رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يختلف علماء التربية في رد الموهبة إلى أصل مادتها اللغوية ممثلة في المصدر الثلاثي (هبة)، كما لا يختلفون في أن الهبة مرجعها إلى الله الوهاب سبحانه وتعالى.
ولكنهم يختلفون فيما يلابس هذا اللفظ من مفردات تشاركه الدلالة على التفرد وروعة الإنجاز. فيذكرون التميز Distention ويذكرون الذيوع أو الاشتهار Eminence ، ويذكرون الموهبة Giftedness أو العطاء Talent أو الإبداع Creativity أو العبقرية Genius ، وكل هاتيك المفردات تصب في خانة واحدة هي تمكن عقل المرء من تقديم الجديد المبهر في أي مجال من مجالات العمل، فالتفوق العقلي Mental Superiority هو القاسم المشترك الأعظم بين تلك المفردات المتناطحة حيناً، أو المتآلفة في أكثر الأحيان.
وقد يلحظ قارئ البحوث التربوية الحديثة أن الإنجليزية المعاصرة – وبخاصة في كتابات الأمريكيين- تجافت عن كثير من المفردات السابقة، ولم تعد تستعملها، واكتفت بلفظ واحد منها هو التفوق العقلي أو الموهبة.
وقد يلحظ قارئ البحوث التربوية العربية أن باحثينا العرب يستنزفون كثيراً من أحبارهم وأوراقهم وجهودهم وأوقات قرائهم في الرجوع إلى المعاجم العربية القديمة التي ترد بعض هاتيك المفردات إلى قوى غيبية كالجن أو الشياطين. فيتحدثون عن "وادي عبقر" الذي تسكنه الجن، وتصيب من يلم به بشيء من المس يجعله "عبقرياً" فذا لا يقاس به أقرانه. ويتحدثون عن أولئك الشياطين الذين يشاطرون الشعراء أرواحهم –وربما أجسادهم !!- فيلهمونهم ما يقولون من شعر تتجلى فيه أرقى صور الإبداع، كما قال قائلهم:
إني، وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى، وشيطاني ذَكَرْ!!
غير أننا لن نخوض في تلك السفسطة اللغوية التي لا طائل من ورائها ولنقل –ببساطة- إن العبقرية والنبوغ والإبداع والتفوق والابتكار والموهبة ألفاظ متقاربة الدلالة. فكأنهم بشرٌ بنو عمومة أو أبناء عَلاَّت!! ونكتفي بلفظ (النبوغ) ليتحدث باسم أبناء عمومته أو بني علاته جميعاً، وهنا نسألأ : من أين يأتي النبوغ؟ وكيف ملحظه؟
منابع النبوغ:
تنمو قدرات الطفل، وتظهر مواهبه في سن مبكرة، وهناك دراسات حديثة تشير إلى أن هناك بيئات أسرية توفر للأطفال الجو المناسب للتميز والإبداع، وتتميز تلك البيئات بأنها "مشاتل" – بلغة الزراعيين- تنمو فيها الموهبة وتترعرع. كما أثبتت دراسات أخرى أن المدارس، ولاسيما الأولية منها، تساعد الموهوبين من الأطفال على إبراز تفوقهم إذا أحسنت تربيتهم، وقد تتسبب – إذا لم تع رسالتها حق الوعي- في كمون مواهبهم، أو تشردهم أو إخفاقهم الدراسي.
على أنه يجب الانتباه إلى أن التفوق الدراسي، وارتفاع معدل التحصيل ليس مؤشراً دائماً على النبوغ والعبقرية، فقد يكون مجرد نتيجة لجهد مبذول في الحفظ وإتقان مهارات الإجابة.
أما المنابع الحقيقية للنبوغ فيمكننا إجمالها فيما يلي:
1- الأسرة الصالحة:
ونعني بها الأسرة التي توفر لأطفالها قدراً كبيراً من التشجيع لكي يظهروا قدراتهم، وتلبي حاجاتهم النفسية للظهور والشعور بالأمان والثقة بالنفس، وهنا يجب أن ننبه إلى بعض المزالق التي تقع فيها بعض الأسر فتعوق إبداع أبنائها، وتلقي بهم في مهاوي الانزواء والانطواء والنكد، فتتوقف قدراتهم العقلية عن النمو، وتنكسر أجنحة طموحهم، فيمكثون حيث هم. ومن هذه المزالق أو الخطايا التربوية:
أ- ارتفاع مستوى طموح الوالدين كثيراً عن مستوى قدرات أطفالهم العقلية. فهذا الأب يصر على أن يلتحق ابنه بكلية الطب أو الهندسة، والابن لا يحب الرياضيات أو العلوم التطبيقية، بل يميل –بفطرته- إلى الآداب والفنون مثلاً، فينشأ عن هذا التعارض في الرغبات، شعور بالعجز لدى الطفل عن تلبية رغبة والده، فتتحطم نفسيته وقد يفشل تماماً في حياته.
ب- التذبذب في معاملة الأطفال. بالرضا المبالغ فيه حيناً، والسخط الشديد حيناً آخر.
ت- التفرقة بين الأبناء.
ث- المبالغة في العقاب عند وقوع الخطأ من الطفل.
فعلى الأسرة التي تريد أن تكون (محضناً) للموهبة، ومنبعاً من منابع النبوغ، أن تتفادى الوقوع في الخطايا التربوية السابقة، لما سيكون لها من أثر نفسي مدمِّر لمعنويات الطفل وطموحه.
2- الثقة بالنفس:
إن أعظم عائق يعوق النبوغ هي الخنوع والانكسار والشعور بالعجز والضعة، فهذه الأحاسيس –الناجمة غالباً عن قهر نفسي أو اجتماعي- محبطة بل ومدمرة. والفرد الذي يعاني أياً من تلك الأحاسيس السلبية، يتعذر عليه أن يبدع أو يبتكر، فالنفس المثقلة بمشاعر الإحباط لن تتمكن من إظهار مواهبها.
وعلى العكس من ذلك، فإن الفرد الذي يثق بنفسه، يستطيع في كل مواقف حياته أن يعبر عما يجيش بصدره، ونراه دائماًَ سبّاقاً إلى التنافس، مبادراً، متحكماً في انفعالاته، مبدعاً، مجدداً في أفعاله، ابتكارياً في ردود أفعاله، شديد الذكاء في تعبيره عن نفسه وعن أفكاره، يتمتع بقدرة عالية على تجاوز المخاطر وامتصاص صدمات الحياة ومفاجآتها.
ومن هنا قلنا إن الثقة بالنفس منبع أصيل من منابع النبوغ والعبقرية. وحتى تتوفر للفرد ثقة كبيرة بنفسه، يجب أن يحرص – طول الوقت- على صفاء الذهن، ويجب التخلص من ركام المعاناة النفسية التي قد تصادف مسيرته أو تهدد طموحه. ويمكن للأسرة غرس الثقة بالنفس في شخصيات الأبناء بتعويدهم على التصرف في المواقف المختلفة بحرية، وتكليفهم القيام بمهام تتناسب مع نموهم وقدراتهم من حين لآخر حتى يتعودوا تحمل المسؤولية فتزداد ثقتهم بأنفسهم.
3- الدافعية للإنجاز:
محدودو الطموح يستحيل أن يكونوا من الموهوبين النابغين، فالموهبة والنبوغ لا ينبعان إلا من نفسية طموحة، وقلب جسور، وهمة عالية، وقديماً قال المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم
وقال أبو العلاء المعري:
وإني- وإن كنت الأخير زمانه- لآتٍ بما لم يستطعْهُ الأوائلُ
والمعنى أن الإنسان يجب عليه دائماً أن يتغيا أشرف الغايات وأسماها، وأن يتطلع إلى أعلى الأهداف، فهذا من شأنه أن يحفزه نحو المزيد من العمل والاجتهاد فتظهر مواهبه، وتتجلى قدراته، وتُشحذ همته، فيبدع ويتألق.
4- تعلم القراءة مبكراً:
بالرغم من تزايد منافسات القراءة من وسائل المعرفة التقنية، فما يزال الكتاب أو المجلة أو الصحيفة مصدراً أفضل من مصادر المعرفة. وكلما بدأ الفرد مبكراً في تعلم القراءة، ازدادت فرصته في النبوغ والتفوق، لأن القراءة مهارة تتضمن مهارات، وعملية تحفل بعمليات عقلية مركبة، وإذا تأملنا تاريخ كثير من علمائنا في القديم والحديث، وجدنا أكثر النابغين تعلموا في مكاتب تحفيظ القرآن الكريم، حين كان الأطفال يلتحقون بها بدءاً من السنة الرابعة من العمر، فيتعلم الطفل حروف الهجاء أولاً، ثم الكتابة، ثم يبدأ في حفظ القرآن الكريم، وقد يقطع فيه شوطاً قليلاً أو كثيراً –حسب قدراته- قبل السادسة.
ومن تراث علم النفس المعاصر تلك التجارب التي أجراها عالم النفس (ثيرمان) على مجموعة من النابغين عايشهم خمساًَ وثلاثين سنة مراقباً لسلوكياتهم ومتابعاً لنمو مواهبهم. فقد توصل (ثيرمان) إلى أن 2% من مجموع هؤلاء النابغين وعددهم (1528) ثمانية وعشرون وخمسمائة وألف موهوب، تعلموا القراءة قبل السنة الثالثة من أعمارهم، وأن ستة بالمائة 6% منهم تعلموا القراءة قبل السنة الرابعة، وأن عشرين بالمائة 20% تعلموا القراءة قبل سن الخامسة، وأن ثلاثة وأربعين بالمائة 43% تعلموا القراءة قبل سن السادسة. وإلى مثل نتائجه أو قريباً منها توصل غيره من علماء النفس المعاصرين. مما يدل دلالة قاطعة على أن التميز والنبوغ مرتبط بالتعلم المبكر للقراءة. ولا عجب في هذا فالقراءة منبع ثري من منابع المعرفة، وبالمعرفة تتفتق الأذهان، وتستثار الدافعية للإنجاز، ويتحفز الفرد لتنمية ذاته، وتحقيق السبق على أقرانه.
هذه هي أهم منابع العبقرية والنبوغ، أو بتعبير آخر : هي البيئات التي تتعلق فيها بذرة النبوغ وتتفتح، ويكون الباقي هو التعهد والرعاية حتى تنمو وتترعرع وتؤتي أكلها بإذن ربها بعد ذلك برعاية من الفرد نفسه لنفسه، ومن الأسرة ومن المدرسة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف تلاحظ الأسرة أو المدرسة أنها أمام "مشروع" عبقرية؟ أو أنها أمام إنسان يمكن أن يكون في يوم من الأيام من مشاهير النوابغ؟ وهذا ما ستجيب عليه الفقرة التالية:
سمات المبدعين والنوابغ:
لكل عبقرية مقدمات، ولكل نبوغ شواهد، ولكل تميز مؤشرات، ومهمة الوالدين والمعلمين مراقبة أطفالهم. فإذا آنسوا في الطفل شيئاً من ذلك، كان عليهم أن يعاملوه معاملة خاصة، ولكنها معتدلة، فلا يصح أن تدفعهم فرحة العثور على مؤشر من مؤشرات التميز، أو علامة من علامات النبوغ، إلى الإفراط في تدليل هذا الطفل، أو إغراقه بالحنان أو تفضيله على إخوته بصورة ملحوظة. بل إن الواجب عليهم أن يحققوا له قدراً أكبر من الحرية، والشعور بالمسؤولية، لتزداد ثقته بنفسه، ثم إن عليهم أن يوفروا له مطالبه جهد طاقتهم. فالشاعر القديم يقول في هذا المعنى:
وإذا رأيت من الهلال نموّه أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً
ومن علامات العبقرية:
1- النضج الاجتماعي:
يبدأ النمو الاجتماعي مع الطفل بعد نحو ستة أشهر من مولده، حين تبدأ عينا الوليد التركيز فيمن يحيطون به من الوالدْين والإخوة والأجداد، وينمو الطفل اجتماعياً عاماً بعد عام، فيبدأ سلوكه الفردي في التطور حتى يكتمل نضجه الاجتماعي مع اكتمال عامه الثامن عشر، ويكون بذلك قد اكتسب – بفعل التنشئة الاجتماعية- قواعد السلوك المقبول اجتماعياً، فأصبح يمارس حياته بوعي كامل، فيتفادى ما لا يقبله الآخرون، ويقبل على ما يحببه إلى مخالطيه.
ويتفوق بعض الأطفال على بعض في النضج الاجتماعي، فهناك من يتميز بالكياسة واللباقة فيكتسب محبة الآخرين وتقديرهم بسهولة وسرعة، وهناك من يغلب عليه الجموح، والعنف، وسوء التصرف، فتتكون إزاءه اتجاهات سلبية من مخالطيه من الأهل والزملاء والصحاب.
والنجاح في إدارة الحياة بمهارة وكفاءة دليل على قوة النضج الاجتماعي وسلامته من العيوب، ومن ثم فهو مؤشر من مؤشرات العبقرية والنبوغ، فقد أثبتت دراسات نفسية متعددة في الشرق والغرب أن من حققوا نبوغاً ملحوظاً، تبين من دراسة تواريخ حياتهم أنهم كانوا ناضجين اجتماعياً بصورة واضحة.
2- قوة الذاكرة:
تعد قوة الذاكرة مؤشراً واضحاً من مؤشرات النبوغ والعبقرية، فإذا لاحظت الأسرة أن أحد أبنائها قوي الذاكرة، سريع الحفظ، فيجب عليها –وكذلك المدرسة- أن تدرك أنها أمام موهبة جديرة بالرعاية.
ويروى أن أبا العلاء المعري كان يحفظ من كلمات العربية أضعاف ما في معجم (لسان العرب) على ضخامته. . ويروى عنه طرائف كثيرة في مجال قوة الذاكرة، فقد فقالوا إنه سمع شاعراً شاباً في الشام حيث كان يعيش، وسأله الشاعر الشاب عن رأيه في شعره الذي سمعه، فقال له أبو العلاء:"أنت أشعر مّنْ بالشام". وبعد عشر سنوات كان أبو العلاء في رحلة إلى بغداد – مقر الخلافة العباسية- وكان ذلك الشاعر قد ذاع صيته، وانتقل إلى البلاط العباسي، فلما سمعه أبو العلاء، وانتهى الشاعر من إنشاد قصيدته سأل أبا العلاء عن رأيه فيما سمع، فقال أبو العلاء" . . ومَنْ بالعراق!!" أي أنك : أشعر من بالشام ومن بالعراق!! ، فاستخدم " واو" العطف ليعطف به جملة حالية على جملة قالها قبل عشر سنوات!!
3- حب الاستطلاع :
ومن علائم النبوغ أيضاً: حب الاستطلاع، فإنه سمة أثبتت الدراسات العلمية توفرها في المبدعين والنوابغ، فحب الاستطلاع يدل على رغبة الفرد في اكتشاف أسرار ما حوله، والتنقيب عن كل كبيرة وصغيرة، وفي هذا تنشيط لقدرات العقل لكل تعمل وتربط الأسباب
بمسبباتها، والحركات بدوافعها.
4- الميول العلمية:
والميول العلمية أيضاً من مؤشرات العبقرية وتظهر في سلوكيات الطفل، حين تلحظ الأسرة، أو المدرسة، ميله إلى الفك والتركيب، وممارسة العمل اليدوي، والعبث في الأجهزة والأدوات بشغف ومحاولة للفهم والإدراك. وفي هذا السياق تشير الدراسات إلى أن من المهم ترك الأطفال على سجيتهم حين يقومون بهذه الممارسات مع مراقبتهم من بعيد خشية أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة وهم لا يشعرون.
ففي الحالات الأربع السابقة يجب على الأسرة والمدرسة أن تدرك أنها أمام حالات من النبوغ تحتاج إلى فرص الإظهار والتشجيع حتى تؤتي ثمارها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5805
| 07 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1557
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1530
| 12 يوليو 2026