رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أماط السيد دونالد ترامب يوم الثلاثاء 28 يناير 2020م في البيت الأبيض اللثام عن صفقة القرن المشؤومة التي طال انتظارها وتم تأجيل إعلانها عدة مرات وبحضور كل من الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم حزب أبيض أسود بيني غانتز (اللذين قام بدعوتهما والتي لم يدع لها أي طرف فلسطيني) وبحضور كل من سفراء الإمارات والبحرين وعمان، إعلان الخطة أخرج الكثير من التصريحات وأسال الكثير من الحبر وأصدرت أغلب الدول المعنية والكبرى والمنظمات الإقليمية بيانات توضح مواقفها الرسمية بشأنها.
فأعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في لقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تمسكها بحل الدولتين وأن تكون للفلسطينيين دولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وأعلن الكرملين عن أن صفقة القرن تخالف في مضمونها كل المواثيق والقرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية مؤكدا في الوقت ذاته دعمه لحل الدولتين، بينما صرح وزير الخارجية الفرنسي لودريان بأن بلاده رحبت بجهود الرئيس ترامب للسلام وليس بنتائج تلك الجهود بشكلها في صفقة القرن كم أكد رفض بلاده لأي حلول للقضية الفلسطينية تملى من جانب واحد وأنها مع حل الدولتين، كم أشار المتحدث باسم الشؤون الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي إلى أن خطة السلام المطروحة تخالف كل القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية، وأعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة عن قلقه من عدم مشاركة الفلسطينيين، مشيرا إلى أن أي حل يجب أن يكون بمشاركة الفلسطينيين.
وصدقاً لست في معرض الحديث عن صفقة القرن البائسة التي أراها ميتة بالأساس قبل أن تولد لأنها ولدت برجل واحدة لأنها رفضت من الفلسطينيين والمجتمع الدولي والدول الشريفة وأحرار العالم وبالتأكيد من الشعوب العربية. ولا يعنينا الحديث عن بنود هذه الصفقة المهينة والمجحفة والظالمة لكل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بدءا من إقامة دولة في ثلثي مساحة الضفة الغربية وتصفية حق العودة وتقديم القدس كعاصمة موحدة للإسرائيليين وغيرها من شروط أقل ما توصف به أنها نموذج آخر للعك السياسي لترامب ومستشاريه، الأمر الذي أنا بصدد الحديث عنه هو ما هو تأثير مواقف الدول العربية على الموقف الفلسطيني بشأن صفقة القرن وثبات القضية الفلسطينية بصورة عامة.
لقد ظلت مواقف الدول العربية في حالة تراجع مستمر منذ النكبة في 1948م فقد استمر الموقف العربي في العموم في سياسة التنازلات مع اختلاف في مواقفهم كدول. ولقد جسد هذا التراجع المواقف الخجولة والبيانات الصادرة عن جامعة الدول العربية التي اتسمت بالضعف يوما بعد يوم فبعد أن كانت لغة الشجب والتنديد تثير استياءنا على أمل أن تتحول إلى أفعال أصبحنا نتمنى أن تعود بعد أن عجزت لغتنا حتى عن إصدار بيانات التنديد والشجب، وبعد أن كانت مبادراتنا العربية الضعيفة والمستسلمة لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية تملؤنا حنقا وخيبة أمل -كشعوب- لم تعد حكوماتنا العربية حتى قادرة على أن تتمسك بها وينطبق الحال على المبادرة العربية للسلام التي أعلنها الملك عبداالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت 2002.
لم تبدأ المواقف العربيّة في التراجع بشأن القضية الفلسطينية مع الثورات العربية، أو مع التمدّد الإيراني؛ فالقضية الفلسطينية مثّلت حرجاً هائلاً للنظام الرسمي العربي تاريخيا، وربما كان الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين عام 1974 مدخلاً للتخلّي العربي الرسمي عن القضية الفلسطينية. ثمّ جاء دفع المنظمة للذهاب نحو تسوية مع "إسرائيل" تحت ضغط مفاعيل حرب الخليج 1990 -1991، والدخول السريع - بعد توقيع اتفاقية أوسلو- في علاقات علنية مع "إسرائيل"، سواء بتوقيع اتفاقية سلام معها كما في حالة الأردن، أو فتح ممثليات لها في بعض البلاد العربية، أو تسيير الرحلات منها وإليها؛ وذلك كلّه دون حلّ القضية الفلسطينية.
فالظروف الراهنة التي تمر بها الدول العربية مثل انخفاض وزن ودور الدول الفاعلة منها على المستوى الإقليمي والدولي وضعف الأنظمة العربية وهشاشتها وفقدان العديد منها لشرعيتها أمام شعوبها وآثار الربيع العربي الذي شل حركة بعض البلدان وأثار بعض الفوضى في البلدان الأخرى ولا ننسى أيضا الخلافات العربية الداخلية كل هذه الظروف أسهمت في تردي الموقف العربي الرسمي من القضية الفلسطينية وجعل الدول العربية عاجزة عن الخروج بموقف رسمي رافض صراحة لخطّة ترامب - مع استثناءات نادرة كموقف الجزائر وسوريا - بالشكل الذي يعني انتهاء الموقف العربي التاريخي من ثوابت القضية الفلسطينية.
فمن الواضح للعيان أن السيد ترامب قد تلقى ضوءاً أخضر من بعض العواصم العربية المهمة من خلال زيارات مكوكية ومحادثات سرية بشأن صفقة القرن وإلا لما كان عرضها بهذا الشكل لو كان يعلم أن هناك موقفا عربيا صلبا رافضا لها، وللأسف كانت مواقف بعض الدول الكبرى والدول الإسلامية أكثر حزما من مواقف دولنا العربية. هذا الموقف العربي الضعيف إن لم أقل المتواطئ من بعض العواصم الذي أدار ظهره للفلسطينيين شكل فرصة ذهبية وتاريخية لترامب ونتنياهو لاستغلال الحالة الراهنة لتصفية القضية الفلسطينية وفرض رؤية الاحتلال الإسرائيلي في أغلب الملفات الحساسة وترك بعض الفتات للفلسطينيين.
كنت أتمنى أن تكون صفعة القرن أو أسف أقصد صفقة القرن أن تدق ناقوس خطر يعيد إلى الدول العربية صحوتها فتقف موقفا قويا صلبا ضدها وتقوم بتسوية الصف ونبذ الخلافات الداخلية ودعم الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية لكن يبدو أنه حلم بعيد المنال فقد حسمت العديد من الدول أمرها بدعم الصفقة وما البيان الوزاري لوزراء الخارجية العرب من خلال رفض هش للخطة بدون أي أفعال ملموسة أو دعم واضح للسلطة الفلسطينية وبدون إدانة للسلوك الأمريكي المتحيز والمستفز والمخالف لرؤية المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية إلا كلمات لذر الرماد على العيون وتهدئة للشارع العربي الغاضب من خطة السلام.
وفي ظل الوضع الحالي تبدو الخيارات المتاحة للجانب الفلسطيني قليلة من أجل مواجهة خطة ترامب ومواجهة تداعيات رفضها لها فمن المؤكد انه خلال الأيام القادمة ستواجه السلطة الفلسطينية إجراءات عقابية وانتقامية اقتصادية وسياسية وأمنية من أمريكا وإسرائيل بسبب رفضها (السلطة الفلسطينية) للخطة ولا استبعد قيام بعض الدول العربية ببداية اتخاذ خطوات للتطبيع مع الكيان متجاوزين السلطة الفلسطينية وقبل إيجاد تسوية شاملة مثلما رشح مؤخرا من تسريبات لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان مع بنيامين نتنياهو أو قد تقوم بعض العواصم العربية للأسف بالضغط على الرئيس محمود عباس للقبول بالخطة باعتبارها أفضل المتاح ولا استبعد أن ينتهي الأمر بالأخير بتكرار سيناريو اغتيال الزعيم ياسر عرفات.
الواجب على الفلسطينيين في الوقت الحالي وضع الخلافات جانبا وبصورة فورية وتوحيد الصف الفلسطيني بالكامل وخلق موقف موحد لا يتنازل عن أدنى الحقوق للشعب الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس مع حدود قابلة للحياة وتثبيت حق العودة للفلسطينيين في المهجر. كما يجب على الفلسطينيين ترتيب الأوضاع الداخلية وخصوصا الاقتصادية في ظل الوضع الراهن، محاولة القيام بجهود دبلوماسية ترمي لعدم العزل السياسي خصوصا خلال الفترة المقبلة ويمكن الاتجاه لبعض العواصم الإسلامية التي كانت لها مواقف واضحة رافضة لخطة ترامب مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا وتركيا، وترمي لكسب التعاطف مع الموقف الفلسطيني والذي تسانده عدد من القرارات الدولية.
كما أن الانسحاب من اتفاق أوسلو قد يكون أحد الخيارات المتاحة ما قد يبعثر الأوراق الإسرائيلية. وختاما يجب ألا نتنازل عن حقوقنا التاريخية والدينية في أرضنا، وأن تؤخذ أرضنا منا اليوم بالقوة أفضل من أن نبيع أرضنا بثمن بخس والتي ستكون أكبر جريمة تاريخية بحق كل الشعوب العربية والإسلامية فان لم نستطع الدفاع عن أرضنا اليوم فعلى الأقل لنعطي فرصة لأبنائنا وأحفادنا فرصة الدفاع عن أرضهم التي سلبت بالقوة ولم يتنازل عنها الآباء.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
99
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
108
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
81
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6375
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2778
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2490
| 02 يونيو 2026