رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سؤال برسم الجواب: هل الانتفاضة قادمة؟
منذ زمن طويل ونحن نبشر بأن الانتفاضة الثالثة قادمة، لأن ممارسات الاحتلال وأساليبه القمعية تستفز الحجر، كما أن تعديات مستوطنيه وتعمد تدنيسهم للمقدسات أوصلت الفلسطينيين لحالة من الغليان والرغبة في الانتقام غير مسبوقة، ولكن واقع الحال القائم في فلسطين والمنطقة من حيث الانقسام والصراعات الدامية لا يشجع بما فيه الكفاية للتحرك والنهوض، وهذا لاعتبارات أوردها الأستاذ هاني المصري في النقاط التالية:
أولاً) عدم وجود قيادة للانتفاضة، فالرئيس أبو مازن أعلن - مراراً وتكراراً - معارضته لاندلاع انتفاضة جديدة، وعبَّر هذا الموقف عن نفسه من خلال منع العديد من المظاهرات، وأي شكل من أشكال الاحتكاك بين قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين في مناطق سيطرة السلطة، ودعا مؤخراً إلى التهدئة في القدس التي تشهد تصعيدًا إسرائيلياً غير مسبوق. ولعل هذا الأمر، يفسر لماذا تشهد المناطق غير الخاضعة للسلطة مثل القدس مواجهات أقوى وأعمق من غيرها.
ثانياً) لعب الانقسام دوراً أساسياً في عدم اندلاع انتفاضة جديدة، كما لعب تعدد القيادات والمرجعيات والاستراتيجيات دوراً مهماً في الحؤول دون تحقيق الانتفاضات السابقة أهدافها، إضافة إلى أن الخلاف حول أهداف الانتفاضة وأشكال النضال المناسبة (سلميّة أو مسلحة) يلعب دورًا في تأخير اندلاع الانتفاضة.
ثالثًا) عدم تحقيق الانتفاضات السابقة لأهدافها برغم البطولات الأسطوريّة والتضحيات الغالية، وانتهاؤها إلى حالة من الفوضى والفلتان الأمني، يجعل الشعب يخشى من الانتفاضة وغير واثق من انتصارها، فالانتفاضات الكبرى يحركها الأمل والثقة بالانتصار أكثر ما يحركها اليأس والإحباط، وإذا أضفنا إلى ما سبق نشوء طبقة ما بعد أوسلو التي ازدادت نفوذًا وثروة، أصبح من مصلحتها عدم اندلاع الانتفاضة وعدم انتصارها إذا اندلعت، ووقوع ثمار "السلم والحرب" في بطنها يجعل الشعب يفكر أكثر من مرة قبل الانتفاض مجددًا، إلا إذا جاءت الانتفاضة ردة فعل على تصعيد عدواني لا يتحمله الإنسان الفلسطيني كما يجري حاليًا في القدس.
رابعاً) إن التغييرات العاصفة التي تشهدها المنطقة وما انتهت إليه من حروب داخليّة وطائفيّة ومذهبيّة تهدد في تفتيت - وحتى تقسيم - عدة بلدان عربيّة، تلعب دوراً في عدم إقدام الشعب الفلسطيني على الانتفاضة، لأنه يدرك أهميّة البعد العربي والإقليمي والدولي للقضيّة الفلسطينيّة ولمناصرة كفاح الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه في تقرير المصير والعودة والاستقلال.
بصراحة، إن حسابات السلطة الفلسطينية والرئيس أبو مازن تختلف 180 درجة مع رغبات الشارع بالضفة الغربية وفصائله الوطنية والإسلامية في التصعيد والمواجهة، ولذلك نشهد محاولات الأجهزة الأمنية العمل - دائماً - على تهدئة الأوضاع، وقمع أي تحركات ومظاهر احتجاجية ضد الاحتلال بكل الوسائل السلمية والعنفية.
نتنياهو.. انقلاب السحر على الساحر
منذ أن بدأ يصعد نجم نتنياهو في الثمانينيات كدبلوماسي، ثم كرئيس للوزراء في التسعينيات، وحلفاء إسرائيل في الدول الغربية يتابعون أداءه السياسي، من حيث التزامه بالعهود والمواثيق مع الفلسطينيين ودول الجوار، ويبدو اليوم أن الكثيرين في دول الاتحاد الأوروبي قد فقدوا الثقة به، فهو بالنسبة لهم الآن ليس أكثر من كذَّاب أشر، ورجل يمتهن الدجل السياسي، ويعمل على التقرب من المستوطنين بهدف كسب أصواتهم، فكل ما يعنيه هو أن يبقى في السلطة إلى يوم يبعثون.
لذلك، فإن التوجه العام في الدول الغربية أن هذا الرجل لا يحترم القانون الدولي ولا القانون الدولي الإنساني، وليس لديه رؤية سياسية ولا توجهات باتجاه تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وهو متهم بجرائم حرب، وكل ما يقوم به هو التهرب من أي استحقاقات أو التزامات تجاه الفلسطينيين، والتحايل لشراء الوقت وفرض المزيد من الحقائق الاستيطانية على الأرض، وذلك بهدف الإجهاض على فكرة "حل الدولتين"، والتي تمثل منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993م الرؤية الغربية لإنهاء الصراع في المنطقة، من خلال قيام دولة فلسطينية على الأراضي التي تمَّ احتلالها في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م، والقدس عاصمة لها.
لاشك أن هذه الرؤية تتآكل يوما بعد يوم، وهناك أكثر من شخصية إسرائيلية وغربية أشارت إلى أن "حل الدولتين" قد أصبح شيئاً من الماضي، حيث إن كل المعطيات على الأرض من حيث حجم الاستيطان وأعداد اليهود القاطنين في القدس والضفة الغربية، والتي وصلت إلى قرابة 750 ألف مستوطن لا تبعث على الاطمئنان، وهي بمثابة الحالقة لكل محاولات المجتمع الدولي تحقيق تسوية سلمية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
إن نتنياهو من خلال كل مواقعه السياسية هو من عمل على تعطيل ذلك، وهو يتحرش اليوم بالقدس والمقدسيين، وذلك بغرض إنجاز آخر مخططاته الاستفزازية بالاستيلاء على أكثر من موطئ قدم لليهود داخل ساحات المسجد الأقصى، والتي تنذر بحرب دينية صواعق تفجيرها بيد هؤلاء الغلاة من المستوطنين.
ولعل هناك بعض التلميحات التي جاءت في هذا السياق على ألسنة الكثير من العرب واليهود محذرة من مخاطر وعواقب ذلك، ومنها ما صرَّح به يوفال ديسكين، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي (الشاباك)، من أن دخول الاعتبارات الدينية في الصراع ستفضي إلى تأجيجه، محذراً من أن هذا التطور لا يهدد بتفجر الأوضاع مع الشعب الفلسطيني فقط، بل سيجلب أيضاً مواجهة مع العالمين العربي والإسلامي.
وفي نفس السياق، كانت التحذيرات التي أوردتها وسائل الإعلام على لسان الرئيس محمود عباس، ووزير الأوقاف الأردني محمد نوح القضاة، والمهندس عدنان الحسيني وزير شؤون القدس في الحكومة الفلسطينية، وكذلك بيان الجامعة العربية، وكلها تندد من استمرار سياسات الاستهتار بمشاعر المسلمين التي تقوم بها إسرائيل في المسجد الأقصى، وتحذر من اشتعال فتيل "الحرب الدينية"، التي قد تقود المنطقة بكاملها، ولن تقف تداعياتها عند حدود فلسطين فحسب بل ستمتد إلى مناطق أخرى من العالم.
ومن الجدير ذكره، أن الدول الغربية هي بصدد إنزال بعض العقوبات على إسرائيل، كما أن بعضها الآخر قد لوَّح بورقة الاعتراف بالدولة الفلسطينية كوسيلة للضغط على نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة.. في الواقع، فإن ما نراه اليوم هو أن سحر نتنياهو قد انقلب عليه، وفقد بريقه السياسي، وأن مشروعه في السماح للمستوطنين في استباحة ساحات المسجد الأقصى وتدنيسه بأحذيتهم لن يؤتي أكله، وسوف تدفعه ردات فعل المقدسيين للتراجع والابتعاد وتجنب اللعب بالورقة الدينية مرة ثانية.
إن نتنياهو اليوم، ومن وجهة نظر المجتمع الدولي، هو مجرم حرب مطلوب للعدالة، وسرعان ما ستلاحقه القضايا بمحكمة الجنايات الدولية (ICC) في لاهاي، وهو في المشهد الإنساني يشكل تهديداً للسلم العالمي، كما أنه "يشكل التهديد الأكبر لوجود إسرائيل" كما عبر عن ذلك بصراحة أستاذ القانون الدولي ويليام شاباس، رئيس لجنة تقصي الحقائق في جرائم الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة.
لن ينجو نتنياهو في علاقاته المتوترة مع أمريكا والمجتمع الدولي، وستكون المواجهات في القدس هي الحبل الذي يلفه بغباء حول عنقه أو الرصاصة التي تصيب ساقه وتشل حركته، ليعيش معها – كمعاق - مذموماً مدحورا.
ختاماً: في القدس.. من في القدس؟
ويبقى السؤال الذي يردده الفلسطينيون – باستنكار وغضب - حيال حالة التخاذل العربي والصمت الإسلامي تجاه ما يجري في القدس، والتي تستفز مشاعر المدافعين عن المسجد الأقصى والمرابطين فيه من شباب الحركة الإسلامية، أين العرب؟ أين المسلمون؟
ولولا بعض كلمات المواساة التي أطلقتها تركيا على لسان رئيسها رجب طيب أردوغان، حيث قال في كلمة ألقاها أمام منتدى رجال الأعمال الجزائري - التركي في الجزائر:"عشنا وشاهدنا جميعنا بكل أسف العمليات البربرية الإسرائيلية التي لا يمكن السكوت عليها".. وأضاف: "إن المسجد الأقصى ليس للفلسطينيين وحدهم، بل هو أحد أهم مقدساتنا المشتركة جميعاً. إن الاعتداء على المسجد الأقصى يعتبر اعتداءً على مكة المكرّمة، وإنّ على الحكومة الإسرائيلية أن تنهي هذه الأفعال الشنيعة فوراً".
وبالتوازي مع تصريحات الرئيس أردوغان، فقد أكّد رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو أنّ الاعتداءات الإسرائيلية على الأقصى لا يمكن قبولها، وأنّ تركيا ستفعل ما يلزم لإنقاذ الأقصى من دنس اليهود.. وأوضح قائلاً: "إنّ القدس أمانة في أعناقنا من سيدنا عمر، وأمانة "ياووز" سليم الأول، وسليمان القانوني، والسلطان سليم. فلو تخلى العالم كله عن القدس، فلن نتخلى عنها، لأنّ القدس قضيّتنا، وستظل إلى الأبد قضيّتنا".
لقد كانت هذه المواقف هي الأقوى من بين كل التصريحات التي جاءت باهتة وهزيلة من جهات عربية وإسلامية أخرى.
إن القدس والأقصى هما بوصلة الأمة الإسلامية لاستعادة مجدها التليد، وهما فتيلُ ثورة سوف تنتصر، وإذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء فسنجد أن فلسطين وأرضها المباركة كانت هي ساحة النصر والعنفوان لتجليات الظهور لأمتنا الإسلامية في كل معاركها الفاصلة عبر التاريخ، من اليرموك إلى حطين وعين جالوت. فالقدس هي عنوان الأمة ورايتها المنشودة، وأن الاحتلال ليس أكثر من ظاهرة عابرة وسيزول، وعن أرضها سيندثر، وسيبقى أبطال القدس ورجالها الأشاوس هم "رأس النفيضة" وسنان الرمح، وهم بمشاريعهم الاستشهادية لن يخذلوا مسجدهم المبارك وآثار الصحابة والتابعين في أكنافه، وسيان تحرك العرب أو استمروا في غفوتهم حتى حين، فستظل الصرخة التي أطلقها الشاعر تميم البرغوثي تدوي في الآفاق معبرة عن واقع الحال:
في القدسِ، من في القدسِ، لكنْ.. لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10386
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3216
| 10 سبتمبر 2026