رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين طلب النبي يوسف –عليه السلام– من الملك، أعلى مناصب الدولة يومها، فإنما، إلى جانب كونه نبياً، كان على ثقة ودراية بالمهام التي تنتظره، إن هو تولى منصب رئيس الوزراء، في ظل ظروف كانت تتشكل لتعيشها الدولة خلال سنوات أربع عشرة قادمة. أي أن إستراتيجية ضبط وإدارة موارد واقتصاد البلد كانت واضحة في ذهن يوسف –عليه السلام– حين تقدم وطلب المسؤولية، التي عادة يتهرب منها الأمناء والمخلصون، لأسباب سنأتي عليها لاحقاً، إلا حالة يوسف –عليه السلام- الذي حين طلبها أعطيت له دون أدنى تردد من صاحب القرار يومها وهو الملك.
لقد كان النبي يوسف –عليه السلام– كما يقول سيد قطب في ظلاله: "حصيفاً في اختيار اللحظة التي يُستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة؛ وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل، وشعوب كذلك تجاوره، طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا ضرع. فليس هذا غُنماً يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية، لا يقول أحد إنه غنيمة. إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون".
الملك لم يَـرْتَبْ في يوسف –عليه السلام– ولم يشكك في قدراته، أو بحث عن سوابق له في السجلات المدنية وخلافها، بل فكّر وقدّر من بعد أن وجد فيه أهم الصفات المطلوبة في أي مسؤول يُراد منه أن يتولى إدارة مصلحة ما، وهي صفة الأمانة التي رآها عملياً في يوسف الصدّيق. لقد أعجبته تأويلاته لرؤياه أولاً، ومن ثم أعجبته أمانته في قصته مع النسوة ثانياً، وأعجبته أكثر وأكثر خططه لمواجهة كارثة اقتصادية حقيقية قادمة، والتي خاف منها الملك وارتعب وهو يرى أمامه أربع عشرة سنة قادمة لا يدري كيف ستكون.
إن مثل تلك الأزمات كما أسلف الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- يهرب منها الجميع لصعوبتها وقسوتها. إذ لا توجد ضمانات كافية للنجاح في إدارتها، وبالتالي ستكون نتائجها وبالاً على من يتولى الأمر، وقد ينتهي به الأمر إلى الإقصاء أو ربما أشد.. فأي مسؤول يطلب الفواجع والكوارث لنفسه؟ غالباً لا أحد، إلا من رحم ربي من الشجعان، وقليل ما هم.
هل يمكن تقبّل هذا السلوك في زمننا؟
بشكل عام، صار المتعارف عليه في كثير من الثقافات أن الساعي إلى ولاية أو سلطة، فإنما غالباً يرجو مصلحة من وراء ذلك، أو إدارة ما يمكن الاستفادة منها والتكسب من ورائها مادياً ومعنوياً.. أموال وترقيات، ومناصب، وشهرة، وسمعة. وحتى يحقق هذا الشخص مراده، فإنه سيزكي نفسه بكل الصور الممكنة، سواء عبر تزكيات يطلبها من هذا وذاك، أو عبر وسائل إعلامية تتنوع عبر الزمان والمكان. وبسبب هذا المنطق السائد عند الناس، نجد أن طالب الإمارة أو الرئاسة لا يُلتـفت إليه، بل إن الريبة ستكون حاضرة من فورها عند صاحب القرار وهو يسمع منه مثل هذا الطلب، إلا إن كان صاحب القرار ذا فراسة سليمة وحدس حاد يدعوه إلى الاقتناع بأن هذا الإنسان، وبدلاً من تجاهله، يستحق الانتباه والإنصات إلى ما عنده، ولعل هذا هو ما حدث بين الملك والنبي يوسف عليه السلام.
دعونا نتساءل ها هنا..
هل يجوز أن يزكي الإنسان نفسه لتولي مسؤولية ما كما فعل النبي الكريم يوسف –عليه السلام؟ وكيف يمكن التوفيق بين ما جرى معه من ناحية، وبين ما جرى مع الصحابي الكريم أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- حين سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم– الولاية ولم يحصل عليها؟ بل حصل على توجيه ومكاشفة ونصيحة غالية في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها". أي أن طلبه تم رفضه، وهو الأمين الورع، لكن صاحب القرار في الدولة، بفراسته ومعرفته بالرجال، رفض الأمر.
في الحالة الأولى، وافق الملك على طلب يوسف –عليه السلام– وقبل أن يزكي نفسه بشكل مستفيض وقوي للملك، الذي لم يكن يعرفه بعدُ بالشكل الكافي المقنع لتولي أخطر منصب في عهده. أما الحالة الثانية فقد كان الرفض الفوري، رغم أن النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– على علم كافٍ بأبي ذر وشخصيته وصفاته، فهل يمكن تعميم التوجيه النبوي ذاك على كل الناس في كل زمان ومكان؟
إن ما جاء في الحديث صحيح لا غبار عليه، لكن مع ذلك لا يمكن تعميم ما جاء فيه من توجيه ضمني، على كل الظروف والأشخاص؛ بمعنى أن الإمارة أو طلب المسؤولية هو، فعلاً، خزي وندامة إذا سعى وراءها من هو ضعيف عليها علمياً وإدارياً وقيمياً، هذه نقطة أولى.
أما النقطة الثانية، فإنه لا شيء في أن يزكي المرء نفسه عند صاحب القرار، إن كان يرى في وجوده في منصب حكومي، هو لصالح البلاد والعباد. وبالمثل يمكن القول بشأن من يتقدم لترشيح نفسه لعضوية المجالس أو البرلمانات وما شابهها. إذ لا شيء في أن يزكي نفسه للجمهور الناخب، ولكن بشرط أمانته وكفاءته وإخلاصه في مسعاه، وألا يكون ذلك السعي لجلب منفعة شخصية أو وجاهة اجتماعية وغيرها من منافع ضيقة يخطط لها.
ولمزيد توضيح..
لا بأس من التقدم للمناصب والوظائف المهمة التي تمس حاجيات وهموم الناس بشكل مباشر، لمن يعتقد جازماً في نفسه أنه أهلٌ للمنصب، تشفع له سيرته الذاتية عند الناس، بالإضافة إلى خبراته، وعلمه، وأمانته، وإخلاصه.. إنه دون شك، ليس عملاً صحيحاً أن كل من تقدم لطلب المسؤولية يُرفض، بل الأصل أن يتم النظر لكل حالة على حدة، وفق آليات معينة. فإذا احترت وأنت صاحب قرار مثلاً في اختيار شخص ما لتولي مسؤولية معينة، فاحرص على جملة معايير لابد أن تتوفر كلها أو معظمها فيه. منها أن يكون تقياً نقياً، أميناً مؤتمناً، كيّساً فطناً، صالحاً مُصلحاً، نظيف اليد عف اللسان، لا يخشى في الله لومة لائم.. تلكم نقطة أولى.
النقطة الثانية، نرى أنه من عدم الأمانة، التهرب من المسؤوليات الحساسة وقت الحاجة، لأن هناك الكثير من الأكفاء في أي مجتمع، جديرون بتولي المسؤوليات، لكن تواضعهم ورغبتهم في البعد عن الأضواء والشهرة وكل ما يمكن أن يخدش أمانتهم مستقبلاً، يتوارون عن الأنظار، وفي اعتقادهم أن مثل تلك المسؤوليات خزي وندامة، كما جاء في قصة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
النقطة الثالثة الأهم، تتعلق بدور صاحب القرار ومن معه في الإدارة والمسؤولية، وأهمية البحث المستمر عن الكفاءات والكوادر الأمينة المخلصة في المجتمع، بحيث يتم إسناد المسؤوليات أو الأمانات -إن صح التعبير- إليهم، ومن لم يتم استعماله بعدُ، يتم إدراجه ضمن قائمة المؤهلين لشغل المناصب والمهام الكبيرة مستقبلاً.
خلاصة الحديث
إن إسناد أي أمر وخاصة العظيمة، سواء على شكل مناصب ومسؤوليات في الحكومة، أو عضوية المجالس والبرلمانات، إلى أشخاص غير أكفياء مؤهلين، بناء على هوى مسؤول ما ومزاجه، أو وساطات من هذا وذاك عند صاحب القرار، أو عبر فزعات قبلية أو ما شابهها في مسائل الانتخابات مثلاً، دون أي اعتبار إلى مسائل الجدارة والتأهيل المناسب والكفاءة، وجملة من الصفات التي ذكرناها آنفاً، إنما هذا هو بالضبط ما نسميه بإضاعة الأمانة، وهي التي دفعت أعرابياً ليسأل عن معناها في قوله -صلى الله عليه وسلم: "فإذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة".
قال: كيف إضاعتها؟
قال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4386
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4029
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1482
| 07 مايو 2026