رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد المري

مساحة إعلانية

مقالات

609

د. حمد المري

رحيل الأمير الوالد... حين يغيب القائد ويبقى الأثر

14 يوليو 2026 , 02:00ص

ليست كل حالات الرحيل متشابهة، فهناك من يغادر الحياة فيطوي الزمن صفحته، وهناك من يرحل ويبقى حاضرًا في ذاكرة وطن، وفي وجدان شعب، وفي تاريخ أمة. ورحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، هو من ذلك الرحيل الذي يعمّ الحزن لفقده، ويبقى صاحبه حاضرًا بما تركه من إنجازات ومواقف خالدة؛ لأنه لم يكن مجرد قائد تولى مسؤولية الحكم، بل رجل دولة ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ قطر الحديث.

لقد آمن الأمير الوالد بوطنه، وبقدرة الإنسان القطري على صناعة المستقبل، وأدرك مبكرًا أن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بما تمتلكه من رؤية وإرادة وقدرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات. ومن هنا بدأت مسيرة التحول التي شهدتها قطر في عهده، فبنى المؤسسات، واستثمر في الإنسان والتعليم والصحة والبنية التحتية، وفتح أمام قطر آفاقًا واسعة للحضور الإقليمي والدولي.

ولطالما كنت أضرب بالأمير الوالد، رحمه الله، المثل في محاضراتي عن إدارة التغيير، وأقدمه نموذجًا للقائد الذي أدرك أن التغيير الحقيقي لا يبدأ بالقرارات وحدها، بل برؤية واضحة، وإرادة تحولها إلى واقع، وبناء الإنسان والمؤسسات التي تضمن استمراره. ومن هذا المنطلق، كنت أصفه بأنه «قائد تغيير بامتياز»؛ لأنه لم يكتفِ بإدارة مرحلة من تاريخ قطر، بل قاد تحولًا شاملًا نقل الدولة إلى مرحلة جديدة من البناء والتنمية والحضور الدولي، وامتد أثر هذا التحول عبر الأجيال.

ومن أبرز مناقبه قربه من شعبه، واعتزازه بهويته العربية والإسلامية، كما امتدت مواقفه إلى قضايا أمته، ودعم العمل الإنساني والتنموي، وأسهم في تعزيز مكانة قطر دولةً للحوار والوساطة والسلام.

ولعل من أعظم إنجازات القادة أن يبنوا دولةً ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وأن يهيئوا الأجيال التي تحمل الراية من بعدهم. وقد واصلت قطر مسيرتها بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، محافظةً على ثوابتها ومكتسباتها، وماضيةً بثقة نحو مستقبلها.

إن الحديث عن الأمير الوالد ليس حديثًا عن مرحلة انتهت، بل عن إرث باقٍ، وعن قائد سيظل اسمه حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها. لقد رحل الجسد، ولكن بقيت الإنجازات والمواقف، وبقي وطن قوي شامخ يشهد على ما قدمه أحد أبرز رجالاته وقادته؛ فقد كان، وسيبقى في وجداننا، أبًا للوطن ورمزًا من رموز نهضته وعزته.

رحم الله الأمير الوالد رحمة واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها وأمته خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته.

وسيظل التاريخ يذكر أن هنا قائدًا أحب وطنه، فآمن بإنسانه، وبنى نهضته، وصنع له مكانة بين الأمم... ثم رحل، وبقي الأثر.

مساحة إعلانية