رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثر الجدل في العالم العربي بشكل عام، وفي دول الخليج بشكل خاص حول اللغة العربية والهوية، وما تواجهه من تحديات يفرضها العصر بما شهد ويشهد من تغيرات سياسية واقتصادية وتعليمية، واجتماعية.... وغيرها، وما نجم عنه من تغيرات فكرية وقناعات غير منطقية ولا موضوعية لدى مسؤولي بعض هذه الدول، تمثلت في جمود اللغة العربية وعدم صلاحيتها لتدريس العلوم باعتبارها ليست لغة علم ولا تكنولوجيا، وتبنّي اللغة الإنجليزية في المقابل باعتبارها أولاً- لغة عالمية لا بد من تعلمها والتخاطب والاتصال والتواصل من خلالها بين كل من المعلم والمتعلم في البيئة التعليمية، وباعتبارها من جهة أخرى لغة العلم والمعرفة في عصر العلم والتكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات. ولكن هذه القناعات للأسف ليست مبنية على أساس، وتفتقر إلى السند العلمي، والدليل المادي الداعم لها. فكيف لهذه اللغة في ظل هذه المزاعم أن تكون جامدة، وقد اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون لغة القرآن الكريم، الغني بالدلائل والشواهد العلمية والقرائن المادية المفسرة لآياته سبحانه وتعالى؟ وكيف تكون اللغة العربية جامدة وغير فاعلة، وقد كانت لغة العلم والمعرفة والطب، والفيزياء والعلوم الطبيعية، والرياضيات عند العلماء العرب والمسلمين مثل ابن سينا، وجابر بن حيان، والخوارزمي، وابن النفيس، وابن رشد، وابن الهيثم، وغيرهم من العلماء الذين أخذ الغرب عنهم العلم والمعرفة، وأصبحت كتبهم تدرس في أرقى الجامعات العالمية، فأين جمود اللغة كما يزعم هؤلاء؟ وكيف بنا في ظل هذه القناعات الناقصة استبدال ما هو أدنى بما هو خير؟ كاستبدال الثرى بالثريا، والإنجليزية بالعربية؟ ولغة الإنسان بلغة القرآن؟ فقد استبدلت لغة التدريس الحالية الأعجمية «الإنجليزية» لتحل محل لغة التدريس الأصلية «اللغة العربية» في المجتمعات العربية نتيجة لتأثير هذه القناعات المهيمنة على عقول المسؤولين عن التعليم وأصحاب القرار في المؤسسات التعليمية. وهذا بدوره أثار حفيظة وقلق الأهالي وأولياء الأمور، وشرائح كبيرة في هذه المجتمعات على مصير اللغة والهوية العربية، ومستقبلهما.
ولذا، ثارت ثائرة الغيورين على اللغة العربية، وما تمثله من هوية وكينونة، ونهض الحريصون عليها، واشتاط غضبهم، وهبوا لنصرة هويتهم والدفاع عن كينونتهم، فعبروا عن سخطهم، وغيرتهم، وحرصهم على لغتهم بكل الوسائل الحضارية المتاحة، فتعالت الأصوات الدينية من على منابر المساجد في خطب الجمعة، ونُشرت الآراء الحرة من خلال المقالات الصحفية، وعقدت الندوات العلمية، والمؤتمرات والمناظرات الفكرية، ونظمت الأمسيات الشعرية، وغيرها من وسائل التعبير الفردية والجماعية والجماهيرية على مدى السنين القليلة الماضية، حيث كانت آخر هذه الندوات والمؤتمرات والتجمعات التي تصب في هذا الإطار هو ما أطلق عليه «يوم اللغة العربية» الذي نظمته كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر مؤخرا، والذي اتخذ من عنوان «لغتي هويتي» شعارا له.. باعتبار اللغة هوية، والهوية كينونة، فطمس اللغة يعني ضياع الهوية، والقضاء على الكينونة.
وبالطبع لن يرضى أحد أيا كان بضياع هويته وكينونته وإلغاء وجوده. ولذلك، كانت هذه المقالات والمؤتمرات والمناظرات الفكرية، والتي بدورها خلقت بيئة مواتية للتواصل الفكري بين المفكرين والمثقفين والتربويين والكتّاب، مما أدى بدوره إلى تنظيم مناظرات بين أطراف مؤيدة وأخرى معارضة في دولة الإمارات العربية المتحدة وفقا لإشارة كل من الباحثين د. نجم الدين الشيخ، ود. حسن تريب (2010). وكانت هذه المناظرات سببا رئيسا في إجراء هذه البحوث والدراسات، حيث دفعت الباحثين في جامعة الإمارات بمدينة العين إلى البحث عن أسباب هذا الجدل مما أدى إلى تنشيط تيار البحث العلمي في مجال التدريس ولغته. وبناء عليه قام كل من د. الشيخ، ود. تريب (2010) بدراستين مشتركتين بينهما حول أثر لغة التدريس في تعلم المفاهيم العلمية، والتي توصلا من خلالهما إلى عدم جدوى التدريس باللغة الإنجليزية في تدريس العلوم، حيث لوحظ أن التدريس بغير لغة الجمهور يطيل الطريق إلى الوصول إلى الحقائق العلمية والمفاهيم والمبادئ حيث يهدر الكثير من الوقت في الترجمة إلى لغة الجمهور الأصلية وهي اللغة العربية، مما يفقد الموقف التعليمي فاعليته ومتعته حيث التعثر في عملية التعلم، وزيادة حجم الصعوبات التي يعاني منها كل من المعلم والمتعلم. .
وبالعودة إلى كل من دراستي د.الشيخ، ود. تريب (2010) الآنفتي الذكر، واللتين تم تقديمهما في المؤتمر التربوي المنعقد على هامش أسبوع التجمع التربوي السادس في الفترة من 27 مارس إلى 1 أبريل من العام الحالي تحت شعار «القراءة من أجل الحياة» فقد لاحظ الباحثان شوق الطلبة إلى التحدث بلغتهم الأصلية (العربية) في غياب المعلمين في الصف الدراسي وخارجه، مما يعني حرمان المتعلم من حقه في التحدث إلى زملائه الطلبة في المدرسة بلغته الأصلية في حضور المعلمين، وهذا بدوره يشكل نوعا من المعاناة النفسية للطالب، والشعور بالاضطهاد النفسي عند الطلبة، كما يؤدي ذلك دون شك إلى عدم الارتياح للجو المدرسي العام، مما يجعل من بيئة التعلم بيئة طاردة غير جاذبة على الإطلاق حيث المنع والتحريم، والكبت والضغط والإحباط. ولو سلمنا ببديهية التعود والتكيف مع الأجواء المحيطة في المدرسة، وتعود اللسان على التحدث بغير اللغة الأم، فقد أسهمنا في ضعف لغتنا، وضياعها، وفقدان ثقافتنا وهويتنا، وإلغاء وجودنا وكينونتنا العربية والإسلامية في نهاية المطاف ومع مرور الزمن.
كما قد يحلو لنا أن ندعو الباحثين في الدولة سواء من داخل هيئة التعليم أو خارجها (مثل جامعة قطر) أن يبادروا بالقيام بإجراء دراسات مماثلة وبحوث علمية تتعلق بالتدريس ولغته وبيئاته التعليمية للوقوف على مواطن القوة والضعف في اعتماد تجربة التدريس باللغة الإنجليزية في مدارسنا القطرية، والحكم على نجاح التجربة من عدمها في ضوء هذه النتائج، فالبيئة مواتية، والأجواء مهيأة، والأرض خصبة لإجراء البحوث والدراسات الميدانية التجريبية المقننة التي يمكن أن تتخذ القرارات التعليمية الصائبة في ضوء نتائجها المحتملة.. هذا، والله من وراء القصد.
«كنف».. قلب الأسرة وصناعة المستقبل
يمثل تدشين مركز التربية الوالدية (كنف) في قطر خطوة نوعية جديدة تعكس عمق الرؤية الوطنية التي تضع الأسرة... اقرأ المزيد
75
| 22 أبريل 2026
ابدأ من حيث أنت.. لكن لا تبقَ هناك
ليست المشكلة في نقطة البداية، بل في الإقامة الطويلة فيها. كثيرون يظنون أن النجاح حكاية تبدأ من ظروف... اقرأ المزيد
111
| 22 أبريل 2026
فن إدارة المتغيرات في حياة الإنسان
خلقنا الله تعالى بفطرة سليمة وقلوب نقية، ومنحنا عقلاً لنتعلم في دروب الحياة ما ينفعنا وما يضرنا، فنكتسب... اقرأ المزيد
114
| 21 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلية التربية – جامعة قطر
al-saai@qu.edu.qa
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1923
| 20 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1812
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
903
| 16 أبريل 2026