رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حصيلتنا صفر على صعيد التوافق والتنافس على خدمة الناس ومحبة الوطن
هل يمكن تطبيق الشريعة في دولة مدنية ديموقراطية؟ لست صاحب السؤال الذي أدهشني استدعاؤه كما صدمتني الإجابة التي قدمت له.
(1)
إليك عيَّنة من الإجابة مقتبسة من النص المنشور: لا بالتأكيد. لا يمكن تطبيق الشريعة في دولة ديموقراطية، وإلا فسوف تفقد طبيعتها الديموقراطية. فالشريعة الإسلامية لا تتعامل بشكل متساو في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى (للذكر في الميراث حظ الانثيين). وكذلك تفرق بين المواطنين على أساس الدين (تطالب غير المسلم بدفع جزية).. والأمثلة كثيرة للغاية لا مجال لحصرها. أما المواءمات التي يقوم بها البعض لإيجاد تماس بين العوالم الراهنة من ناحية وبين الشريعة من ناحية ثانية، فهي محاولات تدعو للغثيان من قلة حيلتها.
إن محاولات تطبيق الشريعة في زماننا تعاني من إشكاليات عدة، أولاها: الانتقائية. فعلى سبيل المثال الرجم أداة عقابية تعود لعصور مضت فلا داعي للحديث عنه. قطع يد السارق يعد تشويها لجسد الإنسان مما يتعارض مع حقوق الإنسان فلا داعي لتطبيقه. تنادى الشريعة بقتال المشركين. بالطبع مستحيل قتال المشركين في عالم اليوم، فلا داعي لأن نتطرق إليه.. (إلى جانب ذلك) فثمة فجوة هائلة بين الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وبين المرجعيات الحكومية لأولئك المطالبين بتطبيق الشريعة. فما رأي الشرع في إقامة علاقات ومشروعات مع كفار الصين أو كفار الهند على سبيل المثال؟.
الخلاصة: إن كل التطبيقات الاجتماعية الحاكمة في ظل الشريعة هي قواعد تاريخية تنتمي لعصور سحيقة لا مجال لتطبيقها اليوم، وتتناقض مع مبادئ المواطنة والعدالة في الحرية بمفاهيم زماننا.
(2)
لا أجد جديدا في هذا الكلام، فكتب غلاة المستشرقين تحفل بمثله. لكن حز في نفسي أمران أولهما أن الذي نقله مثقف متميز وأديب واعد هو الأستاذ خالد الخميسي (صحيفة «الشروق» عدد 26/6) ــ والثاني أن الكاتب ذكر في حديثه عن الدولة المدنية أنه درس العلوم السياسية واطلع على مختلف الموسوعات السياسية ولم يجد لهذا المصطلح أثرا، وهو ما دفعني إلى التساؤل: لماذا يا ترى لم يفكر صاحبنا في أن يقرأ ولو كتابا واحدا في الإسلام بدلا من أن يقرأ عنه. ذلك أنه لو فعلها لما ورط نفسه في ترديد تلك المعلومات المنقوصة والشائهة. ربما عرف مثلا أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة حيث بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، بنص القرآن وربما عرف أن مضاعفة نصيب الرجل في الإرث مقارنا بنصيب المرأة ليس قاعدة مطلقة. ولكن النصيب يختلف باختلاف المركز القانوني لكل منهما. فحالات مضاعفة النصيب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، في حين أن ثمة حالات تتساوى فيها أنصبة الرجل والمرأة. وحالات أخرى تحصل المرأة على نصيب يزيد على ما يستحقه الرجل. ربما عرف أيضا أن مسألة الجزية تقليد قديم سابق على الإسلام، وإنها فرضت على غير المسلمين، لأنهم حينذاك لم يكونوا يشتركون في الدفاع عن ديارهم، وكان المسلمون هم الذين كانوا يتولون هذه المهمة ويموتون نيابة عنهم. والاتفاق قائم على أنهم إذا انخرطوا في سلك الجندية واشتركوا في الدفاع عن وطنهم فإن الجزية تسقط. وللعلم فإن قيمة الجزية التي تعد أقرب إلى ما نسميه في مصطلحات زماننا بأنها «بدل جهادية». أقل من قيمة الزكاة التي يتعين أن يدفعها المسلم إلى بيت المال. ربما عرف كذلك أن تطبيق الحدود له شروط تكاد تكون مستحيلة وتعجيزية (كما في الزنى مثلا). وفي حالة السرقة، فإن تمام الوفرة لكل شخص شرط لتطبيق الحد، علما بأن بعض فقهائنا يذهبون إلى أن الحدود التي كانت ضمن آخر ما نزل في الإسلام. هي للردع والزجر بأكثر منها للتطبيق. أما حكاية الأمر بقتال المشركين هكذا دون أي مبرر. فهي من قبيل الانطباعات الكاريكاتورية الرائجة في بعض الكتابات الاستشراقية، ذلك أن ثمة أمرا صريحا في القرآن يمنع العدوان على الآخرين وتجنب القتال إلا في حالة الدفاع عن النفس. وفي غير ذلك. فالأصل في العلاقة مع الآخرين بمن فيهم الكفار والمشركون هو «البر والقسط» بنص القرآن. ولو أن صاحبنا قرأ شيئا في التاريخ الإسلامي لعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام امتدح «حلف الفضول» الذي عقده كفار قريش للدفاع عن الضعفاء، وقال إنه لو أدركه للحق به وانضم إليه. وليته قبل أن يخوض في تفاصيل الأحكام فتح كتابا في الفقه ليدرك القاعدة التي تقول بأن الأصل في العبادات هو الاتباع وأن الأصل في المعاملة هو الابتداع. ولربما قرأ شيئا عن تغير الأحكام بتغير الأمكنة والأزمنة والأحوال، وغير ذلك من آيات عبقرية وحيوية الفقه الأصولي.
لست في مقام الرد على ما ذكره الكاتب، لكنني فقط أردت أن أنبه إلى الأخطاء المعرفية التي وقع فيها، حين أطلق أحكاما في موضوع لم يعتن بدراسته فوقع فيما أساء إليه.
(3)
مثل هذه الكتابات من تداعيات حالة الاستقطاب الخطر الحاصل في مصر الآن، الذي جعل الانتماء إلى الإسلام موضوعا للخلاف. ذلك أنك ربما لاحظت أن النص الذي نحن بصدده لا يتحدث عن شيطنة المسلمين كما هو الشائع. وإنما هو ينطلق من تقبيح شريعة الإسلام، التي اعتبرها مناقضة لمبادئ المواطنة والحرية والعدالة.
خطورة الكلام تكمن في أنه يوجه إلى مجتمع يشكل المسلمون 94? من أهله. بمعنى أنه يتحدى ويحرج مشاعر الأغلبية الساحقة من المؤمنين، ويشترط لإقامة الدولة الديموقراطية تنازلهم عن جزء من ديانتهم بحجة أن الشريعة باتت منتهية الصلاحية وضارة بصحة المجتمع. كأن عليهم أن يختاروا بين الشريعة وبين الديموقراطية.
حين يصبح الأمر كذلك فينبغي ألا نستغرب إذا تعمقت الفجوة بين المتدينين وغيرهم من العلمانيين خاصة، كما لا ينبغي ألا يفاجئنا شعور البعض وترويجهم لمقولة أن هؤلاء مناهضون للإسلام ورافضون لتعاليمه. وحين يشيع ذلك الانطباع فلابد أن يكون له تأثيره السلبي على الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مصر مقبلة على انتخابات نيابية وبلدية ورئاسية، فإن ضرره الفادح سيكون من نصيب كل الواقفين في المربع العلماني بغير تمييز.
إن السؤال الأهم الذي يطرحه استدعاء موضوع الشريعة والطعن فيها ينصب على مدى الملاءمة والجدوى في فتح هذا الملف في الوقت الراهن. إذ إنه يفترض أن الإسلاميين فازوا بالأغلبية في الانتخابات، وأنهم تسلموا السلطة في مصر وشرعوا في الإعداد لتطبيق الشريعة.
إن شئت فقل إننا بصدد إعادة إنتاج لفكرة الفزاعة، التي يراد بها التخويف من شبح مزعوم، الأمر الذي يستنفر المجتمع ويصرفه عن مشاكله الحالية لينشغل عنها بمحاذير المستقبل وظنونه. بالتالي لا يصبح السؤال عندنا هو كيف نستنهض قوى المجتمع بمختلف مكوناته واتجاهاته للدفاع عن الحرية والديموقراطية والعدل الاجتماعي، وإنما تطرح علينا أسئلة أخرى مغايرة من قبيل هل نطبق الحدود أم لا، ما وضع الجزية، وهل تعلن الحرب على الكفار في الكرة الأرضية بدلا من أن نضيع وقتنا في محاربة الفقر؟.
(4)
أدري أن الجماعات التي تنتسب إلى الإسلام وترفع رايته أصبح لها حضورها بصوتها المرتفع في الساحة المصرية، وإن ما كان محظورا منها أو محبوسا في ظل النظام السابق استرد حريته وصار طليقا بعد الثورة. وهو ما يطرح عدة أسئلة منها مثلا: لماذا لا يتم «تطبيع» العلاقات مع تلك الجماعات، الأمر الذي يبقى على الخلاف معها كما هو، ولكن يقيم تلك العلاقات على أساس من الاحترام الذي يستبعد التسفيه والازدراء، بما يسمح بالتوافق حول قضايا الساعة وأولويات المرحلة ولماذا لا نتعامل مع تلك الجماعات كما يتعامل المجتمع الأمريكي مع اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، وهو القطاع الذي يعج بالأطياف والتنويعات التي تتجاوز في عددها ما نشهده في الساحة المصرية. ذلك أنهم هناك يتعاملون مع اليمين الديني بثقة ورصانة واحترام، في حين أن البعض عندنا لا يكف عن لطم الخدود وشق الجيوب كلما صادفوا شيئا لا يعجبهم في ممارسات الجماعات الإسلامية.
بين يدي كتاب صدر بالفرنسية حول المنظمات الإنجيلية، في الولايات المتحدة ألفه البروفيسور مختار بن بركة الباحث الفرنسي من أصل تونسي، وترجمه إلى العربية الأستاذ أحمد الشيخ الذي اختار لها عنوانا هو: المسيحية هي الحل. ليس فقط لأنه يأتي مقابلا لشعار الإسلام هو الحل، ولكن أيضا لأن تلك قناعة الجماعات الدينية في الولايات المتحدة، وقد ذكر المؤلف أن الرئيس الأسبق رونالد ريجان رفع في حملته الانتخابية (عام 1980) شعار الإنجيل هو الحل. كما ذكر أنه قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كانت الجماعات الأصولية المسيحية أعلنت عام 1976 عام الإنجيلية في أمريكا. ومما قاله بيلى جراهام الداعية الإنجيلي الأشهر في هذا الصدد: «الإنجيل يقرر بأن علينا أن نقود البلاد وإذا لم تحكم أنت أو أحكم أنا (من الإنجيليين) فإن الملحدين والعلمانيين سوف يحكموننا. ولذلك ينبغي علينا أن نسيطر على كل جوانب الحياة».
من النقاط المهمة التي أبرزها الكتاب ما يلي: < إن في الولايات المتحدة 66 مجموعة منظمة تنتمي إلى اليمين المسيحي هدفها الأساسي هو العمل على الوصول إلى السلطة وإعادة تنصير أو تمسيح أمريكا. وقد أصبحت تلك الجماعات خلال العشرين سنة الأخيرة أهم وأقوى حركة شعبية وقوى سياسية في الولايات المتحدة، ولها تمثيلها المشهود في الحزب الجمهوري وفي مجلسي النواب والشيوخ.
< إن هذه المجموعات لا تعترف بالفصل بين الدين والسياسية، فهي تدافع حقا عن الأخلاق الدينية وتعارض الإجهاض والشذوذ الجنسي، لكن لها دورها في إشعال الثورات في دول الاتحاد السوفيتي السابق. وفي ملاحقة النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، وتمثل سندا كبيرا لإسرائيل كما تعد ورقة ضغط قوية لصالحها في الولايات المتحدة.
< إنها تقسم العالم إلى معسكرين، أحدهما يمثل قوى الخير التي تتربع الولايات المتحدة على قمتها، والثانية قوى الشر التي كانت الشيوعية رمزا لها في الماضي، وقد احتل ما سمى بالإرهاب الإسلامي مكانتها الآن. (لاحظ أنها نفس فكرة «الفسطاطين» التي طالما تحدثت عنها بيانات تنظيم القاعدة).
< إنها احتفت بأحداث 11 سبتمبر التي اعتبرها اثنان من زعمائهم ــ جيري فالويل وبات ربورتسون ــ عقابا إلهيا لبلد مذنب بابتعاده عن دينه وتفلته الأخلاقي، ووصله بين السياسة والقوانين وبين القيم المسيحية التقليدية. وعلى شاشة التليفزيون قال بات ربورتسون يوم 13 سبتمبر «إن الله سمح لأعداء أمريكا أن يلحقوا بنا ما قد نستحقه».
إذا كانت جماعات اليمين الديني في الولايات المتحدة تضع السياسات وترجح كفة المتنافسين على الرئاسة، فإنها في إسرائيل تحكم وتهيمن على الكنيست وتتمدد داخل الجيش، وتنفذ خطط الاستيطان واقتلاع الفلسطينيين. ومن ثم فلا وجه للمقارنة بينها وبين دور وممارسات اليمين الديني في مصر والعالم العربي.
إننا نستأسد على بعضنا البعض، ونتسابق على الإقصاء والتشويه واصطياد النقائص والزلات، لكن حصيلتنا صفر على صعيد التوافق والتلاقي والتنافس على خدمة الناس ومحبة الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026