رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيسطر تاريخ الربيع العربي السابع عشر من ديسمبر 2010 بأحرفٍ من ذهب، فالحادثة التي شهدها هذا اليوم لم تكن لتنال أكثر من عنوان عابر يتصدر صفحات وسائل الإعلام، والتي غدت فيما بعد الشرارة التي أشعلت الثورات العربية. وقد أصبح محمد البوعزيزي، أسطورة في العالم العربي.
لم تتوقف الثورة داخل الحدود التونسية، بل اجتاح الناس الشوارع في الدول العربية المجاورة مستمدين الشجاعة من النجاح الذي حققته الثورة. فسرعان ما أطاحت مصر بنظام حسني مبارك، الذي لحق به الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي وافق في نهاية الأمر على مقترح مجلس التعاون الخليجي للتنحي عن الحكم ونقل السلطة. وهناك ليبيا التي غيرتها الثورة أيضاً حيث جاء مقتل الزعيم معمر القذافي الذي حكم البلاد مدة طويلة على يد شعبه.
وواصلت الثورات اجتياح المنطقة بكثافة ووتيرة متفاوتتين. فها هي سوريا تقاسي مخاض الثورة حيث تشهد اشتباكات وصدامات عنيفة بين المعارضين للحكومة والقوات الموالية للرئيس بشار الأسد. إن القلاقل والاضطرابات السياسية ليست من الأمور الجديدة على المنطقة التي عانت حروباً وصراعات كثيرة بين مختلف الجماعات المقسمة على أساس عرقي وقبلي وطائفي وحزبي.
بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية (البطالة ومستويات الفقر والتضخم والفساد والشفافية)، فإنه لا يمكن نكران عامل آخر أسهم في اندلاع الثورات ألا وهو انعدام حرية التعبير. فحرية التعبير عن رأي المرء دون أية قيود ودون خوف هو حق أساس لكل إنسان. وهذه الحرية قائمة على مستويات مختلفة هي الحرية الشخصية وحرية الإعلام وحريات المؤسسات. وهذه الحريات الثلاثة متداخلة حيث إنه من المستحيل تحقيق الحرية الشخصية دون توفر درجة مقبولة من حرية الإعلام وحرية المؤسسات.
ولا يمكن للمرء الحديث عن الثورة دون أن يذكر الدور الحيوي الذي لعبته وسائل الإعلام في هذه الثورات، فقد تكون موجة الاحتجاجات والثورات التي هزت الشرق الأوسط هي الأكثر تغطيةً في تاريخ الإعلام، حيث أصبحت القنوات التلفزيونية مثل قناة الجزيرة وقناة العربية حافزاً وأدوات لإعلام المشاهدين المحليين والدوليين بما يدور على الأرض من أحداث، في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الغربية لا تزال تتدافع لمعرفة أين كان يدور الحدث.
وكانت قناة الجزيرة هي السباقة في تغطية بدايات الثورة في تونس عندما نشرت خبراً عن الاحتجاجات التي تلتها تضحية محمد البوعزيزي بنفسه. كما أن تغطية الشبكة للمظاهرات والصدامات التي وقعت في ميدان التحرير في القاهرة لمدة 18 يوماً متواصلاً عزز من مكانة القناة، إلا أنه تم انتقاد الجزيرة أيضاً لمدها دعماً ضمنياً للجماعات والأحزاب الإسلامية بالسماح لزعماء إسلاميين بالظهور في برامج إخبارية أو إجراء الإعلاميين مقابلات معهم. فقد كان رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي ضيفاً دائماً للجزيرة، إضافة إلى برامج أحمد منصور المستمرة والداعمة للإسلاميين. حتى اشتكى البعض من تغطية الجزيرة لمجموعات منتقاة فقط. ولكن الرأي العام استمر بالانقسام حول تغطية الثورات العربية سواءً من قبل الجزيرة أو من قبل شبكات أخرى، فهناك انقسام بين الداعمين للثورات التي يعتبرونها وسائل للناس لاستعادة ما فقدوه من صوت تحت استبداد وطغيان الطغاة وأولئك الذين يرون في الثورات تهديداً للوضع الراهن ومقدمة للفوضى في المنطقة.
كانت بعض وسائل الإعلام تقوم بدعم كل معارض للنظام الاستبدادي وتنشر مواضيع أو تبث برامج متواصلة حتى أننا استمعنا إلى فتاوى خاصة فقط للربيع العربي. ولكن ما يحدث اليوم يجعلنا نراجع أنفسنا في ما يخص مصداقية هذه الوسائل الإعلامية.
وبما أن ثورات الربيع العربي استطاعت كسر حاجز الخوف لدى الشعوب العربية بذهاب الحكومات المستبدة ومرحلة الاستبداد الذي ولىٌ إلى غير رجعة، فقد رأينا في الثورات العربية الجميع يقف صفاً واحداً ضد الاستبداد، الإسلاميون والليبراليون واليساريون ورجال ونساء وأطفال القبائل المختلفة من أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، ولكن مازلنا نشهد من بعض وسائل الإعلام العربي وبسبب أجنداتها الخاصة أو أجندات العاملين بها، خلق أنظمة استبدادية جديدة على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة.
وبعد مرور عامين على ثورات الربيع العربي وسيطرة الإسلاميين على حكومات بعض دول الربيع العربي، فإننا نرى التحول الكبير في وسائل الإعلام العربي، بدلاً من أن نخلق إعلاماً حراً وديمقراطياً يعتمد على الديمقراطية والشفافية في طرح المواضيع والقيم الأخلاقية والمسؤولية اتجاه الشعوب العربية. فنحن الآن نرى أن بعض وسائل الإعلام تتحيز إلى أفكار وأيدلوجيات وأجندات خاصة حتى أصبح ما كان مسموح أثناء ثورات الربيع محرماً الآن.
ما يحدث في مصر الآن لهو دليل قاطع على تحيز بعض وسائل الإعلام لبعض الأطراف على حساب أطراف أخرى، حيث نرى قناة الجزيرة تميل إلى حكومة الإخوان بينما تنحاز قناة العربية للمعارضين في ميدان التحرير، وذلك بدلاً من أن تقوم القناتان بنشر ثقافة وفكر سياسي رصين. حتى أصبح كل من المعارضين في ميدان التحرير أو الداعمين بالقرب من جامعة القاهرة كفاراً وبلطجية وفلولاً، بدلاً من الدعوة إلى التقارب والتكامل بين أفراد المجتمع، مما أدى إلى بث الفتنة وانشقاق النسيج الاجتماعي في مصر بين مؤيد ورافض، حتى بتنا لا نستغرب إذا تم تكفير من لا يقوم بالتصويت على مشروع الدستور.
إن حرية الإعلام تقوم على الالتزام بالمبادئ العالمية لحرية التعبير وحقوق الإنسان والديمقراطية، وتطوير ثقافة المواطنة بين كل أفراد المجتمع، دون تمييز بينهم أو استخفاف ببعضهم، فهذه المبادئ من شأنها تعزيز القيم الإعلامية الفاضلة ونبذ الكراهية والبغضاء والبعد عن الانحياز. وتأتي أهمية الإعلام بشكل خاص حيث إنها أحد أهم المبادئ في قانون حقوق الإنسان الدولي، حتى تسمح للناس بالوصول إلى المعلومات بشكل موضوعي، حيث إنه من المفترض أنها تعمل على التوازن وتجهض أي ممارسات للفساد.
إن حرية الرأي وحرية التعبير لا تعني إغفال الإعلاميين عن المسؤولية الأخلاقية وممارسة العمل الإعلامي بطريقة صحيحة، ولكن هناك قواعد عامة وثوابت لابد من التقيد بها، ومنها الموضوعية، الصدق، الدقة، المسؤولية، النزاهة، الاستقلالية، والكرامة، والعدالة والمهنية. نحتاج إلى إعلام للمرحلة القادمة برؤية صادقة صحيحة، بحيث تهدف إلى تحقيق الخير والنفع لجميع أفراد المجتمع، قال الله سبحانه وتعالى في محكم آياته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين) التوبة:119. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات:6.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4800
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
801
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2514
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4338
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3153
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1206
| 28 سبتمبر 2026