رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

258

موزا محمد الكواري

الفأر الذي لا يُرى.. والسد الذي ينهار

05 أبريل 2026 , 04:54ص

لم يكن السدّ ضعيفًا…

بل كان شامخًا، صلبًا، يُضرب به المثل في الثبات، تقف خلفه سنوات من الجهد، وتستند إليه منظومة كاملة من العمل والإنجاز، كل من ينظر إليه، يوقن أن سقوطه مستحيل… أو هكذا يبدو.

لكن، في مكانٍ لا تلتفت إليه العيون… كان هناك فأر صغير… لا يُحسب له حساب، لا يظهر في تقارير الأداء، ولا يُناقش في اجتماعات الإدارة، لم يكن يهدم السدّ بضربة، بل كان يقضم… بهدوء، بإصرار، وبلا ضجيج.

كل يوم، جزء ضئيل يُنتزع.

كل يوم، ثقب لا يُرى يكبر قليلًا.

وكل يوم، يظن السدّ أنه ما زال كما هو… قويًا، متماسكًا، لا يُقهر.

هكذا تمامًا تعمل الإدارة غير العادلة.

المدير غير العادل لا يُسقط مؤسسته بقرار فجّ، بل يمارس دور “الفأر” دون أن يشعر. تفضيل شخص على آخر بلا معيار، إهمال صوت مستحق، كسر خاطر موظف مجتهد، أو منح فرصة لمن لا يستحق… تفاصيل تبدو صغيرة، بل وربما “طبيعية” في نظره.

لكنه لا يرى ما تفعله هذه التفاصيل في العمق.

فكل ظلمٍ بسيط، هو قضمة.

وكل تجاهل، هو ثقب جديد.

وكل قرار غير منصف، هو خطوة نحو انهيار لا يُرى… حتى يقع.

العاملون لا ينهارون فجأة، بل يتآكلون من الداخل. الحماس لا يختفي دفعة واحدة، بل يتسرّب كما يتسرّب الماء من شقوق السدّ. والانتماء لا يُسحب بقرار، بل يذوب بصمت تحت وطأة شعورٍ متكرر بأن العدالة غائبة.

ثم، في لحظة ما…

لا يتحمل السدّ ما تراكم فيه.

ينهار.

وحينها، لا ينفع أن نبحث عن السبب في الخارج، ولا أن نُحمّل الظروف ما حدث، فالسقوط لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة فأرٍ صغير، تُرك طويلًا… حتى أصبح أقوى من جدارٍ كامل.

في بيئات العمل، الخطر الحقيقي ليس في الأزمات الكبرى…

بل في تلك التفاصيل التي نستهين بها، ونؤجل مواجهتها، ونظن أنها لن تصنع فرقًا.

لكنها تفعل.

لأن السدود لا تخاف العواصف بقدر ما تخاف ما ينخرها من الداخل…

ولأن بعض المديرين، دون أن يدركوا، لا يقودون مؤسساتهم…

بل يقضمونه.

مساحة إعلانية