعلق بشكل علاقتنا بالأشياء. حين كنت تحفظ رقمًا أو قصيدة أو عنوان بيت، كنت تمنحه مكانًا حيًا داخل رأسك. كان الحفظ نوعًا من العناية ومن الانتباه الطويل. أما اليوم، فكل شيء مؤجل إلى الهاتف. نحن لا نحفظ لأن الجهاز سيتذكر عنا، ولا نكرر الأشياء في رؤوسنا لأن الوصول إليها صار فوريًا وسهلًا. ومع الوقت، صار العقل نفسه أقل رغبة في الاحتفاظ بما يمكن استعادته بضغطة إصبع. حتى النسيان تغيّر معناه. قديمًا، كان النسيان جزءًا من الرحمة البشرية، وكانت الأيام تخفف ما يجب أن يخف، وتترك أثرًا خفيفًا لما يستحق البقاء. أما الآن، فكل شيء محفوظ بإفراط يثير التعب. الرسائل القديمة، والصور، والمقاطع الصوتية، والوجوه التي حاولنا تجاوزها. كأن التقنية حرمتنا من حق النسيان أيضًا. ولهذا يبدو الحنين اليوم مرتبكًا أحيانًا، لأنه لا يخرج من الداخل وحده، وإنما تستدعيه التطبيقات في توقيت تحدده الخوارزميات عبر صورة قديمة أو إشعار عابر يقول لنا: "في مثل هذا اليوم". وربما أخطر ما في المسألة أن الذاكرة ليست وظيفة عقلية باردة. الذاكرة هي ما يصنع علاقتنا الحميمة بالحياة. هي التي تجعل رائحة معينة تعيد طفولة كاملة، وتجعل أغنية قديمة تربك القلب بعد سنوات طويلة، وتجعل جملة عابرة توقظ زمنًا كاملًا من الداخل. وحين تضعف الذاكرة الداخلية، تتغير طريقتنا في الشعور أيضًا. نصير أقل التصاقًا بالتفاصيل، وأخف انتباهًا للأثر الذي تتركه الأيام فينا. أراقب أحيانًا الأطفال وهم يلتقطون الصور لكل شيء تقريبًا، ثم لا يعودون إليها أبدًا. كأن التصوير صار بديلًا عن الانتباه نفسه. الصورة موجودة، إذن لا حاجة للتأمل الطويل. التسجيل تم، إذن يمكن للذاكرة أن تنصرف. وربما لهذا تمر لحظات كثيرة بسرعة أكبر، من دون أن تستقر كامل الاستقرار في الداخل. أشتاق أحيانًا إلى ذلك الجهد القديم الذي كانت تبذله الذاكرة كي تبقى حيّة. إلى تكرار الأرقام خوفًا من نسيانها، وإلى حفظ المقاطع الشعرية من فرط محبتها، وإلى دفاتر العناوين الصغيرة التي تحمل آثار الأصابع ورائحة السنوات. كان التذكر مشاركة حقيقية بين العقل والقلب. أما الآن، فنحن نعيش مطمئنين إلى ذاكرة مستأجرة، واسعة وفعالة، فيما ذاكرتنا البشرية تنكمش بهدوء في الداخل، مثل عضلة أهملها صاحبها طويلًا.

495

| 24 مايو 2026

سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه

مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل الكاتب طويلًا يعمل وحيدًا، يحمل النص من فكرته الأولى حتى لحظة خروجه إلى القارئ، كأن الكتابة عزلة مكتملة لا تحتمل يدًا أخرى. ومع ذلك، ما زال بعض الكتّاب يتعاملون مع فكرة التحرير الأدبي بحذر يشبه الحرج أحيانًا، وكأن النص يفقد شيئًا من هيبته حين يقترب منه شخص آخر. والحقيقة أن كثيرين يخشون المحرر لأنهم يخشون القراءة الدقيقة، ويخشون تلك العين التي ترى ما حاول الكاتب إخفاءه بين الجمل. قبل أسبوعين انتهيت من تحرير سيرة ذاتية لشخصية معروفة، وكانت تجربة أعادتني إلى أسئلة قديمة عن معنى السيرة أصلًا، وعن المسافة الملتبسة بين الحقيقة وطريقة تقديمها. فمن يكتب سيرته لا يقدّم حياته كما عاشها تمامًا، وإنما كما يريد لها أن تبقى في ذاكرة الآخرين. هناك دائمًا نسخة معدّلة من الذات، نسخة أكثر ترتيبًا وتهذيبًا، وأحيانًا أكثر بطولة. حتى أكثر السير صدقًا تحتفظ بمنطقة صامتة لا يقترب منها أحد، منطقة يعرف صاحبها جيدًا أنها لو كُشفت لتغيّرت الحكاية كلها. كنت كلما تقدّمت في الفصول أشعر أنني لا أقرأ حياة شخص واحد، وإنما أقرأ أيضًا طريقته في الدفاع عن نفسه. بعض الجمل بدت كأنها مرافعة مؤجلة، وبعض الأحداث كُتبت بعناية تشبه انتقاء الإضاءة المناسبة لالتقاط صورة قديمة. حتى الذكريات تخضع أحيانًا لإعادة الترتيب، فالعقل لا يحفظ الماضي بحياد كامل، وإنما يعيد تشكيله كلما احتاج صاحبه إلى تبرير أو عزاء أو انتصار صغير على زمن مضى. وأثناء العمل لاحظت أمرًا شديد المفارقة؛ فبعض الناس يخفون حقيقتهم بالكلام الكثير. يروون التفاصيل بإسهاب مربك، ويملأون الصفحات بالوقائع والأسماء والتنقلات والمواقف، ثم يخرج القارئ من كل ذلك وهو لا يعرفهم حقًا. كأن الوفرة نفسها تتحول إلى ستارة. هناك من يكتب عشرات الصفحات عن نجاحاته، ثم تكشفه جملة عابرة قالها عن أمه، أو خوف صغير مرّ سريعًا بين سطرين، أو طريقة حديثه عن شخص تركه في منتصف الطريق. التفاصيل الصغيرة كانت دائمًا أكثر صدقًا من العناوين الكبيرة. الإنجازات اللامعة تعرف كيف تقدم نفسها، أما الحقيقة فتظهر غالبًا في الهامش. في الطريقة التي يصف بها أحدهم أول غرفة سكنها، أو ارتباكه في مقابلة مبكرة، أو شعوره بالعجز أمام خسارة شخصية حاول تجاوزها بالكلمات. تلك اللحظات العابرة كانت تمنح السيرة روحها الفعلية، لأنها تأتي أقل تصنعًا، وأقل خضوعًا لرغبة التجميل. لهذا أعتقد أن كتابة السيرة ليست مجرد تدوين للأحداث، وإنما عملية شاقة من المصالحة مع الذاكرة. فالذاكرة ليست أرشيفًا أمينًا كما نتخيل، وإنما كائن حساس، ينتقي ويخفي ويبالغ وينسى، ثم يعود فجأة ليضع أمامك مشهدًا صغيرًا ظننته انتهى منذ سنوات. وربما لهذا السبب تبدو بعض السير الذاتية باردة رغم امتلائها بالأحداث، بينما تشع أخرى بالحياة رغم بساطة ما ترويه. الفارق غالبًا يكمن في مقدار الصدق الذي سمح الكاتب بمروره إلى الصفحة. وأظن أن كثيرًا من الأشخاص عاشوا فعلًا حيوات تستحق أن تُروى، لكنهم لا يعرفون كيف يحوّلون الذاكرة إلى كتاب. هناك من يملك تجربة غنية، ثم يقتلها بالتفاخر أو بالشرح الزائد أو بمحاولة الظهور في صورة مثالية. وهنا يأتي دور كاتب السيرة أو المحرر الأدبي؛ أن ينقّب عن اللحظة الإنسانية المختبئة تحت الركام، وأن يلتقط ما يمرّ عليه الآخرون بوصفه تفصيلًا عاديًا، بينما يكمن فيه المعنى الحقيقي للحياة. أحيانًا أشعر أن مهمة المحرر الأدبي تشبه الإنصات أكثر مما تشبه الكتابة. فهو لا يبحث فقط عن سلامة اللغة أو تماسك البناء، وإنما يحاول أن يسمع الصوت الخافت خلف السرد، ذلك الصوت الذي يظهر فجأة ثم يختفي، ويقول عن صاحبه أكثر مما تقوله صفحات كاملة من الإنجازات والتواريخ. وربما لهذا السبب تظل بعض الكتب حيّة في الذاكرة، لأنها لم تكتفِ بسرد الوقائع، وإنما استطاعت أن تترك داخل القارئ أثرًا يشبه الاعتراف المؤجل.

453

| 17 مايو 2026

الحياة.. أسرع!

كان يمكن لفيلمٍ قديم أن يجلس معنا ساعتين كاملتين من دون أن نشعر بأن الوقت يُبتلع من أعمارنا، وكانت الرواية الثقيلة تُحمل في الحقيبة كما تُحمل رسالة شخصية مؤجلة، نعود إليها كل ليلة بشغفٍ هادئ، ونغضب إذا قاطعنا أحد ونحن في منتصف فصلٍ مشوّق. اليوم تغيّر شيء عميق في علاقتنا بالفن، شيء لا يبدو تقنيًا فقط، وإنما عصبيًا ونفسيًا وحسيًا أيضًا. صار الإصبع الذي يمرّ سريعًا فوق الشاشة يقرر مصير الأغنية والمشهد والفكرة والكاتب، خلال ثوانٍ قليلة لا تكفي أحيانًا لالتقاط نبرة صوت، أو فهم جملة، أو الدخول إلى روح العمل أصلًا. أعادت المقاطع القصيرة تشكيل الذائقة نفسها. صار الإيقاع الأسرع يبدو أكثر ذكاءً، وصار الاختصار علامة تفوّق، حتى بدا التأمل مجرد بطء مقيت. هناك أجيال كاملة تتعامل مع المشاهدة كما لو أنها سباق بصري، فيما يتراجع الصبر بوصفه مهارة ثقافية كانت ضرورية لفهم الفن والحياة معًا. المشكلة لا تكمن في المقاطع القصيرة بحد ذاتها، فالفنون الموجزة قديمة وعظيمة أيضًا، من الهايكو الياباني إلى الومضة الشعرية إلى اللقطة السينمائية المكثفة. لكن الفارق أن الاختصار قديمًا كان نتيجة نضج فني، أما الآن فهو غالبًا نتيجة استعجال جماعي، واستجابة لاقتصاد رقمي يريد العين متأهبة باستمرار، ويريد الانتباه موزعًا على أكبر عدد ممكن من المؤثرات السريعة. كأننا فقدنا القدرة على الإقامة داخل الشعور، وصارت علاقتنا بالأعمال الفنية تشبه علاقتنا بنوافذ السيارات؛ نمرّ قرب الأشياء من دون أن ننزل إليها. ولهذا صار كثيرون يشعرون بالقلق أثناء مشاهدة فيلم طويل، أو يلتقطون الهاتف بعد عشر دقائق من بدء الحلقة الأولى لأي مسلسل، أو يقرأون صفحات قليلة ثم يبحثون عن ملخص للرواية. الذهن نفسه أُعيد تدريبه على القفز، وعلى انتظار المفاجأة السريعة، وعلى المكافأة الفورية. حتى الصمت داخل الأعمال الفنية صار يُربك البعض، مع أن أجمل ما في الفن أحيانًا يكمن في تلك المساحات التي لا يحدث فيها شيء مباشر، بينما يحدث كل شيء في الداخل. أفكر أحيانًا في الروايات الروسية الطويلة، وفي الأفلام التي كانت تترك الكاميرا ثابتة لدقائق على وجهٍ صامت، وفي الأغنيات التي تبدأ بمقدمة موسيقية طويلة قبل أن يصل الصوت. كم تبدو هذه الأعمال بعيدة عن أعصابنا الحالية، وكم تبدو محتاجة إلى نوع من اللياقة النفسية التي أخذت تضعف بالتدريج. نحن لا نفتقد الوقت كما نظن، وإنما نفتقد القدرة على التفرغ الداخلي. هناك فرق بين أن يكون الوقت قصيرًا، وأن تكون الروح نفسها عاجزة عن المكوث. والأغرب أن هذه السرعة لم تجعلنا أكثر اكتفاءً. بالعكس، نحن نشاهد أكثر ونحتفظ بأقل. تمرّ عشرات المقاطع في الذاكرة كل يوم ثم تتبخر، فيما يبقى مشهد واحد من فيلم قديم عالقًا لسنوات، وتبقى جملة من رواية عظيمة قادرة على مرافقتنا كأنها جزء من سيرتنا الشخصية. الفن يحتاج زمنًا كي يترك أثره، كما تحتاج العلاقات البشرية زمنًا كي تتجذر. أما الاستهلاك السريع فينتج انفعالًا سريعًا أيضًا، يشبه شرارة صغيرة تضيء لحظة ثم تختفي. لا أظن أن الحل يكمن في إعلان الحرب على التكنولوجيا، فهذه معركة خاسرة وساذجة أيضًا، وإنما في استعادة شيء من حقنا في البطء. أن نجلس مع فيلم من دون أن نفحص الهاتف كل دقيقة، وأن نقرأ رواية من دون أن نتعامل معها كواجب ثقيل، وأن نمنح الأعمال الفنية فرصة كي تكشف طبقاتها بالتدريج. بعض الجمال يحتاج صبرًا، وبعض المعاني لا تُفتح إلا بالمكوث الطويل. وربما صار الدفاع عن الانتباه فعلًا ثقافيًا حقيقيًا. أن تحافظ على قدرتك على الإصغاء، وعلى التأمل، وعلى متابعة فكرة حتى نهايتها، فذلك لم يعد أمرًا عاديًا كما كان. هناك من يربح كلما تشتت انتباهنا أكثر، فيما يخسر الفن روحه بالتقسيط، ونخسر معه قدرتنا على التذوق العميق، وعلى العيش بإيقاع أقل توترًا وأكثر إنسانية.

609

| 11 مايو 2026

كأن عليهم أن يستأذنوا من الحياة!

أكثر الناس تعبًا ليسوا أولئك الذين خذلتهم الحياة مرة واحدة، وإنما الذين تعلموا مبكرًا أن يراقبوا أنفسهم باستمرار، وأن يعبروا أيامهم بحذر يشبه الاستئذان، بعض الناس يدخلون أي مكان كأنهم يطرقون بابًا ليس لهم، يجلسون بحذر، ويتكلمون بحذر، ويضحكون بنصف صوت، ويعتذرون كثيرًا حتى حين لا يخطئون. لا أحد طلب منهم ذلك مباشرة، لكن الحياة نجحت، مع الوقت، في تدريب أرواحهم على الشعور بأن وجودهم عبء خفيف على الآخرين. يمكن ملاحظة هذا في أكثر التفاصيل عادية. شخصٌ يتردد طويلًا قبل إرسال رسالة، امرأة تعيد قراءة كلماتها عشر مرات خوفًا من أن تكون ثقيلة، رجل يبالغ في الشكر لأنه تلقى معاملة مهذبة، صديقة تستغرب اهتمامًا بسيطًا كأن العناية بها حدث استثنائي. هؤلاء لا يعانون من نقص في الحساسية فقط، وإنما من تاريخ طويل جعلهم يعتقدون أن المساحة التي يشغلونها في حياة الآخرين يجب أن تبقى صغيرة قدر الإمكان. ثمة تعب نفسي لا ينتج عن الكوارث الكبيرة، وإنما عن التآكل البطيء للشعور بالقيمة، حين يكبر أحدهم وهو يشعر أن الحب مشروط، وأن القبول مؤقت، وأن عليه دائمًا أن يكون لطيفًا أكثر من اللازم كي لا يُستبعَد، يبدأ تدريجيًا بالتخفف من نفسه، يقلل رغباته، ويؤجل اعتراضاته، ويبتلع حزنه بسرعة، ويتعامل مع احتياجاته كأنها نوع من الإزعاج غير اللائق. لهذا يبدو بعض الناس ممتنين بطريقة مؤلمة، تكفيهم كلمة طيبة كي يتأثروا فعلًا، ويكفي أن يصغي إليهم أحد بانتباه حتى يشعروا بدهشة حقيقية، كأنهم لم يعتادوا أن يُمنحوا حضورًا كاملًا في حياة الآخرين، وكأن جزءًا عميقًا داخلهم ظل مقتنعًا بأنهم قابلون للاستبدال في أي لحظة. المشكلة أن هذا النوع من العطب لا يُرى بسهولة، لأن أصحابه غالبًا يبدون متماسكين، ينجحون في أعمالهم، ويكتبون، ويحبون، ويمازحون الآخرين، وربما يبدون أقوياء أكثر من الجميع، لكنهم، في الداخل، يعيشون حالة استنفار دائمة، يخافون من الانسحاب المفاجئ، ومن تبدل المشاعر، ومن تلك اللحظة التي يقرر فيها الآخرون أنهم لم يعودوا مرغوبين بما يكفي. بعضهم لا يعرف كيف يطلب شيئًا مباشرة، يدور طويلًا حول رغبته، ويستخدم التلميح بدل الوضوح، ويترك دائمًا بابًا صغيرًا للتراجع، كأنه يهيئ نفسه لاحتمال الرفض قبل أن يحدث، حتى الحب عندهم يتحول أحيانًا إلى نوع من الحذر العاطفي، يحبون وهم مستعدون للخسارة مسبقًا، ويعتنون بالآخرين أكثر مما يعتنون بأنفسهم، لأنهم تعودوا على فكرة قديمة تقول إن بقاءهم في القلوب يحتاج إلى جهد إضافي دائم. والمؤلم أن كثيرًا من هؤلاء ليسوا ضعفاء أصلًا، وإنما أشخاص عاشوا طويلًا من دون طمأنينة كافية، أشخاص اضطروا، في مراحل مبكرة من حياتهم، إلى مراقبة الأمزجة، وقراءة النبرات، وتحليل الصمت، والتقاط الإشارات الخفية التي تسبق الخذلان، ومع الزمن، يتحول هذا الانتباه الحاد إلى طريقة عيش كاملة. لهذا قد يغيّرهم موقف صغير جدًا، صديق يقول لهم: “خذ راحتك”، شخص يطمئنهم بأن وجودهم محبوب لا محتمل، رسالة صادقة تصل من دون مناسبة، اهتمام لا يحتاج إلى استجداء، هذه الأشياء التي تبدو بسيطة عند الآخرين، قد تفتح نافذة هواء داخل روح ظلت طويلًا تتصرف كأن عليها أن تدفع ثمن بقائها في العالم. وربما كانت أكثر العلاقات إنقاذًا هي تلك التي لا تجعلنا نشعر بأننا تحت الاختبار طوال الوقت، العلاقات التي تسمح لنا أن نتكلم بعفوية، وأن نخطئ أحيانًا، وأن نصمت أحيانًا، من دون خوفٍ من خسارة مكاننا عند الطرف الآخر، فبعض الناس لا يحتاجون حبًا استثنائيًا بقدر حاجتهم إلى طمأنينة بسيطة تعيد ترتيب صورتهم عن أنفسهم، وتحررهم أخيرًا من ذلك الاعتذار الداخلي المزمن الذي يعيشون به منذ سنوات طويلة.

528

| 03 مايو 2026

حياتي.. وحياتي الأخرى.. والكتابة!

أتساءل أحيانًا: كيف كان يمكنني مواجهة هذا كله لو أنني لم أعثر على بابٍ يفضي إلى الكتابة؟ السؤال لا يأتي كترفٍ ذهني، ولا كجملةٍ تصلح لتزيين مقدمة، بل كحقيقةٍ تتسلل إلى أعماقي كلما شعرت أنني كنت قاب قوسين من الانطفاء ثم تراجعت، كأن يدًا خفية أعادتني إلى مكاني، إلى طاولتي، إلى الورقة التي تنتظرني بصبرٍ لا يشبه صبر البشر. الكتابة لم تكن خيارًا جماليًا في حياتي، ولم تكن هواية تُمارس في أوقات الفراغ، بل جاءت كضرورةٍ تشبه التنفس، وكأنها الحيلة الوحيدة التي ابتكرتها لأبقى متماسكة وأنا أعبر كل تلك المساحات المربكة. كنت أكتب لأنني لم أجد طريقةً أخرى لفهم ما يحدث لي، ولأن الكلمات كانت الوسيط الأقل خيانةً بيني وبين نفسي، حيث يمكنني أن أقول ما لا يُقال، وأن أُعيد ترتيب ما بعثره الواقع في داخلي، وأن أضع حدودًا لما كان يتسرب إلى روحي من قسوةٍ لا تُرى. أتذكر أنني في لحظاتٍ كثيرة كنت أشعر أنني أعيش حياتين متوازيتين، واحدة تمضي في الخارج بكل ما فيها من التزاماتٍ وأدوارٍ مفروضة، وأخرى تنمو في الداخل بهدوءٍ وتطالبني بالإنصات. الكتابة كانت الجسر الوحيد بين هاتين الحياتين، وكانت المساحة التي أستعيد فيها حقي في أن أكون نفسي، لا كما يراني الآخرون، ولا كما تُفرض عليّ الصور الجاهزة، بل كما أعرفني حين أخلع عني كل ما علق بي من تعريفات. من دون الكتابة، أظن أنني كنت سأفقد هذه القدرة على التفكيك، وعلى مساءلة كل ما يبدو بديهيًا. كنت سأمضي في الحياة كما يمضي كثيرون، أردد ما يُقال، وأتقبل ما يُفرض، وأتعايش مع ما يرهقني من دون أن أمتلك أداةً لمواجهته. الكتابة لم تمنحني حلولًا جاهزة، لكنها منحتني شجاعة السؤال، وهذه الشجاعة وحدها كانت كفيلة بأن تُبقي رأسي مرفوعًا، حتى في أكثر اللحظات هشاشة. هناك شيء آخر فعلته الكتابة بي، وهو أنها أنقذتني من التحجر العاطفي. كلما حاولت القسوة أن تتسلل إلى داخلي، كانت الكلمات تعيدني إلى إنسانيتي، إلى قدرتي على التعاطف، إلى تلك الرغبة العميقة في فهم الآخرين حتى عندما يخذلونني. كنت أكتب لأُفرغ ما يثقلني، لكنني في كل مرة كنت أخرج من النص أكثر اتساعًا، وأكثر استعدادًا لأن أرى الصورة من زوايا متعددة، لا من زاويتي وحدها. وأعرف جيدًا أن الكتابة ليست ملاذًا آمنًا دائمًا، فهي تُرهق صاحبها كما تُنقذه، وتدفعه إلى مواجهة نفسه من دون وسائط، وتضعه أمام أسئلته العارية من دون أن تسمح له بالهرب. ومع ذلك، بقيت أوفى من أي شيءٍ آخر في حياتي، لأنها لا تدّعي، ولا تجامل، ولا تفرض عليّ أن أكون نسخةً مقبولة من نفسي. في الكتابة فقط، أستطيع أن أكون صادقةً إلى الحد الذي يزعجني، وإلى الحد الذي يحررني في الوقت نفسه. أفكر أحيانًا في تلك النسخة الأخرى مني، تلك التي لم تتعرف إلى الكتابة، وأشعر بشيءٍ من الحزن عليها، لأنها كانت ستعيش حياةً أقل وضوحًا، وأقل قدرةً على الاحتمال. ربما كانت ستبدو أقوى في نظر الآخرين، وربما كانت ستنجح في إخفاء ارتباكها، لكنها في الداخل كانت ستتآكل ببطءٍ من دون أن تجد لغةً تقول بها ما يحدث لها. لهذا، حين أعود إلى سؤالي الأول، لا أبحث عن إجابةٍ نظرية، بل أكتفي بهذا الامتنان الصامت لكل لحظةٍ جلست فيها لأكتب، لكل نصٍ أنقذني من فكرةٍ قاتمة، ولكل جملةٍ أعادتني إلى نفسي عندما كدت أضيع. الكتابة لم تغيّر العالم من حولي، لكنها غيّرت طريقتي في الوقوف أمامه، وهذا وحده كان كافيًا لأن أواصل، وأن أؤمن بأنني، مهما ضاقت بي الطرق، سأجد دائمًا سطرًا يبدأ من حيث أنتهي.

672

| 26 أبريل 2026

حين يذبحك الأصدقاء بسكينٍ مثلومة!

لا يحتاج الخذلان إلى لافتة كي يعلن عن أثره في داخلك. يكفي أن يمرّ بهدوء، كأن يتخفّى خلف ابتسامة مألوفة، ويختار لحظةً كنتَ فيها مطمئنًا إلى أن اليد التي امتدت إليك لن تفعل أكثر من المصافحة. هناك، بالضبط، يبدأ المعنى في الانقسام، وتبدأ الروح في التعلّم القاسي لمعنى أن يكون الطعن مألوف الملامح. أشدّ الذبح قسوة هو ذاك الذي لا يأتي من عدوٍ معلن، ولا من غريبٍ متوقَّع، بل ممن ظننتهم أصدقاء بينهم وبينك مسافة أمان لا تُكسر. ومع ذلك، حين يحدث، لا يكون السكين حادًا كما تتخيل العدالة أو الخيانة أو حتى الرحمة، بل يكون مثلومًا، وقد فقد طرفه الصلب من كثرة ما استُخدم في مواضع أخرى، في جراحٍ أخرى، وفي أجسادٍ لم نرها. ثم يختارك أنت، لأن القرب أتاح له أن يجد فيك هدفه الأسهل، أو لأنك ببساطة كنت الأكثر ثقة. المؤلم في الأمر ليس الفعل وحده، بل الطريقة التي يُنفَّذ بها. هناك أذى يمرّ سريعًا فيُنسى، وهناك أذى يتعمّد أن يكون بطيئًا، متردّدًا، كأنه لا يريد أن يُنهي مهمته دفعة واحدة. السكين المثلومة لا تقطع بحدة، بل تمزّق وتجرّح وتترك في الجرح أثرًا يشبه التردّد نفسه. وكأن من يمسك بها لا يملك شجاعة الحسم، لكنه يملك إصرار الاستمرار في الإيذاء حتى النهاية. "الأصدقاء" الذين يتحوّلون إلى هذا النوع من الأدوات لا يبدؤون فعلهم دفعة واحدة. يتقدّمون على مهل، يختبرون حدود الصمت فيك، ويقيسون مساحة التسامح، ويجمعون ما يكفي من الثقة ليستخدموه لاحقًا كغطاء للفعل. وحين يأتي الفعل، لا يأتي بصيغة القطيعة الواضحة، بل بصيغة الالتباس الذي يجعل الضحية تتساءل طويلًا؛ هل كان ما حدث مقصودًا، أم أنه عَرَض جانبي لعلاقة لم تُحسن قراءة نفسها؟ في مثل هذه اللحظات، لا يعود الجرح مجرد أثرٍ جسدي رمزي، بل يصبح سؤالًا مفتوحًا عن طبيعة القرب ذاته. كيف يمكن لمن جلس معك طويلًا على طاولة واحدة، وشاركك تفاصيل صغيرة عن الحياة، أن يتحوّل إلى يدٍ تمسك بسكينٍ وتختار أن تختبر صبرك بدل أن تحميه؟ وكيف يمكن للسكين المثلومة أن تكون أصدق وصف للعلاقات التي فقدت حدّها الأخلاقي لكنها لم تفقد قدرتها على الإيذاء؟ المفارقة أن السكين الحاد، رغم قسوته، يمنح نوعًا من الوضوح، فهو يفصل ويقطع وينهي الأمر بسرعة. أما السكين المثلومة فيتركك عالقًا بين ألمٍ مستمرّ وشكٍ دائم. لا تعرف إن كان عليك أن تصرخ أم أن تصمت، أن تغادر أم أن تبرر، أن تعتبر ما حدث خيانة كاملة أم مجرد سوء استخدام لعلاقة لم تُصن. وهذا التردّد هو ما يجعل الأذى أطول عمرًا من الفعل نفسه. ثمّة شيء أشبه بالانطفاء التدريجي يحدث داخل العلاقات حين تفقد أدواتها النقية. ليس الانطفاء صاخبًا، بل يشبه انكسار الضوء في زجاجٍ قديم. ترى الأشياء، لكنك لا تراها كما كانت. وتسمع الكلمات، لكنها لا تصل إليك بالصفاء ذاته. وتدرك متأخرًا أن ما كان يومًا صداقةً جميلة قد تحوّل إلى مساحة رمادية، فيها كثير من الالتباس وقليل من الطمأنينة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة في مرارة خالصة. فحتى السكين المثلومة، رغم قسوتها، تكشف شيئًا عن طبيعة البشر حين يضعف حضورهم الأخلاقي أمام رغباتهم الصغيرة. تكشف أن القرب لا يصنع بالضرورة أمانًا، وأن الوجوه التي نطمئن إليها قد لا تكون سوى أقنعة مؤقتة لنياتٍ لم تختبر نفسها بعد. يبقى الأثر في النهاية هو الدرس الوحيد الذي لا يتأخر في الوصول، وإن تأخرت قراءته. أن الثقة ليست حقًا مكتسبًا، وأن الصداقة ليست ضمانًا دائمًا، وأن اليد التي تقترب قد تكون في لحظةٍ ما مجرد امتداد لسكينٍ فقد حدّه لكنه لم يفقد وظيفته في الإيذاء.

1107

| 19 أبريل 2026

بعد أزمة هرمز.. هل حان وقت حصر الشركات المتضررة ومساندتها؟
بعد أزمة هرمز.. هل حان وقت حصر الشركات المتضررة ومساندتها؟

لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية...

3558

| 04 يوليو 2026

متى ترحل؟
متى ترحل؟

يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار،...

3531

| 01 يوليو 2026

هيبة المغرب في الملاعب
هيبة المغرب في الملاعب

لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي...

1515

| 02 يوليو 2026

الرأس الأخضر يكسر هيبة العمالقة
الرأس الأخضر يكسر هيبة العمالقة

قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين...

1347

| 05 يوليو 2026

حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب
حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب

نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش...

843

| 30 يونيو 2026

غارت أُمكم
غارت أُمكم

غيرة المرأة أمر فطري في الرجال والنساء، ولكن...

759

| 04 يوليو 2026

الثروة البحرية و«القراقير»
الثروة البحرية و«القراقير»

تحظى البيئة البحرية في منطقة الخليج بمكانة استراتيجية...

672

| 30 يونيو 2026

الامتياز التجاري (الفرانشايز)
الامتياز التجاري (الفرانشايز)

لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد...

576

| 02 يوليو 2026

تحركات دبلوماسية في الدوحة بشأن تفاهم واشنطن وطهران
تحركات دبلوماسية في الدوحة بشأن تفاهم واشنطن وطهران

استمرت مساعي احتواء التصعيد والخلافات بين واشنطن وطهران...

570

| 02 يوليو 2026

دونالد ترامب كحالة سريرية
دونالد ترامب كحالة سريرية

ما بال الرئيس الأمريكي وقد أصبح حالة يبحثها...

561

| 01 يوليو 2026

غلق باب الجنة
غلق باب الجنة

لم يكن الفقد مجرد رحيل شخص، بل كان...

558

| 05 يوليو 2026

في بيتي... حرامي!
في بيتي... حرامي!


"عندما يصبح الفساد عارضًا لمرضٍ أعمق في بنية...

513

| 04 يوليو 2026

أخبار محلية