رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لجوئي إلى استخدام الرمز التاريخي للإمبراطورية العثمانية وهو مقر خلافتها في اسطنبول والذي كان يطلق عليه الباب العالي لا يعكس حالة حنين إلى منهجية الحكم التي كانت تستند إليها هذه الإمبراطورية الإسلامية خاصة في عقودها الأخيرة والتي أفرزت حالة من الانقسام والضعف والهشاشة مما سمح للقوى الكبرى في ذلك الزمان البعيد بالانقضاض على جسدها وتمزيقها إلى دويلات وتوزيعها بين قبائل أوروبا بقدر ما تجسد رغبة قوية في استعادة الفعل الإسلامي القوي والموحد في التعامل مع الأعداء والخصوم والذين يتباهون بغطرسة القوة مثلما يفعل الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على أيدي القوى الأوروبية أيضاً مضافا إليها القوة البازغة الجديدة الولايات المتحدة في العام 1947
ثمة صحوة لاشك لدى الباب العالي والكائن حاليا في أنقرة وليس اسطنبول والتي تشكل عنصر الإسناد القوي تاريخيا وحضاريا لرجب طيب أردوغان الرجل الذي يتربع على عرش الباب وإن تغير مسماه إلى مقر رئاسة الوزراء بالدولة التركية في انطلاقتها الجديدة التي تحققت مع وصول حزبه العدالة والتنمية إلى الحكم في مطلع الألفية الجديدة وهذه الصحوة لا تتوقف عند حدود الداخل بكل تفاعلاته وتشابكاته بل وتعقيداته وتحقق على هذا الصعيد مردود شديد الإيجابية يلمسه المواطن التركي البسيط قبل النخب في ظل حالة من النمو الاقتصادي الذي يلبي متطلبات الأغلبية فضلا عن حالة الشفافية السياسية ودرجة مقبولة من الأمن بما في ذلك الأمن الاجتماعي.
لكن ما يعنيني بالدرجة الأولى هو ما يحققه الباب العالي الجديد تحت حكم رجب طيب أردوغان من فتوحات في السياسة الخارجية وبالذات على صعيد العلاقات مع الكيان الصهيوني وهو ما ينطوي على رسائل واضحة في كيفية إدارة الصراع مع هذا الكيان خاصة بالنسبة للنظام الإقليمي العربي وفي صدارته الدولة المصرية التي تشكل القطب الأهم في هذا النظام. ففي خلال الساعات الثمانية والأربعين الأخيرة أقدم الباب العالي على قرار مذهل يتمثل في طرد سفير الكيان الصهيوني من أنقرة وتخفيض مستوى تمثيله إلى درجة سكرتير ثان فضلا عن وقف العمل بالاتفاقيات العسكرية والتي كانت تشكل العمود الفقري للعلاقات بين الطرفين على العقود الخمسة المنصرمة الأمر الذي يخلق في تقديري معادلة جديدة بوسعها أن تتدحرج ككرة الثلج في المنطقة العربية والتي هي في أشد الحاجة إلى مثل هذه المعادلة لتتخلص من عقد سنوات طويلة ظل فيها الخوف من قوة هذا الكيان ومن يقف وراءه هاجسا يحول دون أي إجراءات رادعة ضده حتى في حالة عدوانه الواضح على الأرض والبشر والحدود
لم يخش الباب العالي الجديد من ردود فعل من داخل الكيان أو من القوى الكبرى وبالذات الحليف الأكبر له الولايات المتحدة أو حتى من شركائه في حلف شمال الأطلسي (الناتو). كان يهمه هو الرد على محاولة النيل من الكرامة والسيادة والوطنية التركية ووصل الأمر بوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إلى التأكيد على أنه: "لا عودة إلى العلاقات الطبيعية قبل أن تقبل إسرائيل بالمطالب التركية " والتي تتمثل في الاعتذار الرسمي وتقديم تعويضات للضحايا الأتراك.
وجاء هذا الموقف القوي من قبل الباب العالي تعقيبا على تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن الممارسات الإجرامية التي أقدمت عليها قوات الاحتلال الإسرائيلية في حق أسطول الحرية في مايو من عام 2010 والذي شارك فيه قرابة 750 ناشطا ممثلين عن أكثر من 50 دولة بينهم أكثر من 10 من أعضاء المنتدى والتي أسفرت عن قتل أكثر من 19 من بينهم 9 أتراك وإصابة أكثر من 26 من المتضامنين.
واللافت أن هذا التقرير بكل ما انطوى عليه من انحياز واضح لرؤية الكيان الصهيوني خاصة فيما يتعلق بوصفه لحصار غزة بأنه أمر مشروع لم يحالفه الصواب ويسيء لسمعة الأمم المتحدة ويشجع على العدوان والحرب ويمكن أن تتخذه إسرائيل ذريعة لاستمرار حصار غزة ولعل ذلك هو ما دفع الموقف التركي إلى تبني هذه الجملة من القرارات القوية والجريئة والتي لم يتوقعها قادة الكيان والقوى الكبرى والتي سارعت إلى وقف ما وصفته بالتدهور في العلاقات التركية الصهيونية دون أن تقف عند أصل المعضلة المتمثلة في الشراهة العدوانية التي امتدت إلى مواطني دولة صديقة بل واعتبرت في بعض المراحل من حلفاء الكيان قبل حكم حزب العدالة والتنمية الذي أسس لمرحلة مغايرة في أشكال التعاون مع الدولة العبرية وضعتها في مكانها الصحيح بحسبانها مجرد دولة عدوانية ومن تستحق تعاملا قويا في الرد على شراهتها العدوانية التي لم تتوقف عن التمدد أفقيا أو رأسيا وكان آخر تجليات تلك الشراهة اختراق الحدود المصرية وقتل ضابط وأربعة من الجنود بحجة ما وصفته قوات هذا الكيان بأنه مطاردة لعناصر مسلحة دخلت الأراضي المصرية بعد قيامها بالعملية الفدائية النوعية في مدنية إيلات مؤخرا.
وثمة تساؤل أظنه مشروعا: ألا يدعو هذا الموقف أمة العرب إلى الاقتداء بالنموذج التركي؟ وحتى أكون أكثر وضوحا ألا يدعو تحديدا صانع القرار في مصر الدولة المحورية في هذه الأمة إلى أن تتحرك وفقا لهذا النموذج؟
ومحاولة للإجابة سأقتبس بضعة سطور من بيان لحزب تحت التأسيس اسمه "التيار المصري" والذي أصدر بيانا دعا فيه السلطة الجديدة في المحروسة والتي تتمثل في المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومة الدكتور عصام شرف إلى الاقتداء بالنموذج التركي في إدارة ملف العلاقات الدبلوماسية الدولية والإقليمية بحيث تكون كرامة وسمعة وسيادة مصر هي العليا فوق أي مصالح عاجلة.
وذكر البيان أن الأمم ذات العزة والكرامة لن تعدم أن تجد وسيلة للحفاظ على هيبتها وسيادتها ضد من تسول له نفسه أن ينتهك أيا منهما دون الدخول في الحرب، ولا يوجد عاقل في هذا العالم ينادي بالحرب أو يمهد لها إلا في حال انسداد كل الطرق والمسالك لاستعادة الحقوق.
وأضاف "أن الدم التركي ليس أغلى من الدم المصري كي يجد من يثأر له، فكل الدماء عند الله سواء" وتابع: "إن السفينة التركية التي هوجمت في البحر ليست أطهر عند الله من أرض سيناء ورمالها المقدسة التي رواها الآباء والأجداد وجنود مصر وضباطها من دمائهم الزكية كي يستردوها ويطهروها من النجس الإسرائيلي".
ماذا يعني ذلك؟
إن رسالة الباب العالي في أنقرة تدعو بوضوح إلى تجاوز المواءمات السياسية التي تقود إلى الإجهاز على صدقية الإرادة الوطنية ومن ثم فإن مصر مطالبة بتبني قرارات أكثر قوة وجرأة مما تم اتخاذه في الرد على الفعل العدواني الصهيوني على حدودها ومقتل جنودها مؤخرا تتمثل في ضرورة طرد السفير الصهيوني من عاصمة المحروسة والإسراع بسحب السفير المصري من تل أبيب ووقف كافة أشكال التطبيع التي ما زالت قائمة سواء على مستوى تصدير الغاز الطبيعي إلى الكيان أو عبر اتفاقية الكويز التي يتشارك بمقتضاها رجال أعمال مصريون مع نظراء لهم في الكيان لتصدير منتجات إلى الولايات المتحدة أو غيرها من الأشكال
لن أطالب هنا بالسعي إلى إلغاء اتفاقية كامب ديفيد والتي شكلت على 32 عاما نقطة اختراق للأمن القومي المصري بفعل ما تحتوي عليه من بنود جائرة خاصة فيما يتعلق بوجود القوات المسلحة في سيناء فقناعتي أن الوقت ليس ملائما لمثل هذه الخطوة والتي يمكن أن ينظر لها الكيان بحسبانها إعلان حرب ولكن يمكن الضغط بقوة باتجاه تعديل بعض بنودها على نحو يعيد السيادة الوطنية الكاملة على أرض الفيروز سيناء ترقبا ليوم أنا على يقين بأنه آت تلغى فيه هذه الاتفاقية وتستعيد مصر توهجها وإشعاعها القيادي والحضاري على المنطقة.
السطر الأخير:
أيا عصفورة القلب
اسكني في العش لا تبارحيه
لا تقذفي بأوراقنا الخضراء
كوني سرا للبهجة
ولسانا ذاكرا بالمحبة
فأنا المغني بحديقة قلبك
جئتك عاشقا من بلاد نائية الأطراف
ملتمسا شعري في عينيك
باحثا عن سندسي فيك
قلت إنك المبتدى والمنتهى
فكوني ضوءا لا عتمة يؤويني
elazab1@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34629
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10230
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8265
| 03 سبتمبر 2026