رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة التي تنتهي بقرار
- أول ما يستحقه الإنسان بعد ترك الوظيفة أن يعيد ترتيب صلته بخالقه
- نعتز بما توليه الدولة للمتقاعدين لكن الرعاية وحدها لا تكفي
- المتقاعدون ذاكرة خبرة وطنية وطاقات لا تنتهي صلاحيتها ببلوغ تاريخ إداري
- استثمار الخبرة جزء من بناء المستقبل والأمم تتقدم بنقل الخبرة من جيل إلى جيل
- المشروعات الناشئة أمامها فرصة للاستفادة من خبرات المتقاعدين بعيدا عن دوامة الوظيفة
- ما يبدو لنا نهاية قد يكون بداية لم نرها بعد وما نحسبه خسارة قد نكتشف أنه منحة
- خلال سنوات الوظيفة تتقاسم جهات كثيرة يوم الإنسان وعندما تنتهي يمتلك وقته
- ليست قيمة الإنسان في أن يملأ كل دقيقة بعمل .. والراحة حق والاستمتاع بالحياة حق
- المنصب جزء من سيرة الإنسان والإنسان ليس جزءًا من سيرة المنصب
- الفراغ جزء من العمر لا تسأل كيف تقتله بل كيف تحييه
- الوظيفة تنتهي والعمل يتغير والعطاء يستمر أما الوقت فهو رأس مال المرحلة الجديدة
طلبت مني الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية «ضَمان» أن أكون ضيف شرف في حفلها للترحيب بالمتقاعدين الجدد، وأن ألقي كلمة بهذه المناسبة. وأعترف أنني ترددت بعض الوقت قبل أن أوافق؛ لا تهيبًا من الحديث، فقد أمضيت من العمر ما يكفي لأعتاد المنابر، ولكن لسؤال بسيط خطر لي: ماذا يمكن أن أقول عن التقاعد وأنا لم أتقاعد قط، ولا أزعم أن لي خبرة فيه؟
لكن إصرار الإخوة في الهيئة دفعني إلى قبول المغامرة. وقلت لنفسي: ولماذا لا أبحث في الموضوع قبل أن أتحدث عنه؟ وهكذا بدأت المناسبة التي ظننت أنني سأعد لها كلمة تقودني إلى سؤال أكبر، ثم إلى قراءة وبحث وتأمل، حتى وجدتني أمام موضوع أوسع كثيرًا مما تصورت؛ موضوع لا يتعلق بالتقاعد وحده، بل بالعمر والعمل والوقت، وبقدر من الحرية قد لا نكتشف قيمته إلا عندما يصبح وقتنا أكثر ملكًا لنا.
فقلت: لعل المقال يسبق الخطاب، ويكون الخطاب خلاصة لبعض ما انتهى إليه المقال. وقد اجتهدت، فإن أصبت فمن الله التوفيق، وإن أخطأت أو قصرت فمن نفسي.
وكان أول سؤال واجهني بسيطًا في ظاهره: ما التقاعد أصلًا؟
حتى الكلمة تستحق التأمل. فالتقاعد في العربية من القعود، والكلمة، وإن استقر لها اليوم معناها الاصطلاحي المعروف، لا تخلو في جذرها من إيحاء بالجلوس بعد حركة. والمفارقة أن الكلمة الإنجليزية retirement تحمل في تاريخها اللغوي القديم معنى الانسحاب والتراجع والابتعاد، قبل أن تستقر على معنى ترك العمل أو المهنة.
قعود هنا، وانسحاب هناك. كأن اللغتين، كل بطريقتها، ورثتا لنا صورة إنسان يغادر ساحة كان فيها، ثم يبتعد عنها.
ولكن هل ما زالت هذه الصورة صالحة لعصرنا؟
والتقاعد بمعناه المؤسسي الحديث ليس قديمًا قدم الإنسان. لقد تشكل في ظروف اقتصادية واجتماعية ارتبطت بنشوء الدولة الحديثة والعمل الصناعي وأنظمة الحماية الاجتماعية. وعندما أنشأت ألمانيا في عهد بسمارك سنة 1889 أول نظام وطني حديث للتأمين الاجتماعي للشيخوخة، كان سن الاستحقاق سبعين عامًا، ثم خفض لاحقًا إلى الخامسة والستين. وحتى اختيار الخامسة والستين في تجارب لاحقة لم يكن حكمًا طبيًا أو فلسفيًا بأن الإنسان يفقد عندها قدرته على العمل والعطاء، بقدر ما كان ترتيبًا اجتماعيًا واقتصاديًا اقتضته ظروف ذلك العصر.
* تغير العالم كثيرًا، ولكن شيئًا من صورة التقاعد القديمة بقي في أذهاننا.
وأظن أن أول ما ينبغي أن نعيد النظر فيه هو الخلط بين الوظيفة والعمل.
فالوظيفة علاقة تنظيمية لها بداية ونهاية، وساعات ولوائح ومسؤوليات، وقد يكون لها سن تنتهي عنده. أما العمل بمعناه الإنساني فأوسع كثيرًا من الوظيفة. أن تتعلم عمل، وأن تقرأ عمل، وأن تكتب عمل، وأن تنقل خبرتك إلى جيل جديد عمل، وأن تخدم مجتمعك عمل، وأن تبدأ مشروعًا تحبه عمل، وأن تمنح أسرتك وأحفادك من وقتك وخبرتك عمل من نوع آخر.
الوظيفة قد تنتهي بقرار، أما العطاء فلا يصدر بشأنه قرار إحالة إلى التقاعد.
ولست أقول ذلك من تجربة تقاعد شخصية؛ فقد قلت إنني لم أتقاعد. لكنني عشت تجربة علمتني أن خروج الإنسان من إطار اعتاده قد يفتح له أبوابًا لم يكن يراها وهو داخله.
حدث أن غادرت موقع الوزارة لعدة سنوات، ثم عدت بعد ذلك وزيرًا. وأعترف أنني حين غادرت لم أكن مسرورًا. رأيت الأمر يومها بعين من فقد شيئًا اعتاده وأحبه، ولم أكن أدرك ما تخبئه لي تلك المرحلة. ثم علمتني الأيام مرة أخرى معنى قول الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
كانت تلك السنوات، التي لم أدرك نعمتها في بدايتها، من أكثر سنوات حياتي أثرًا فيما جاء بعدها. دخلت عالم العمل الخاص، وأنشأت شركة حققت نجاحًا طيبًا ثم بعتها، فوفرت لي قاعدة قوية لاستقلالي المالي. وبعد ذلك أسست شركة في مجال الاتصالات أصبحت مع الزمن من الشركات القطرية البارزة في مجالها، ولا تزال مصدرًا أساسيًا من مصادر دخلي. وفي الوقت نفسه اتسعت أمامي مساحة القراءة، وداومت على كتابة مقال أسبوعي ينشر في أكثر من صحيفة داخل قطر وخارجها، فاتسعت علاقتي بالكتاب والكتابة والقارئ.
ثم عدت إلى الوزارة
لكن الذي عاد إليها لم يكن تمامًا هو الذي غادرها.
عدت أكثر ثقة وقوة، وأوسع تجربة، وقد أضافت إليّ تلك السنوات شيئًا بقي أثره في حياتي إلى اليوم. وأدركت أن قيمة الابتعاد عما اعتدناه ليست دائمًا فيما ننجزه خلاله فقط، وإنما أيضًا في الشخص الذي نصبحه عندما نعود منه.
ومن هنا تعلمت ألا نحكم على مرحلة جديدة من بابها الأول. فما يبدو لنا نهاية قد يكون بداية لم نرها بعد، وما نحسبه خسارة في يومه قد نكتشف بعد سنوات أنه كان منحة في ثوب لم نعرفه.
* وهنا أصل إلى ما أراه جوهر القضية: الوقت.
وفلسفة الوقت لا تبدأ بالتقاعد ولا تنتهي عنده. إنها فلسفة حياة. وقد قال رسول الله ﷺ: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ والفراغُ».
وما أبلغ ما قيل في الوقت:
والوقتُ أنفسُ ما عُنِيتَ بحفظِهِ
وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ
كم من إنسان مشغول أحسن استخدام ساعة فصنع بها شيئًا، وكم من إنسان امتلك يومًا كاملًا فضاع منه اليوم، وضاع معه شيء من عمره. فالوقت في ذاته ليس مكسبًا ولا عبئًا؛ نحن الذين نجعله هذا أو ذاك. يصبح مكسبًا حين نحسن استخدامه، وقد يصبح عبئًا حين يتحول إلى فراغ يقود إلى الكسل والانكفاء والضرر.
والنجاح، في جانب كبير منه، هو أن نكون سادة وقتنا، لا أسرى له.
خلال سنوات الوظيفة تتقاسم جهات كثيرة يوم الإنسان: العمل، والاجتماعات، والمواعيد، والسفر، والهاتف، والمسؤوليات. وعندما تنتهي الوظيفة تتسع فجأة المساحة التي يملك فيها الإنسان قراره في وقته.
وهنا لا تبدأ الراحة وحدها، بل يبدأ امتحان الحرية.
* فماذا نصنع بالوقت حين يصبح أكثر ملكًا لنا؟
أحسب أن أول ما يستحقه الإنسان أن يعيد ترتيب صلته بخالقه. فبعد أعوام من ازدحام المسؤوليات، تتسع المساحة للصلاة والقرآن والتأمل والشكر، وللسكينة التي قد تحرمنا منها سرعة الحياة. وليس في ذلك انسحاب من الدنيا؛ بل لعل صفاء الروح هو الذي يمنح الإنسان قدرة أكبر على أن يعيش دنياه في توازن.
ثم للنفس حقها: نوم كاف، وحركة ورياضة، واهتمام بالصحة، وقراءة وتعلم، وأسرة وأصدقاء، وسفر وهوايات، ومتع صغيرة كنا نؤجلها لأننا «لا نملك الوقت».
ولا أريد للإنسان أن يخرج من عبودية جدول الوظيفة ليدخل في عبودية جدول جديد اسمه الإنجاز. ليست قيمة الإنسان في أن يملأ كل دقيقة بعمل، والراحة حق، والهدوء حق، والاستمتاع بالحياة حق. إنما القيمة في أن يصبح الوقت اختيارًا واعيًا لا فراغًا يقرر عنا كيف نعيشه.
فالتحكم في الوقت لا يعني أن نعمل دائمًا، بل أن نعرف متى نعمل، ومتى نستريح، وماذا نقرأ، ولمن نعطي، وبمن نأنس، وكيف نجعل لكل مرحلة من العمر معناها.
وهنا نصل إلى العمر نفسه.
لقد اعتدنا أن نقيس العمر بعدد السنوات، بينما التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا من رقم في شهادة الميلاد. لكل مرحلة أدواتها. قد يأخذ العمر شيئًا من سرعة الجسد، لكنه يمنح شيئًا من هدوء العقل ونضج الخبرة واتساع الرؤية. ولذلك لا ينبغي أن نقيس إنجاز السبعين بمسطرة إنجاز الأربعين.
قد يكون الإنجاز في مرحلة أن تدير مؤسسة، وفي أخرى أن تنقل خبرة؛ في مرحلة أن تبني مشروعًا، وفي أخرى أن تكتب فكرة تبقى؛ وقد يكون أن تمنح حفيدًا ساعة من وقتك ومعرفتك تظل معه بعدك.
* الإنجاز لا ينتهي بالضرورة مع العمر؛ إنه يغير شكله.
وربما كان علينا، قبل أن نتقاعد من الوظيفة، أن نتقاعد من أشياء أخرى: من العجلة التي لازمتنا طويلًا، ومن سباق لا نعرف لماذا دخلناه، ومن الحرص على الألقاب، ومن تأجيل الأشياء الجميلة، ومن الاعتقاد بأن قيمتنا هي ما كُتب على باب المكتب.
فالمنصب جزء من سيرة الإنسان، وليس الإنسان جزءًا من سيرة المنصب.
وقد يكون من أصعب أسئلة ما بعد الوظيفة: من أكون بعدما يغيب المسمى الذي عرّفني به الناس سنوات طويلة؟
والجواب لا يصنعه قرار إداري. فالإنسان أوسع من منصبه، وقد يكتشف بعد مغادرته قدرات لم يكن المنصب نفسه يترك له الوقت لاكتشافها.
ثم إن إنسان اليوم لا يعيش في العالم الذي نشأ فيه مفهوم التقاعد التقليدي.
لقد غيرت التكنولوجيا معنى المكان والوقت والعمل والمعرفة. مكتبة كاملة يمكن أن تكون في الهاتف، والكتاب يمكن أن يُسمع أثناء المشي، والجامعة تستطيع أن تأتي إلى البيت، ويمكن للإنسان أن يكتب ويقرأ ويتعلم ويستشير ويشارك في مشروع أو مجلس وهو في منزله أو سفره. ويأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليوسع هذه الإمكانات بصورة لم نكن نتصورها قبل سنوات قليلة.
لقد أصبح التعلم ممكنًا في كل عمر تقريبًا، والعمل أكثر تحررًا من المكان، والمعرفة أقرب إلى الإنسان من أي وقت مضى. وكلما وسع العصر قدرة الإنسان على التعلم والعمل والعطاء خارج الوظيفة، ضاق المعنى القديم للتقاعد.
* التكنولوجيا لم تلغِ التقاعد، لكنها هدمت جانبًا كبيرًا من الأسوار التي كانت تحيط به.
وهذا يقودني إلى قطر.
من حقنا أن نعتز بما توليه الدولة للمتقاعدين من اهتمام، وما توفره منظومة التقاعد والتأمينات الاجتماعية من حقوق وخدمات تعبر عن تقديرها لمن أمضوا سنوات في خدمة الوطن، وتساعدهم على حياة كريمة بعد انتهاء الوظيفة. ولا أريد هنا أن أعدد مواد قانون أو مزايا نظام؛ فالقيمة الأعمق في نظري هي أن الأمان الذي توفره الدولة للمتقاعد يمنحه قاعدة من الطمأنينة يستطيع أن يبني عليها مرحلته التالية.
لكن الرعاية وحدها لا تكفي. ينبغي أن ننتقل أيضًا من رعاية الخبرة إلى استثمارها وتوريثها.
فالجيل الجديد من المتقاعدين في قطر يختلف كثيرًا عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بالكلمة. نحن أمام رجال ونساء على مستويات عالية من التعليم والتخصص، وبينهم من يحمل ثلاثين أو أربعين عامًا من المعرفة في الإدارة والهندسة والطب والتعليم والدبلوماسية والاقتصاد والثقافة ومختلف مجالات الدولة.
هذه ليست طاقات انتهت صلاحيتها ببلوغ تاريخ إداري.
إنها ذاكرة خبرة وطنية
* ومن هنا أرى مجالًا واسعًا أمام القطاع الخاص ومجالس الإدارات والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والمشروعات الناشئة للاستفادة من هذه الخبرات، لا بإعادة أصحابها إلى دوامة الوظيفة التي خرجوا منها، وإنما بصيغ مرنة تحفظ لهم حريتهم، وتتيح للمجتمع أن ينتفع بما راكموه من معرفة وتجربة.
وليس السؤال فقط: ماذا سيفعل المتقاعد بخبرته؟
بل أيضًا: ماذا سيفعل المجتمع بهذه الخبرة؟
فالمعرفة التي تراكمت خلال عقود لا ينبغي أن تخرج من الباب مع بطاقة الموظف. والأمم لا تتقدم بتعليم أجيالها الجديدة وحده، بل بقدرتها أيضًا على نقل خبرة جيل إلى جيل. ومن هنا يصبح توريث الخبرة جزءًا من بناء المستقبل، لا حنينًا إلى الماضي.
* وبعد هذه الرحلة عدت إلى السؤال الذي بدأت منه: ماذا أقول عن التقاعد وأنا لم أتقاعد قط؟
واكتشفت أنني ربما كنت أنظر إلى السؤال من الباب الخطأ.
فالتقاعد ليس قضية المتقاعد وحده، ولا يبدأ التفكير فيه عند بلوغ سن معينة. إنه جزء من سؤال أكبر ينبغي أن يسأله الإنسان في الأربعين كما يسأله في السبعين:
ماذا أصنع بعمري، وعملي، ووقتي؟
لسنا مطالبين بأن نعمل إلى آخر يوم، ولا أن نحول كل لحظة من حياتنا إلى مشروع إنتاج. وليس في الراحة ما نعتذر عنه. لكن هناك فرقًا بين الراحة والانسحاب، وبين أن تنتهي وظيفة وأن ينتهي الفضول، وبين أن يتقدم العمر وأن نتقاعد نحن قبل أن تتقاعد قدراتنا.
ولذلك ربما كان علينا أن نعيد تعريف النجاح نفسه.
فبعد أن تزول مقاييس المنصب والترقية والمكتب، قد يصبح النجاح شيئًا أبسط وأعمق: أن تمتلك وقتك دون أن يهزمك، وأن تمتلك خبرتك دون أن تسجنك في الماضي، وأن تتقدم في العمر دون أن تفقد فضولك تجاه المستقبل.
ولهذا لا أحب كثيرًا السؤال الذي يقال للمتقاعد:
كيف ستملأ وقت الفراغ؟
ومن قال إن هذا وقت فراغ؟
إنه جزء من عمرك أصبح لك فيه قدر أكبر من حرية الاختيار. فلا تسأل كيف تقتله؛ فالوقت الذي نقتله إنما نقتل معه شيئًا من أعمارنا.
اسأل كيف تحييه.
فالوقت لا يصبح ثروة لأن لدينا منه الكثير، وإنما بما نصنعه به. والعمر لا يقاس فقط بما مضى منه، وإنما بما بقي فيه من معنى. والعمل لا ينتهي بانتهاء الوظيفة، وإنما يتغير شكله، كما تتغير الحياة كلها من مرحلة إلى أخرى.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من كل ذلك أن التقاعد، إذا أحسنا فهمه، ليس قعودًا بعد حركة، ولا انسحابًا من الحياة، بل قد يكون تحريرًا من وظيفة أدت رسالتها، وبداية لمساحة أوسع من الاختيار.
فالوظيفة تنتهي، والعمل يتغير، والعطاء يستطيع أن يستمر.
أما الوقت الذي أصبح أكثر لك، فذلك هو رأس مال المرحلة الجديدة.
وأنت الذي تقرر: أتجعله عبئًا عليك، أم تجعله حياةً تضاف إلى عمرك؟
ما كان بالغ الصعوبة قبل أربعين عاما أصبح اليوم يقال على المنابر
- أمريكا.. حين تتغير حدود المسموح - 37 % ممن دون الخامسة والأربعين في أمريكا يرون ما فعلته... اقرأ المزيد
660
| 10 أغسطس 2026
الكبار لا يرحلون
هناك رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، لأنهم يصبحون جزءًا من ذاكرة الوطن ووجدان أهله. وحمد بن خليفة... اقرأ المزيد
978
| 14 يوليو 2026
حوار سنة خير من حرب يوم
ليست هذه عبارة إنشائية أو حكمة أدبية، بل حقيقة استراتيجية أثبتتها التجارب والحروب عبر التاريخ. فالحوار، مهما بلغت... اقرأ المزيد
438
| 19 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10386
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3294
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2454
| 08 سبتمبر 2026