رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حصيلتنا صفر على صعيد التوافق والتنافس على خدمة الناس ومحبة الوطن
هل يمكن تطبيق الشريعة في دولة مدنية ديموقراطية؟ لست صاحب السؤال الذي أدهشني استدعاؤه كما صدمتني الإجابة التي قدمت له.
(1)
إليك عيَّنة من الإجابة مقتبسة من النص المنشور: لا بالتأكيد. لا يمكن تطبيق الشريعة في دولة ديموقراطية، وإلا فسوف تفقد طبيعتها الديموقراطية. فالشريعة الإسلامية لا تتعامل بشكل متساو في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى (للذكر في الميراث حظ الانثيين). وكذلك تفرق بين المواطنين على أساس الدين (تطالب غير المسلم بدفع جزية).. والأمثلة كثيرة للغاية لا مجال لحصرها. أما المواءمات التي يقوم بها البعض لإيجاد تماس بين العوالم الراهنة من ناحية وبين الشريعة من ناحية ثانية، فهي محاولات تدعو للغثيان من قلة حيلتها.
إن محاولات تطبيق الشريعة في زماننا تعاني من إشكاليات عدة، أولاها: الانتقائية. فعلى سبيل المثال الرجم أداة عقابية تعود لعصور مضت فلا داعي للحديث عنه. قطع يد السارق يعد تشويها لجسد الإنسان مما يتعارض مع حقوق الإنسان فلا داعي لتطبيقه. تنادى الشريعة بقتال المشركين. بالطبع مستحيل قتال المشركين في عالم اليوم، فلا داعي لأن نتطرق إليه.. (إلى جانب ذلك) فثمة فجوة هائلة بين الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وبين المرجعيات الحكومية لأولئك المطالبين بتطبيق الشريعة. فما رأي الشرع في إقامة علاقات ومشروعات مع كفار الصين أو كفار الهند على سبيل المثال؟.
الخلاصة: إن كل التطبيقات الاجتماعية الحاكمة في ظل الشريعة هي قواعد تاريخية تنتمي لعصور سحيقة لا مجال لتطبيقها اليوم، وتتناقض مع مبادئ المواطنة والعدالة في الحرية بمفاهيم زماننا.
(2)
لا أجد جديدا في هذا الكلام، فكتب غلاة المستشرقين تحفل بمثله. لكن حز في نفسي أمران أولهما أن الذي نقله مثقف متميز وأديب واعد هو الأستاذ خالد الخميسي (صحيفة «الشروق» عدد 26/6) ــ والثاني أن الكاتب ذكر في حديثه عن الدولة المدنية أنه درس العلوم السياسية واطلع على مختلف الموسوعات السياسية ولم يجد لهذا المصطلح أثرا، وهو ما دفعني إلى التساؤل: لماذا يا ترى لم يفكر صاحبنا في أن يقرأ ولو كتابا واحدا في الإسلام بدلا من أن يقرأ عنه. ذلك أنه لو فعلها لما ورط نفسه في ترديد تلك المعلومات المنقوصة والشائهة. ربما عرف مثلا أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة حيث بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، بنص القرآن وربما عرف أن مضاعفة نصيب الرجل في الإرث مقارنا بنصيب المرأة ليس قاعدة مطلقة. ولكن النصيب يختلف باختلاف المركز القانوني لكل منهما. فحالات مضاعفة النصيب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، في حين أن ثمة حالات تتساوى فيها أنصبة الرجل والمرأة. وحالات أخرى تحصل المرأة على نصيب يزيد على ما يستحقه الرجل. ربما عرف أيضا أن مسألة الجزية تقليد قديم سابق على الإسلام، وإنها فرضت على غير المسلمين، لأنهم حينذاك لم يكونوا يشتركون في الدفاع عن ديارهم، وكان المسلمون هم الذين كانوا يتولون هذه المهمة ويموتون نيابة عنهم. والاتفاق قائم على أنهم إذا انخرطوا في سلك الجندية واشتركوا في الدفاع عن وطنهم فإن الجزية تسقط. وللعلم فإن قيمة الجزية التي تعد أقرب إلى ما نسميه في مصطلحات زماننا بأنها «بدل جهادية». أقل من قيمة الزكاة التي يتعين أن يدفعها المسلم إلى بيت المال. ربما عرف كذلك أن تطبيق الحدود له شروط تكاد تكون مستحيلة وتعجيزية (كما في الزنى مثلا). وفي حالة السرقة، فإن تمام الوفرة لكل شخص شرط لتطبيق الحد، علما بأن بعض فقهائنا يذهبون إلى أن الحدود التي كانت ضمن آخر ما نزل في الإسلام. هي للردع والزجر بأكثر منها للتطبيق. أما حكاية الأمر بقتال المشركين هكذا دون أي مبرر. فهي من قبيل الانطباعات الكاريكاتورية الرائجة في بعض الكتابات الاستشراقية، ذلك أن ثمة أمرا صريحا في القرآن يمنع العدوان على الآخرين وتجنب القتال إلا في حالة الدفاع عن النفس. وفي غير ذلك. فالأصل في العلاقة مع الآخرين بمن فيهم الكفار والمشركون هو «البر والقسط» بنص القرآن. ولو أن صاحبنا قرأ شيئا في التاريخ الإسلامي لعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام امتدح «حلف الفضول» الذي عقده كفار قريش للدفاع عن الضعفاء، وقال إنه لو أدركه للحق به وانضم إليه. وليته قبل أن يخوض في تفاصيل الأحكام فتح كتابا في الفقه ليدرك القاعدة التي تقول بأن الأصل في العبادات هو الاتباع وأن الأصل في المعاملة هو الابتداع. ولربما قرأ شيئا عن تغير الأحكام بتغير الأمكنة والأزمنة والأحوال، وغير ذلك من آيات عبقرية وحيوية الفقه الأصولي.
لست في مقام الرد على ما ذكره الكاتب، لكنني فقط أردت أن أنبه إلى الأخطاء المعرفية التي وقع فيها، حين أطلق أحكاما في موضوع لم يعتن بدراسته فوقع فيما أساء إليه.
(3)
مثل هذه الكتابات من تداعيات حالة الاستقطاب الخطر الحاصل في مصر الآن، الذي جعل الانتماء إلى الإسلام موضوعا للخلاف. ذلك أنك ربما لاحظت أن النص الذي نحن بصدده لا يتحدث عن شيطنة المسلمين كما هو الشائع. وإنما هو ينطلق من تقبيح شريعة الإسلام، التي اعتبرها مناقضة لمبادئ المواطنة والحرية والعدالة.
خطورة الكلام تكمن في أنه يوجه إلى مجتمع يشكل المسلمون 94? من أهله. بمعنى أنه يتحدى ويحرج مشاعر الأغلبية الساحقة من المؤمنين، ويشترط لإقامة الدولة الديموقراطية تنازلهم عن جزء من ديانتهم بحجة أن الشريعة باتت منتهية الصلاحية وضارة بصحة المجتمع. كأن عليهم أن يختاروا بين الشريعة وبين الديموقراطية.
حين يصبح الأمر كذلك فينبغي ألا نستغرب إذا تعمقت الفجوة بين المتدينين وغيرهم من العلمانيين خاصة، كما لا ينبغي ألا يفاجئنا شعور البعض وترويجهم لمقولة أن هؤلاء مناهضون للإسلام ورافضون لتعاليمه. وحين يشيع ذلك الانطباع فلابد أن يكون له تأثيره السلبي على الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مصر مقبلة على انتخابات نيابية وبلدية ورئاسية، فإن ضرره الفادح سيكون من نصيب كل الواقفين في المربع العلماني بغير تمييز.
إن السؤال الأهم الذي يطرحه استدعاء موضوع الشريعة والطعن فيها ينصب على مدى الملاءمة والجدوى في فتح هذا الملف في الوقت الراهن. إذ إنه يفترض أن الإسلاميين فازوا بالأغلبية في الانتخابات، وأنهم تسلموا السلطة في مصر وشرعوا في الإعداد لتطبيق الشريعة.
إن شئت فقل إننا بصدد إعادة إنتاج لفكرة الفزاعة، التي يراد بها التخويف من شبح مزعوم، الأمر الذي يستنفر المجتمع ويصرفه عن مشاكله الحالية لينشغل عنها بمحاذير المستقبل وظنونه. بالتالي لا يصبح السؤال عندنا هو كيف نستنهض قوى المجتمع بمختلف مكوناته واتجاهاته للدفاع عن الحرية والديموقراطية والعدل الاجتماعي، وإنما تطرح علينا أسئلة أخرى مغايرة من قبيل هل نطبق الحدود أم لا، ما وضع الجزية، وهل تعلن الحرب على الكفار في الكرة الأرضية بدلا من أن نضيع وقتنا في محاربة الفقر؟.
(4)
أدري أن الجماعات التي تنتسب إلى الإسلام وترفع رايته أصبح لها حضورها بصوتها المرتفع في الساحة المصرية، وإن ما كان محظورا منها أو محبوسا في ظل النظام السابق استرد حريته وصار طليقا بعد الثورة. وهو ما يطرح عدة أسئلة منها مثلا: لماذا لا يتم «تطبيع» العلاقات مع تلك الجماعات، الأمر الذي يبقى على الخلاف معها كما هو، ولكن يقيم تلك العلاقات على أساس من الاحترام الذي يستبعد التسفيه والازدراء، بما يسمح بالتوافق حول قضايا الساعة وأولويات المرحلة ولماذا لا نتعامل مع تلك الجماعات كما يتعامل المجتمع الأمريكي مع اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، وهو القطاع الذي يعج بالأطياف والتنويعات التي تتجاوز في عددها ما نشهده في الساحة المصرية. ذلك أنهم هناك يتعاملون مع اليمين الديني بثقة ورصانة واحترام، في حين أن البعض عندنا لا يكف عن لطم الخدود وشق الجيوب كلما صادفوا شيئا لا يعجبهم في ممارسات الجماعات الإسلامية.
بين يدي كتاب صدر بالفرنسية حول المنظمات الإنجيلية، في الولايات المتحدة ألفه البروفيسور مختار بن بركة الباحث الفرنسي من أصل تونسي، وترجمه إلى العربية الأستاذ أحمد الشيخ الذي اختار لها عنوانا هو: المسيحية هي الحل. ليس فقط لأنه يأتي مقابلا لشعار الإسلام هو الحل، ولكن أيضا لأن تلك قناعة الجماعات الدينية في الولايات المتحدة، وقد ذكر المؤلف أن الرئيس الأسبق رونالد ريجان رفع في حملته الانتخابية (عام 1980) شعار الإنجيل هو الحل. كما ذكر أنه قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كانت الجماعات الأصولية المسيحية أعلنت عام 1976 عام الإنجيلية في أمريكا. ومما قاله بيلى جراهام الداعية الإنجيلي الأشهر في هذا الصدد: «الإنجيل يقرر بأن علينا أن نقود البلاد وإذا لم تحكم أنت أو أحكم أنا (من الإنجيليين) فإن الملحدين والعلمانيين سوف يحكموننا. ولذلك ينبغي علينا أن نسيطر على كل جوانب الحياة».
من النقاط المهمة التي أبرزها الكتاب ما يلي: < إن في الولايات المتحدة 66 مجموعة منظمة تنتمي إلى اليمين المسيحي هدفها الأساسي هو العمل على الوصول إلى السلطة وإعادة تنصير أو تمسيح أمريكا. وقد أصبحت تلك الجماعات خلال العشرين سنة الأخيرة أهم وأقوى حركة شعبية وقوى سياسية في الولايات المتحدة، ولها تمثيلها المشهود في الحزب الجمهوري وفي مجلسي النواب والشيوخ.
< إن هذه المجموعات لا تعترف بالفصل بين الدين والسياسية، فهي تدافع حقا عن الأخلاق الدينية وتعارض الإجهاض والشذوذ الجنسي، لكن لها دورها في إشعال الثورات في دول الاتحاد السوفيتي السابق. وفي ملاحقة النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، وتمثل سندا كبيرا لإسرائيل كما تعد ورقة ضغط قوية لصالحها في الولايات المتحدة.
< إنها تقسم العالم إلى معسكرين، أحدهما يمثل قوى الخير التي تتربع الولايات المتحدة على قمتها، والثانية قوى الشر التي كانت الشيوعية رمزا لها في الماضي، وقد احتل ما سمى بالإرهاب الإسلامي مكانتها الآن. (لاحظ أنها نفس فكرة «الفسطاطين» التي طالما تحدثت عنها بيانات تنظيم القاعدة).
< إنها احتفت بأحداث 11 سبتمبر التي اعتبرها اثنان من زعمائهم ــ جيري فالويل وبات ربورتسون ــ عقابا إلهيا لبلد مذنب بابتعاده عن دينه وتفلته الأخلاقي، ووصله بين السياسة والقوانين وبين القيم المسيحية التقليدية. وعلى شاشة التليفزيون قال بات ربورتسون يوم 13 سبتمبر «إن الله سمح لأعداء أمريكا أن يلحقوا بنا ما قد نستحقه».
إذا كانت جماعات اليمين الديني في الولايات المتحدة تضع السياسات وترجح كفة المتنافسين على الرئاسة، فإنها في إسرائيل تحكم وتهيمن على الكنيست وتتمدد داخل الجيش، وتنفذ خطط الاستيطان واقتلاع الفلسطينيين. ومن ثم فلا وجه للمقارنة بينها وبين دور وممارسات اليمين الديني في مصر والعالم العربي.
إننا نستأسد على بعضنا البعض، ونتسابق على الإقصاء والتشويه واصطياد النقائص والزلات، لكن حصيلتنا صفر على صعيد التوافق والتلاقي والتنافس على خدمة الناس ومحبة الوطن.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026