رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كيف للسائر أن يتبين طريقه والعتمة حالكة؟ كيف له أن يتبين مواقع قدميه وهو يمشي متخبطاً بنفق مظلم ليس به كوة نور واحدة؟ كيف يهتدي لدربه من فقد بوصلة تحديد وجهته في صحراء مترامية لا أول لها ولا آخر؟ بل كيف تصل السفينة التي تبدو كريشة تتقاذفها الريح والأمواج العاتية إلى أمان اليابسة والربابنة على ظهرها كثر كل يجذبها صوبه متجاهلاً إمكانية أن تهوي في أي لحظة لتستقر في القاع؟ كيف لمصر الموجوعة أن تجلو المشهد المضبب وتستجلي إجابة ألف سؤال وقد تم تحت سمع وبصر المصريين تهريب المتهمين الأمريكيين بقضية التمويل الأمريكي رغم التهم الجنائية الموجهة إليهم التي تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات؟ هل تمت صفقة؟ ما نوعها؟ هل لوحت أمريكا بعصاها الغليظة ولوت يد السلطة بجبروت القوة التي قد تصل لتجويع مصر؟ من فعلها؟ الحكومة؟ المجلس العسكري؟ القضاء؟ التيار الإسلامي؟ (ما حدش عارف حاجة)!
حالة اختناق، وحزن، وخيبة رجاء تملأ بالمرارة نفوس المصريين أمام الألم من كل ما يحدث لا وضوح لشيء بل تتناهب المصريين أحداث فوق التصور ليتوهوا في سوق السياسة والكل يسوق بضاعته، البعض يقول إن التيار الإسلامي هو الذي سينقذ مصر، الآخر يقول التيار الإسلامي (حيودي البلد في ستين داهية) البعض يريد (البرادعي) والبعض يحذر من مجرد اقترابه من المشهد السياسي لأنه عميل أمريكاني، البعض يقول (العسكري) يتحمل أعباء ثقيلة فقد ورث تركة مهلهلة وخزانة منهوبة خاوية، والآخر يقول العسكري مشارك في كل المخالفات ومتباطئ في دفع مصر إلى الأمام ليبقى هو في الحكم ليسلم من المؤاخذة والمحاسبة! وكل يوم تطالعنا أخبار تسد النفس، وتطحن الروح بالوجع ليخرج من يقول إن المستقبل (أسود ومنيل) بينما يفرط آخر في تفاؤل لا يعرف الحذر! تعب الناس من ضبابية تجثم على صدور الحياة وتلف حبلها الخانق حول الرقاب ليكون الأصعب أن تسأل إلى أين نمضي؟ فلا تعود لك إلا الحيرة مع صدى صوتك المتعب!
• * *
• في الصحافة أقلام أعلام منهم هي، الوقورة، الصادقة، يعرف صدمتها كل من قرأ لها، إنها المتميزة الإنسانة (سكينة فؤاد) التي أحبها جداً واحترمها جداً، ليس فقط لأنها بورسعيدية من بلدياتي وإنما لأنها (بورسعيدية جدعة) صاحبة قلم حر طالما سعى من نافذته بالأهرام لكشف الفساد والإصرار على طلب القصاص ممن أجرم في حق ناس مصر في عز سطوة مبارك وإبان حكمه، قابلتها في الأهرام بمكتبها واستمعت لروحها المرهفة الموجوعة التي ظلت تصرخ من أجل أرض مصر التي سرطنها (يوسف والي) بإدخاله أكثر من ثلاثين مبيداً مسرطناً دون التفات لأطفال مصر الذين ملأوا المستشفيات بلوكيميا الدم، حكت لي كيف تصدوا لقلمها في محاولة لكسره، وكيف روعوها، وأتعبوها، وأهملوها أملاً في أن يكف قلمها عن المطالبة بمحاكمة (يوسف والي) وزير الزراعة آنذاك، لكنها صمدت واحتملت، وجمعت أدلة وقدمت مستندات لم يلتفت إليها أحد حتى دفعت من صحتها التي اعتلت وهي تناضل بالقلم الذي لم تكسره أبداً، ولم تسكت أبداً حتى مرت السنوات وماتت القضية التي وقفت السلطة حائلاً بينها وبين التحقيق فيها لحماية سعادة الوزير، عندما ودعتها قلت لها لن يضيع وفاؤك ولا نضال قلمك، إن غداً لناظره قريب، وركضت سنوات طوال والقضية ساكنة والسرطان ينهش في جسد المصريين حتى قامت الثورة وقدم وإلى للمحاكمة ليسمع بأذنيه منذ يومين قراراً بالسجن عشرة أعوام، تحية للمناضلة بنت بورسعيد سكينة فؤاد صاحبة أول قلم تصدى لفساد وزير الزراعة بشجاعة يندر أن تكون في ظل مباخر تبجيل الحاكم وحاشيته وممالأة السلطة، والخوف من كلمة حق قد تزعج النافذين، وكل التقدير سكينة فؤاد التي لم تأكل لسانها أمام سطوة الفساد، وكشفت عورات النظام.
• * *
• طبقات فوق الهمس:
• يقول الموالون من الإعلاميين في أخبارهم تخفيفاً من الفضيحة (سفر المتهمين) ونقول اسمها (تهريب المتهمين بقضية التمويل الأجنبي) الذي أصاب بيت العدالة في مصر بأفدح الزلازل!
• تهريب المتهمين له معنى واحد، اغتيال الشفافية، واستعباط الشعب المصري الحر العظيم، واستخفاف بعقل شعب بلغ سن الرشد!
• يقول وزير العدل المصري إنه سيجري تحقيقاً ليعرف من المسؤول عن تسفير (الخواجات الجواسيس) ما بين قوسين من عندياتي، وأقول إذا كنت تعرف فتلك مصيبة، وإن لم تكن تعرف فالمصيبة أكبر من الأهرامات!
• تقول الأخبار إن (عشرين ألف عميل دخلوا مصر) السؤال مَن أدخلهم؟ وكيف تم احصاؤهم؟ وهل إلى هذا الحد كان المخلوع (سايبها سداح مداح)؟
• شباب (زي الفل) مؤهلون ورائعون يعانون البطالة شابت رؤوسهم وهم يتابعون حصراً لممتلكات المحترمين جمال وعلاء مبارك على دريم في خمس أوراق فلوسكاب (ممتلئين لعينهم) بأرصدة في البنوك، وقصور، وشاليهات، وشقق، واراض زراعية، وأسهم في البورصة، واراضي بناء، وشركات، وببجاحة يقدم (الديب) محاميهم براءة ذمة!
• في أفظع حادثة تزوير تقدم بعض الفضائيات رموز الثورة المضادة على أنهم رموز ثورة 25 يناير وهات يا نفخ، ممكن يعودوا لأحجامهم بدبوس!
• لماذا بدأنا نستشعر أن الإعلام المأجور يعيد إنتاج مبارك بعد التحسين مع اختلاف الطول والعرض؟!
• في المفهوم الجديد لم يعد البلطجي حافي القدمين، رث الثياب، فقير الهيئة، الأمر اختلف إذ ممكن يكون البلطجي آخر شياكة، وراكب عربية آخر موديل، وقاعد أمام مذيعة تناديه بسعادتك، وسيادتك بينما يلوك افتراءاته ليضرب قلب وطنه!
• بشار الأسد الذي يسير عكس حركة التاريخ ماذا يريد؟ ومتى يفهم أن حتمية تاريخية اسمها انتصار الشعوب هي أمر حتمي جاء عاجلاً أم تأخر قليلاً؟
• بعد تهريب (خواجات التمويل الأجنبي) من مصر بدأت المفاجآت تكشف عن متورطين معهم لتظهر أسماء كثيرة، كبراء، وزراء، رجال أعمال، إعلاميين، كلهم ضالعون، (وبكره اللي في القدر يطلعه الملاس).
• للذين يهاجمون الجزيرة ويقولون إنها تؤلب الشعوب، وتذكي الفتن نقول الجزيرة مهاجمة دائماً لأنها كشفت للشعوب المستغلة عورات حكامها، حتى ورقة التوت أسقطتها عن الأنظمة الظالمة.
• في كتاب (الثورة العربية والثورة المضادة – أمريكية الصنع) يقول المؤلف الأمريكي (جيمس بتراس) العالم ببواطن الأمور (عندما بدأ أوباما في دعم عمر سليمان بديلاً هدد مبارك بالقيام بمذبحة جماعية على غرار النموذج الإندونيسي إذا لم يتفرق المتظاهرون) وتعليقاً نقول ولم ينفض المتظاهرون وبقية الفاجعة تعرفونها، هذا هو مبارك البرئ.
لا أحد سيبدأ عنك
كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة أو دعوة مفاجئة، لكن الحقيقة أن المسارات لا تُمنح بل... اقرأ المزيد
291
| 25 مايو 2026
الشركات التجارية ذات المسؤولية المحدودة (ذ م م )
على غرار التشريعات المقارنة، سمح المشرع القطري بتأسيس شركات تجارية تتخذ شكل شركة ذات مسؤولية محدودة، يكون عدد... اقرأ المزيد
129
| 24 مايو 2026
حين تتحول الثقافة إلى ألفة وطنية
مع إسدال الستار على فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث بوصفه معرضًا للكتب... اقرأ المزيد
129
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1428
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1314
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026