رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس بمقدور هذا المقال وحده أن يجيب بالتفصيل على هذا السؤال؛ نظرًا لتعقيدات العوامل والبيئات والفواعل وغيرها من المتغيرات والتي لعبت أدوارًا مختلفة أسهمت في تشكيل الحالة الراهنة، ولاعتبارات التفاصيل المُزدحمة حول الموضوع، سيتم تناوله من خلال سلسلة مقالات تُغطي أبرز المحطات التاريخية والأحداث السياسيّة، والتي إلى حد ما أفقدت القضية الفلسطينية زخم الاهتمام. لذا ستكون مهمة المقالات جمع بعض من الأفكار والأحداث وعوامل التمكين والتقويض، ووضعها في سياقات؛ علّها تقدم مُساهمات تساعد في فهم أفضل للحالة، وبالتالي قدرة وثقة أكبر في تبني إجابات صالحة، أو مقبولة بشكل واسع، على الأقل.
هذا المقال سيشير بشكل سريع إلى أبرز المحطات في المراحل الأولى لبروز القضية الفلسطينية في الاهتمام الدولي، وحتى عام 1974 تاريخ اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، فيما سيتناول المقال الثاني المستجدات بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979 وحتى مبادرة السلام العربية 2002، ثُم لاحقًا، سيتم التركيز في المقال الثالث على مرحلة غزو العراق وأفغانستان في 2003 وحتى التغيير اللافت لبعض الحُكّام والأنظمة العربية 2014 نتيجة الربيع العربي. وفي المقال الأخير سنختم هذه السلسلة من خلال استعراض عودة الجمهوريين للسلطة في الولايات المتحدة 2017 وحتى الأحداث المُستمرة للهجوم البربري الصهيوني على غزة من حيث أدوار الدبلوماسية العربية وخصوصًا القطرية، والانقسام الفلسطيني، والمنظمات الدولية، والإقليمية كالجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي.
لقد اكتسبت القضية الفلسطينية زخمًا كبيرًا عندما بدأت كقضية دينية أيدولوجية بين السلطان عبدالحميد الثاني والوفد اليهودي بقيادة ثيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، والذي عرض على السلطان سداد ديون الدولة العثمانية 1901، ومحاولة رشوته بخمسة ملايين ليرة ذهبية، من أجل تمكين اليهود والسماح لهم بالهجرة والتملك بفلسطين، ولقد كان الرد حازمًا من السلطان بطرده، وإعلان مقولته الشهيرة «لليهود قوة في أوروبا أكثر من قوتهم في الشرق… لذلك علينا أن نقف في وجه فكرة توطين المهاجرين في فلسطين» ولقد صدرت قرارات سلطانية بوقت مبكر لتهجير اليهود الذين قدموا لفلسطين وبقوا فيها إلى الولايات المتحدة.
كانت اتفاقية سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور1917 تعبيرًا حقيقيًا عن توجهات السياسة البريطانية نحو دعم إنشاء كيان سياسي لليهود، وذلك لتحقيق جملة أهداف منها: الحاجة إلى المال اليهودي للمساهمة في الجهد العسكري البريطاني في الحرب، وتشجيع اليهود على القتال إلى جانب بريطانيا، والرغبة بأن يؤثر اللوبي الصهيوني على الحكومة الروسية الجديدة بدخول الحرب لجانب بريطانيا بعد الثورة البلشفية 1917، ولعّل أهمها هو التخلص من اليهود في أوروبا، على الرغم من مراسلات الحسين – مكماهون ضمن سياقات الثورة العربية الكبرى 1916 ذات الاتصال بإقامة دولة عربية موحدة تكون فلسطين جزءًا منها نظير وقوف الشريف الحسين بن علي إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى. بعد نهاية الحرب، وخسارة الدولة العثمانية للكثير من الأراضي، وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وهذه كانت مرحلة مفصلية في تاريخ فلسطين الحديث: فمن جهة سهّلت بريطانيا الوجود اليهودي وكاثرته في ظل معاناة باقي الأمصار العربية الظرف ذاته بين الاستعمار والوصاية قبل أن تقوم لاحقًا بأدوار متفاوتة في حفظ الحق العربي والإسلامي الفلسطيني. لقد أخذت هذه الفترة منحًى خطيرًا في تنامي الخطر الصهيوني على الأرض الفلسطينية، والذي بدأ بإعداد الظروف الملائمة لتأطير البعد العقائدي ببُعدٍ سياسيًّ من خلال تشكيل كيان سياسي صهيوني. يُمكن ملاحظة أن هذه التراكمات أنتجت بيئة خصبة لنمو العصابات الصهيونية: كالهاغانا و شترن والأرجون والبلماخ وغيرها، والتي شكلت لاحقًا جيش الدفاع الصهيوني. في هذه الأثناء كان الوعي العربي والفلسطيني بشكل خاص ينضج بشكل يتناسب مع التحديات الجديدة، فكانت الثورة الفلسطينية الكُبرى 1936 إحدى وأهم محطات النضال الفلسطيني المُبكر بشكل جماعي ومؤثر.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهبوب رياح التحرر للدول المستعمرَة، بدأت الكيانات العربية بالظهور، في هذه الاثناء تعاظمت القوة الصهيونية سواءً من ناحية القوة المُسلّحة أو انتشار «المشروم الديموغرافي» نتيجة تشجيع الهجرة اليهودية بغطاء دولي بريطاني. وفي المقابل، برز نَفسٌ قوميٌ يطالب بإخراج اليهود من فلسطين أوادماجهم تحت الحكم الفلسطيني من خلال تمكين قيام دولة فلسطينية مستقلة بعد رغبة بريطانيا في مغادرة فلسطين. كان تأسيس الجامعة العربية 1945 والأمم المتحدة بالعام ذاته، وصدور قرار تقسيم فلسطين 1947، وإعلان دولة الكيان، وحرب عام 1948، احداثًا فاصلة في بداية عهد جديد للقضية الفلسطينية اتسم بمأسسة معاناة فلسطين بين دعم غربي لا محدود للكيان الجديد، ودعم عربي محدود للمصير الفلسطيني بسبب شُح الموارد والسلاح، وأحيانًا قليلة بسبب فقدان شهية القتال.
لقد كان لوحدة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية مع الأردن 1950 دورٌ في زيادة الاهتمام بالقضية، ومحاولة المحافظة على ما تبقى من فلسطين بعد احتلال إسرائيل للكثير من الأراضي 1948؛ العدوان الثلاثي على مصر 1956، كان أيضًا مرتبطًا بمواقف جمال عبد الناصر تجاه فلسطين، والذي سبقه إغلاق مضيق تيران بوجه الملاحة الإسرائيلية 1955، إلا أن نكسة عام 1967 ونتائجها كان لها وقع أليم؛ ضاعف من تعقيد القضية نتيجة الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ونشر فيروس الاستيطان على الرغم من القرار الدولي 242 ؛ كما أن نشوء منظمة التحرير الفلسطينية 1964 والصدامات مع النظام الأردني لاحقًا؛ وانعقاد قمة «اللاءات الثلاث» 1967، وحرب أكتوبر 1973، واستخدام العقوبات الاقتصادية ضد الدول الغربية من خلال حظر النفط العربي 1973 كلها نتاجات لزرع هذا الكيان السّام في خاصرة المنطقة العربية وتعبيرًا عن عمق الارتباط العربي بالقضية.
يُمكن القول إن العام 1974 – اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية كمُمثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني – شكّل منعطفًا حادًا في اتجاه القضية الفلسطينية، فمن ناحية أبرزَ الشخصية الوطنية الفلسطينية، وهذا جيد، إلا أنه من ناحية أخرى، أفقدها حواضنها الكبرى العربية والإسلامية، لتتراجع قليلًا ويكون دعمها محدودًا وبشكل غير مُباشر؛ لصعوبة التمثيل في ظل الوجود الفلسطيني وهذا للأسف قد يكون أحد أسباب كامب ديفيد 1979، والتي تراجع الاهتمام بفلسطين في أجندتها بعد أن كانت قضية مركزية لبعض الأنظمة العربية. وعلى الرغم من ذلك، ففي هذه المرحلة كان الدفاع عن القضية الفلسطينية في أوجه حيث كانت همًا عربيًا وإسلاميًا، وكان الحديث بالمجمل عن فلسطين ككيان وكلمة جامعة للتراب والشعب الفلسطيني... يتبع في المقال اللاحق (2/4).
من حوّل القضية الفلسطينية إلى حملة للتعاطف مع غزّة؟ (2 /4)
بوفاة جمال عبد الناصر، وقبول مصر باتفاقية كامب ديفيد 1979 دخلت القضيّة الفلسطينيّة منعطفًا حادًا بين خفوتها مصريًا،... اقرأ المزيد
663
| 13 يناير 2025
فلسطين بخير.. مرحلة جديدة في العام 2025
بالنسبة لي، لا تُعتبر الكتابة عن فلسطين شأنًا سياسيًا بقدر ما هي قضية عقائدية وتاريخية وحقوقية، كما أن... اقرأ المزيد
1614
| 23 ديسمبر 2024
في اليوم الوطني: العلاقات القطرية الأردنية في أفضل حالاتها
هناك تشابه إلى حد كبير بين ظروف نشأة واستقلال دولتي قطر والمملكة الأردنية الهاشمية. فالحماية والانتداب البريطاني كانا... اقرأ المزيد
1200
| 18 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8976
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4245
| 23 سبتمبر 2026