رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ تنظيم الحركة الصهيونية تنظيماً عملياً أواخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، سعت الدعاية الصهيونية إلى أن ترسيخ ثلاث أكاذيب أصبحت كالمسلمات التي تحرك الفكر الاستراتيجي الصهيوني على مختلف مساراته: السياسية، الاقتصادية، للاجتماعية، التربوية، والإعلامية.
وتتمثل تلك الأكاذيب في:-
1- فلسطين هي أرض الميعاد.
2- اليهود هم شعب الله المختار.
3- العرق اليهودي أسمى من بقية الأعراق البشرية.
وهذه الأكاذيب ليست قديمة قدم الديانة اليهودية، لكنها ولدت ونمت خلال القرن التاسع عشر على أيدي نفر من الصهاينة الأوائل الذين ابتدعوا مفهوم (الصهيونية) وحوّلوه إلى أيديولوجية تجتمع حولها طوائف اليهود المشتتين - آنذاك – في أنحاء العالم كافة. ومنهم: موسى هس، والحاخام إلكالاي، والحاخام زفاي هيشر، ثم المؤسس الحقيقي لحركة تسييس الصهيونية ثيودور هرتزل. واستمر الترويج لتلك الأكاذيب عالمياً بتنظيم وإتقان من 1812- 1897م حين انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا.
ويحسن بنا قبل أن نفند هذه الأكاذيب الثلاث أن نوضح فروقاً ضمتها قائمة التعبيرات الصهيونية التي تم ضبطها تبعاً لمعجم (المفردات الصهيونية) لبربارا ويل وتم تحديثها بواسطة دكتور جودي روزين. وهذه القائمة متاحة لمن يريد الاطلاع عليها على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) في موقع:
http: 11 w.w.w.jajz-ed. Org.il11001gloss/index. Htm1
وهذه الفروق – المتضمنة في قواميسهم – توضح لنا تركيز اليهود على التفرقة الدقيقة بين المصطلحات الصهيونية فهناك:-
* الصهيونية الثقافية Cultural Zionism
التي تؤمن – كما يقول قاموسهم – بأن الاستيطان الناجح وإعادة إسكان أرض إسرائيل (فلسطين) يستند إلى الحاجة لإعادة إحياء الثقافة اليهودية، واللغة العبرية، وبالتالي يمكن أن تصبح أرض إسرائيل (فلسطين) مركزاً ثقافياً وروحياً مهماً لليهود. بمعنى أنها تجتذب اليهود إلى ما تسميه الصهيونية (أرض الميعاد). وهذه الصهيونية الثقافية قامت أساساً على أفكار الحاخام (آهاد).
* الصهيونية الواقعية: Practical Zionism
وهي من المظاهر المبكرة للحركة الصهيونية الحديثة. وهي تنادي بعودة اليهود إلى أرض إسرائيل (فلسطين) والاستيطان بها دون حاجة إلى اتفاق سياسي مع أي طرف آخر.
* الصهيونية الدينية: Religious Zionism
وهي تؤمن بأن القومية اليهودية ليست مجرد هدف سياسي، بل هي هدف ديني يجب تحقيقه في شكل " وطن " لليهود في أرض فلسطين، وطن يقوم على الربط بين التوراة (الدين) والعمل الواقعي.
* الصهيونية التركيبية: Synthetic Zionism
مصطلح صاغه تشايم وايزمان Chaim Weizmann وهو ينادي بمزج الأهداف السياسية للوطن اليهودي مع الأهداف الواقعية للاستيطان والعمل والثقافة اليهودية في أرض إسرائيل (فلسطين).
مناقشة موضوعية:
وقد أثبتنا هذه الفروق حرفياً كما هي منشورة على موقعهم الذي ذكرناه على شبكة المعلومات الدولية حتى لا يُقال إن ما سيأتي من مناقشتنا لأكاذيبهم يستند إلى أوهام أو إلى افتراءات عربية. فهم بأنفسهم يعترفون بأن لديهم أربعة ألوان من الصهيونية هي في حقيقتها أربع وسائل لهدف واحد هو: سلب أرض الفلسطينيين واعتبارها وطناً لليهود.
1- أكذوبة أرض الميعاد:
يستند اليهود في ترويج هذه الأكذوبة إلى نص العهد القديم (التوراة) يقول فيه الرب مخاطباً إبراهيم الخليل ((لنسلك - أي لذريتك – أعطي هذه الأرض: أرض كنعان)). والمعروف من تراث اليهود أن لهم إلهاً يسمونه (يهوه) غير إله إبراهيم عليه السلام. فإله إبراهيم – عليه السلام – هو الله سبحانه وتعالى خالق السماء والأرض وأي إله يا ترى صاحب هذا الوعد؟ إن كان هذا الوعد من إله إبراهيم فهذا كذب على الله تعالى. فقد صرَّح القرآن الكريم بقطع الصلة بين إبراهيم وبين من جادلوا فيه بعد عصره من اليهود والنصارى. فقال سبحانه وتعالى:
" يأهل الكتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ في إبراهيمَ وَمَا أُنْزِلَت التَّوراةُ والإنْجيِلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِه. أفلا تعقلون؟! " [ آل عمران / 65 ]
ومن المعروف أن تدوين التوراة تم بعد عهد نبي الله إبراهيم بنحو ألف وثلاثمائة سنة، وبعد عصر نبي الله موسى بنحو سبعمائة سنة، وعلماء الآثار يفصلون بين عصر إبراهيم ويعقوب وإسحق ويسمونه (عصر الآباء الجوالين) من جهة. وبين عصر موسى من جهة أخرى. وهذا ما أكده القرآن الكريم حين نفى أن يكون إبراهيم يهودياً أو نصرانياً. وعلى هذا، يستحيل أن يكون الوعد " المزعوم " صادراً عن رب إبراهيم سبحانه وتعالى.
وإذا كان الوعد صادراً عن الله سبحانه وتعالى لنسل إبراهيم، فما الذي حصر نسل إبراهيم في اليهود وحدهم؟ أليس إسماعيل أبو العرب أخا إسحق أبي يعقوب؟ فما الذي يمنع – إن صدق الوعد – أن تكون الأرض لعرب فلسطين؟
إن علم التاريخ وعلوم الآثار تدل على أن إبراهيم – عليه السلام – من الجزيرة العربية وكانت موطن آبائه وأجداده الأصليين قبل أن يهاجروا إلى بلاد دجلة والفرات. وهم ممن يُطلق عليهم " العرب البائدة " في تلك الكتب ولما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء بيته الحرام في مكة كان ذلك إيذاناً ببدء نشر دعوة التوحيد (الحنيفية السمحاء) التي كان يتعبد بها إبراهيم عليه السلام قال تعالى:
" ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا، والله ولي المؤمنين " [ آل عمران / 68،67 ]
فالرابطة الحقيقية بين عصر إبراهيم – عليه السلام – والعصور اللاحقة له، هي رابطة الإيمان الخالص الذي لا تشوبه شائبة من غرض أو هوى. ومن ثم فإن أقرب الناس صلةً بإبراهيم هم أولئك الذين آمنوا بنبوته في عصره. ثم محمد – صلى الله عليه وسلم – والذين آمنوا بنبوته. هذا هو بيان القرآن الواضح في دعوى أرض الميعاد المزعومة ومحاولة الالتصاق بإبراهيم عليه السلام.
2- أكذوبة " شعب الله المختار ":
من الحيل اللاشعورية المعروفة لدى علماء الصحة النفسية ما يسمى عندهم بـ " الإسقاط " ومعناه أن يُسقط الإنسان ما بداخله من نقائص أو عيوب على غيره – في محاولة لا شعورية منه للتكيف الاجتماعي – بحيث يمكن بسهولة أن نستدل على حقيقة الإنسان وخفايا نفسيته من خلال مراقبة الاتهامات التي يوجهها للآخرين.
هذا هو ما فعله اليهود تماماً، فهم يعلمون عن أنفسهم أنهم أحط البشر وأنهم أكثر البشر عدواناً على حقوق الله سبحانه وتعالى، فقد كفروا به وقتلوا الأنبياء، وفعلوا ما لم تفعله غيرهم من الأمم من المعاصي والخطايا وكانوا – في جميع العصور – مضرب المثل في التهاون بتعاليم الله وأوامره ونواهيه.
وبدلاً من أن يستغفروا ويتوبوا ويلتزموا جادّة الطريق، تمادوا في غيِّهم وزعموا أنهم أقرب الناس إلى الله – تعالى- وأنهم آمنون من غضبه وسخطه. وهكذا زادوا غيَّاً على غيِّهم. وظلماً على ظلمهم. وبلغت بهم درجة الوقاحة والادعاء بأنهم " أحباب الله ". اختارهم من بين عباده ليكونوا صفوته من خلقه. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
إن هذا الاتهام الباطل والتطاول البشع على ذاته – سبحانه – ليس الوحيد من بني إسرائيل فقد اتهموه – جل شأنه – بما هو أبشع مما يعف عنه اللسان والقلم. ولا نجد ضرورة لإثباته هنا لما فيه من بذاءة وتطاول. ولأننا هنا معنيون – فقط – بتناول ما له صلة بدعوى (التفوق العرقي) التي يروج لها اليهود.
إن الله تعالى عادل، ولا يجوز في حقه – سبحانه – أن يُقال إنه منحاز إلى هذا الفريق أو ذاك من عباده. قال تعالى:
" وَقَالتِ اليهودُ والنَّصارى: نَحنُ أبناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُه قُلْ: فَلَمَ يُعذِّبكُمْ بِذُنُوبِكمْ؟ بل أنتم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ!! يَغفِرُ لمنْ يَشَاءَ ويُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ.....". [ المائدة / 18 ]
لا دليل لهم:
واليهود في دعواهم هذه بأنهم شعب الله المختار، لا يقدمون دليلاً علمياً أو تاريخياً أو دينياً. وإنما هو محض " وهم " اختلقه ساستهم وسادتهم وصدقوه. وفي مقرراتهم الدراسية كتاب مأخوذ عن مؤلف وضعه الحاخام [يهودا هاليفي] تحت عنوان (كتاب الكزوي) خلاصته أن أول مخلوق خلقه الله – سبحانه وتعالى – هو آدم وكان يتسم بالكمال المطلق – في زعمهم – وأنجب آدم عدداً من الأنبياء كان أكملهم شيث الذي أنجب بدوره عدداً من الأنبياء كان أكملهم " أنوش "... وهكذا ينتقلون بالأفضلية والأكملية من نوح إلى سام إلى أرفكشاد إلى شالح ثم إبراهيم فإسحق فيعقوب ثم يقولون ".. وكان أبناء يعقوب كلهم جيدين!! فلم يعد هناك حاجة إلى استمرار الاصطفاء!! ".
ما الدليل على صحة هذه الأكذوبة؟. لقد فعل بنو إسرائيل (= أبناء يعقوب) ما لم يفعله غيرهم من سفك الدماء وارتكاب المعاصي، واتهام الأديان الأخرى – كالمسيحية والإسلام – بأبشع الصفات. فهل هذه هي صفات الشعب الذي يختاره الله – سبحانه-؟
3- أكذوبة نقاء العِرقْ اليهودي:
تتصل هذه الأكذوبة – إلى حدٍّ ما – بسابقتها، فاليهود يزعمون أنهم وحدهم – دون سائر البشر – ينتسبون إلى سام بن نوح. وقد كان أول من نشر مفهوم " الساميَّة " العالم النمساوي " سلوتزر " عام 1781م وكان يقصد بها تلك الشعوب التي تزعم أنها من نسل سام بن نوح. وتبنى علماء الغرب وكتَّابه هذه الخرافة التي لا يدل عليها أي دليل علمي تاريخي قاطع. كما تفتقر إلى أي أساس لغوي أو لهجي يمكن اعتماده دليلاً على صدقها. بل إن العكس هو الصحيح. فالكنعانيون – سكان فلسطين الأوائل – هم الساميون العرب الخُلَّص. فقد ورد اسم [ العرب ] في الكتابات البابلية والآشورية. كما أطلقه الفرس واليونان على سكان الجزيرة العربية منذ ألف سنة قبل ميلاد المسيح.
Mostafaragab2@gmail.com
قمة الناتو في أنقرة والبحث عن الهوية
في فترة يشهد فيها النظام الدولي انقسامات عميقة وتكتلات جديدة وتحولات جيوسياسية، ينبض قلب دبلوماسية الأمن العالمي في... اقرأ المزيد
57
| 05 يوليو 2026
الرأس الأخضر يكسر هيبة العمالقة
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم،... اقرأ المزيد
1062
| 05 يوليو 2026
غلق باب الجنة
لم يكن الفقد مجرد رحيل شخص، بل كان أشبه بانطفاء سراجٍ وهَّاجٍ كان يضيء عتمة الأيام، وبدءِ تسرب... اقرأ المزيد
432
| 05 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4533
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3474
| 01 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
2490
| 04 يوليو 2026