رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة خطاب عالي الصوت يملأ فضاء مصر الآن مشغول بتكريس كراهية الإخوان بأكثر من انشغاله بالاصطفاف دفاعا عن محبة الوطن.
(1)
لدينا مشكلة كبرى في تكييف المشهد، أربكت كثيرين وضللتهم. إذ لدينا في انتخابات الإعادة رمزان أحدهما يمثل جماعة الإخوان والثاني يمثل نظام مبارك. وإذا كان هناك مشترك بين الاثنين فهو أنهما لا يمثلان أفضل ما تمنيناه. لكن الخطأ الكبير الذي يؤدي إلى الالتباس والتضليل يكمن في طمس الفروق بينهما ومن ثم وضعهما معا على قدم المساواة. وقد قلت من قبل إن الأول ينبغي أن تفكر جيدا قبل أن ترفضه، في حين أن الثاني نرفضه دون أن نفكر. كما أن الأول يعدنا بمستقبل غامض أما الثاني فيستعيد ماضيا كئيبا. والأول يقف منحازا إلى الثورة (23 شخصا من الإخوان قتلوا في أثناء الثورة) والثاني كان شريكا في محاولة إجهاض الثورة، في هذا السياق تلقيت رسالة من الشيخ جمال قطب مسؤول الإفتاء السابق بالأزهر قارن فيها بين الرجلين، قائلا إن خيارنا صار بين تعاطي دواء لم تستطع الشركة المنتجة الترويج له أو إقناع الناس بفاعليته وجدواه، وبين دواء مسرطن يفتك بكل من يتعاطاه ولا أمل في نجاة من يبتلعه.
هذه الفروق لم يتغاضَ عنها البعض فحسب. وإنما وجدنا من عمد إلى قلبها رأسا على عقب فقرأنا لمن قال إن الفرق بين الرجلين كالفرق بين الكوليرا والتيفود، إذ كلاهما قاتل. وذهب آخرون في التدليس إلى حد القول بأن «الفريق» أحمد شفيق يمثل الدولة المدنية. أما الدكتور محمد مرسى فيمثل الدولة الدينية، الفاشية عند البعض.
(2)
لأن مبارك أمات السياسة في مصر فإن التنافس والتجاذب بين الجماعات والتيارات المختلفة ظل يدور في ساحة الإعلام بالدرجة الأولى. وهي الساحة التي يهيمن عليها تاريخيا خصوم الإخوان من علمانيين وليبراليين وماركسيين، يضاف إليهم عناصر وأذرع أجهزة الإدارة والأمن، وهؤلاء ظلوا طوال العقود الماضية يروجون لفكرة «الفزاعة» التي غدت عنوانا ثابتا للعلاقة بين السلطة والإخوان منذ نحو ستين عاما.
حين دخل إلى المرحلة الأخيرة من سباق التنافس على الرئاسة مرشح الإخوان فإن كل تلك المنابر تحولت إلى منصات لإطلاق ما لا حصر له من زخات النقد والتجريح والترويع التي استهدفت اغتيال الجماعة وتخويف المجتمع من مشروعها. وكان أخف ما قيل في حقهم ما ذكره أحد الكتاب المحترمين في مقال نشر يوم الجمعة 1/6 من أن الإخوان «يريدون أن يطردوا البهجة من حياتنا. يريدون حياة قوامها الجنس وأكل اللحمة والفتة. (لذلك) فإن المستقبل في حكم الإخوان أسود من قرن الخروب». وإذا كان ذلك هو الكلام المخفف الذي صدر عن كاتب محترم فلك أن تتصور ما يمكن أن يصدر عن أنصاف المحترمين وغير المحترمين.
لست أدعي أن الإخوان فوق النقد. وكنت أحد الذين مارسوا ذلك النقد في حينه. وليس عندي أي دفاع عن أخطائهم الجسيمة التي وقعوا فيها خلال الأشهر الأخيرة، والتي أدت إلى خسرانهم خمسة ملايين صوت في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة. لكني فقط أسجل تحفظي على ثلاثة أمور، أولها استخدام النقد سبيلا إلى التجريح والاغتيال والإقصاء. واللجوء إلى أساليب غير شريفة في ذلك. الأمر الثاني تعميم ذلك النقد على مجمل الحالة الإسلامية والتطاول من خلاله على مقاصد الإسلام وقيمه. أما الأمر الثالث فهو الغلو في النقد إلى الحد الذي يعبر عن الاستعداد لاستمرار حكم العسكر أو لتسليم البلد إلى نظام مبارك مرة أخرى، مقابل إسقاط مرشح الإخوان، يعبر عن ذلك عنوان نشرته إحدى الصحف، يقول: «نار العسكر ولا جنة الإخوان». تجسد ذلك أيضا في قول أحدهم إنه يقبل بأي طرف غير الإخوان، ويقبل بأي مرجعية إلا مرجعية الإسلام.
حتى لا يلتبس الأمر على أحد فإنني أقرر أنه منذ بدأت الحملة الانتخابية لم أكن مشغولا كثيرا بمن سينجح في الانتخابات، لكنني لم أكف عن الدعوة إلى إسقاط كل من كانت له صلة بمبارك ونظامه. إذ اعتبرت أن إنقاذ الثورة واستمرارها هو مسؤولية الجماعة الوطنية المصرية بكل فصائلها، وأن أي اختراق من جانب رموز عصر مبارك لأي موقع متقدم في مدارج السلطة العليا يمثل تهديدا مباشرا للثورة. لذلك لا أستطيع أن أخفي دهشة إزاء موقف قطاع عريض من العلمانيين والليبراليين الذين انساقوا وراء مشاعرهم المخاصمة للإخوان، إلى الحد الذي جعلهم يقفون تلقائيا في صف الفريق شفيق. وبالتالي فإنهم شغلوا أنفسهم بتصفية حساباتهم مع الإخوان وبإسقاط الدكتور مرسي. ولم يكترثوا بإنقاذ الوطن من براثن نظام مبارك. الأمر الذي يسوغ لي أن أقول إن كراهيتهم للإخوان تلبستهم حتى أعمتهم عن محبة الوطن والغيرة عليه.
(3)
منذ تبين أن الإعادة في انتخابات الرئاسة بين مرشح الإخوان ومرشح نظام مبارك، انطلقت ماكينة الإعلام والدعاية التي أعادت إنتاج خطاب الفزاعة، بصورة أكثر شراسة وكثافة. إذ فوجئنا بتدفق سيل الكتابات التي خوفت الناس من أن الإخوان سيسارعون إلى إعلان الخلافة، وسيفرضون الحجاب على كل الإناث، وسيحرمون السياحة وسيغلقون البنوك الربوية وسيمنعون السينما والمسرح وسيحاربون مختلف صور التفكير والإبداع. سيختنون الفتيات وسيفرضون الجزية على الأقباط.. إلى آخر العناوين التي تبشر باستنساخ طالبان في أفغانستان وتخوف من ميليشيا يعدها الإخوان ويدربونها على السلاح لمقاومة الجيش المصري.
ليس ذلك فحسب، وإنما استهدفت حملة التشويه والتخويف مجلس الشعب أيضا لمجرد أن الإسلاميين حازوا الأغلبية فيه، الأمر الذي استفز قاضيا مخضرما هو المستشار محمود الخضيري الذي يرأس اللجنة التشريعية بالمجلس، ودفعه إلى كتابة مقالة نشرتها «المصري اليوم» في 27/5، وقال فيها إنه لم ير في حياته هجوما على مجلس شعب مصر مثلما رأى في المجلس الحالي. وفهمنا من المقالة أن الرجل فقد أعصابه حين سأله أحد الصحفيين عن مشروع قانون يبيح مضاجعة الموتى (وهي شائعة مدسوسة وكاذبة)، في حين لم يهتم الصحفي بحزمة التشريعات المهمة التي تبنتها اللجنة التشريعية، وفي مقدمتها ما تعلق بمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. وتثبيت العمالة المؤقتة الذي يفيد عشرات الآلاف من العمال، وتقرير الحد الأدنى والأقصى للأجور.. إلخ.
ما يثير الانتباه في هذه الحملات التي تصب كلها في مجرى التيئيس والترويع والتخويف من انقضاض الإخوان على الدولة تفترض أن الخمسة وثمانين مليون مصري تحولوا إلى قطيع من الماشية لا حول لهم ولا قوة، وأن الملايين الجسورة التي انتفضت لإسقاط مبارك ونظامه، سوف تسلب إرادتها وتركن إلى الاستسلام والخنوع في ظل الحكم الذي يتصدره الإخوان. وإذ أفهم أسباب تراجع الثقة في الإخوان إلا أنني لا أفهم ولا أجد مبررا لفقدان الثقة في وعي الجماهير المصرية، وفي قدرة الجماعة الوطنية على وقف أي تغول أو انحراف من جانب الإخوان أو غيرهم.
إن محاسبة الإخوان ومطالبتهم بتصحيح أخطائهم وطمأنة الناس واجب في كل وقت. ولكن تأكيد القطيعة مع النظام السابق هو واجب الوقت. والمعركة الأولى مرحلية بوسعنا أن نكسبها، أما المعركة الثانية فإستراتيجية لا ينبغي أن نتراخى أو تهمل في التصدي لها. ذلك أننا نستطيع أن نسحب الثقة من الإخوان في ظل الثورة، لكننا لن نستطيع أن نكسب المعركة الثانية إلا بثورة جديدة.
(4)
ثمة جانب مسكوت عليه في المشهد الذي نحن بصدده، يتعلق ببرنامج الفريق أحمد شفيق على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد أخذ الرجل راحته في الحديث عن سياسته الداخلية أمام غرفة التجارة الأمريكية المصرية، في حين حدثتنا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن سياسته الخارجية، التي سكت عنها وتجاهلها.
في 24/5 نشرت صحيفة نيويورك تايمز خلاصة لكلامه أمام غرفة التجارة، عرضه مراسلها في القاهرة دافيد كيرك باتريك. ولم يفت المحرر أن ينوه في البداية إلى أن الفريق شفيق ذكر لسامعيه أنه ليس آسفا لأنه اعتبر مبارك مثله الأعلى، وأنه خاض الانتخابات الرئاسية مراهنا على أمرين، أولهما الخوف من الإخوان، وثانيهما الوعد بوقف التسيب الأمني. أضاف صاحبنا أن المرشح الرئاسي أعلن أمام سامعيه أنه سوف يستخدم القوة المفرطة ولن يتردد في اللجوء إلى تطبيق عقوبة الإعدام لإعادة الأمن إلى البلاد خلال شهر، ووسط تصفيق النخبة التي رحبت بكلامه سخر الفريق من البرلمان الذي تم انتخابه بعد الثورة، وقال إن الإسلاميين فيه لديهم ميليشيات مسلحة مستعدة لخوض الحرب الأهلية، ولبننة الوضع في مصر.
في حديثه عن علاقة المجلس العسكري بالسياسة نقل المحرر الأمريكي عنه قوله إنه يؤيد قيام الجيش بدور الحامي للشرعية الدستورية في مصر، كما أنه يؤيد استمرار الإمبراطورية الاقتصادية للجيش، معتبرا أن استمرارها يعد «ضرورة إستراتيجية». وذكر اعتقاده أن الفريق شفيق يؤيد أيضا فرض الأحكام العرفية في حالة الطوارئ، دون حاجة للرجوع إلى البرلمان، وفيما خص اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات السابق، قال صاحبنا إنه إذا أمكن الاستفادة من خبراته في أي موقع، فينبغي ألا نتردد في ذلك. وهي المقولة التي قال الصحفي الأمريكي إنها استقبلت بعاصفة من التصفيق.
أما في الشق المتعلق بالسياسة الخارجية المسكوت عليها بدورها، فإن حفاوة الإسرائيليين به كافية لإلقاء الضوء على موقفه، حتى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طلب من وزرائه أن يكتموا فرحتهم، حتى لا تنكشف حقيقة الرجل أمام الرأي العام المصري ويؤثر ذلك على التصويت لصالحه. وهو ما ذكرته الإذاعة العبرية صراحة مساء يوم 29/5. أما الذين تكلموا من المسؤولين الإسرائيليين فقد قال أحدهم إن شفيق سيكون ذخرا لإسرائيل أهم من مبارك، لأنه إذا انتخب فسيكون قد جاء بطريقة ديمقراطية، وقال آخر إنه إذا تحقق ذلك فسيعود ضخ الغاز لإسرائيل. وستعود العلاقة بين القاهرة وتل أبيب إلى «الصفاء» الذي كانت عليه قبل الثورة.
ما يدهشني في الأمر أنه في حين يلوح شبح مبارك ونظامه في الأفق بقوة، أجد بعض السياسيين والمثقفين في مصر يتحدثون عن مقاطعة الانتخابات الرئاسية. بدعوى أنهم غير مقتنعين بالمرشحين الاثنين. وهو موقف غريب لأنه يقدم هدية مجانية إلى مرشح مبارك، باعتبار أنهم بذلك يضعفون مركز منافسه. إنني إذ أفهم سبب تحفظهم على الإخوان أو كراهية بعضهم لهم، فإنني لا أتصور أن يكون ذلك سببا كافيا لإفساح الطريق لفوز مرشح مبارك برئاسة مصر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026