رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد أخذت الغارة الإسرائيلية الأربعاء الماضي 30/1/2013 على مجمع البحوث العسكري في منطقة جامرايا بريف دمشق حيزا واسعا في الأخبار العالمية وكان وراءها تقارير وتحليلات وتفسيرات عديدة وكانت إسرائيل قد التزمت الصمت حيال هذا الحدث المفاجئ منذ سنتين من اندلاع الثورة السورية، إلا أنها وعلى لسان باراك وزير دفاعها أكدت ضمنيا ومباشرة أنها قصفت أربعة مواقع قرب دمشق وليس هذا المركز العلمي العسكري وحده مما يدعو للتساؤل بكل بداهة، هل بدأ التدخل الخارجي في المشهد السوري فعلا من جهة؟، وإذا كان كذلك فأين الرادارات السورية التي لا ترى تلك الطائرات كما أنها لم ترها أبداً في عدة هجومات سابقة حين اخترقت الأجواء السورية بغارتها الساحقة خريف 2007 وبلغت أهدافا حيوية في العمق بالمنطقة الشرقية الشمالية من بادية دير الزور إلى تخوم المثلث السوري العراقي التركي مرورا بمطارين عسكريين وعادت سالمة مطمئنة، وكذلك كيف تم الإنزال الأمريكي في البوكمال وكيف حلقت القاذفات الصهيونية فوق الاستراحة الرئاسية في اللاذقية؟ وكذلك كيف قصف معسكر حي الصاحب غرب دمشق إلى غير ذلك من الانتهاكات الإسرائيلية وهي في الحقيقة اختراقات مدروسة مسبقا، ولذلك كان الرد الدائم من القيادة السورية، سنحتفظ بالرد في الوقت المناسب، لذا فإننا نقول: ليس مستغربا في لعبة الدول ومصالح المافيات الحاكمة من المحتلين لفلسطين والمستبدين بحق الشعب السوري المغتصبين لدمشق والذين جاءوا بانقلابات عسكرية وتغلب انتخابي مزور فرضوه على الجماهير بالحديد والنار وعدلوا عمر بشار في سويعة ليفصلوا الرئاسة على مقاسه وهو ما ينقض بيعتهم على ما أكده الإمام مالك رحمه الله حين قال: إن مغتصبي السلطة لا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على خوف، حيث ظهر لنا في عهد حافظ الأسد وابنه أن المحتل هو الذي نصبهم وأنهم كمستبدين عملوا ويعملون لحسابه وسيبقون على ذلك ليثبتوا الولاء المطلق له حفاظا على كراسيهم واستمرائهم قهر الشعب وإذلاله ونهب خيراته وتكديس المليارات دون أن يهمهم شأن الوطن بتاتا، وإلا فبماذا نفسر عدم الرد السابق على هجومات مدروسة يتخذها اللانظام تكأة لنفسه وأنه مستهدف ومقاوم وممانع وهو حينها وفي هذه الغارة الحالية لم يملك أي حراك ليقاوم به المحتل في حين تسرح قاذفاته وحواماته وتمرح في ربوع سوريا قصفا وحرقا وتدميرا كل ساعة دون كلل ولا ملل حتى ليصح فيه قول الشاعر:
أسد علي وفي الحروب نعامة
ربداء تنفر من صفير الصافر
فأين المقاومة والممانعة منذ أربعين عاما؟، وأي عار وشنار أسوأ مما نراه في وقت يقصف فيه الصهاينة بلادنا وهو بكل وقاحة يشتد ويحتد في قصف شعبه وتدمير الشام وفي اليوم نفسه، أتدرون لماذا؟ لاشك أن المطلوب هو التدليل بقوة أنه ضد الشعب الذي تخافه الصهيونية، خصوصا بعد سقوط المستبد الذي كان ولا يزال أمينا في أداء المهمة ولابد له في النهاية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أن يطمئن من ولاه أنه يدافع عنه وعن أمريكا التي تدعمه، ولا غرو، فأمريكا هي أيضا التي وافقت وأعطت الضوء الأخضر لربيبتها في العقاب الأولي لأنه وعلى مدى عامين لم يستطع أن يخمد ثورة الأحرار وهي والصهيونية ومن لف لفها ما زال لسان حالهم ومقالهم يؤكد له: أخمد الثورة فإن فعلت فأنت باق في السلطة على رقاب المقهورين وإن لم تستطع فلك الملاذ الآمن دون أن ينبس أحد منهم ببنت شفة طالبا محاسبته بقوة وإدانته في مجلس الأمن وعبر محكمة الجنايات الدولية وإن ما قد نراه من مواقف بهلوانية في عدائه ما هي إلا لذر الرماد في العيون، ألم يقل أوباما أمس إن مساعدتنا ببعض الملايين إنما هي للشأن الإنساني فقط ولن نعمل على تسليح المعارضة حتى رد عليه السناتور ماكين هازئا، أبعد أكثر من ستين ألف قتيل لم يظهر أي موقف من الرئيس لإيقاف المذابح في سوريا، صحيح أننا نعتبر أن ثمة تقاسما للأدوار بين الساسة والتاريخ خير شاهد ولكن ذلك لا يمنع أن نرى بين الأعداء من يتأثر أحيانا لفداحة المصاب إنسانيا، فقد تجاوزت مأساة الشعب السوري كل توقع وأنا شخصيا قد رأيت بعيني امرأة عجوزا إنجليزية مثقفة خبيرة وهي تبكي إثر عرض مشاهد المذابح عبر القنوات، فقد يحدث هذا والتاريخ أيضا يدل على ذلك، فيكون فرد أو مجموعة أو دولة تعدل في بعض الشؤون حتى لو لم يكونوا مسلمين، وفي هذا يقول الفقهاء: كن مع الحق وإن كان صاحبه بعيدا بغيضا ومع هذا ينبري الموقف الإيراني على ألسنة ساسته الثعالب ليستنكر الغارة الإسرائيلية، فأين موقفكم حين صرحتم الأسبوع الماضي أن بشار الأسد خط أحمر وأن الاعتداء على سوريا هو حرب على إيران، فأين قوتكم وممانعة بشار؟ وهل يصبح الأحمر لونا أخضر إذا اختطته الصهيونية كما يقول صبحي الحديدي إن خرافة هذه الممانعة والمقاومة باتت نغمة ممجوجة لم يعد يصدقها حتى الصغار،
إن أي غول يجب أن يقضى عليه لتستريح الدنيا منه وقد قال شكسبير: إن الضمير الحي عين الله في الأرض، ولا ريب أن ما يسوق المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا من التذرع المخيف باستعمال الأسد السلاح الكيماوي إنما هو للتهرب من التدخل الحقيقي لإنقاذ السوريين الذين يضربهم وليس الصهاينة بهذا المحرم دوليا، في حين تتدخل إيران وروسيا وحزب الله علنا بالمال والرجال والسلاح، لكأن هذا المشهد هو الذي فرض على أهل الشام أن يبقوا عصاميين حتى في تصنيع السلاح الذي كانت له نتائج طيبة والحمد لله، ليس لدينا أي شك أن إسرائيل تريد الحفاظ على الأسد حتى آخر رمق وإن عزمها الآن إنشاء منطقة عازلة بعشرة أميال داخل الأراضي السورية انتهاكا لها، إنما هو دليل لخوفها من الجيش الحر المسيطر وليس من حبيبها وأبيه قبله، حيث تهنأت في عهدهما الطويل، يريد الأسد أن يدمر العالم إذا نحاه عن السلطة وهو اليوم جريح خطير يتلقى الضربات واللطمات دون أن يكون باستطاعته أن يفعل شيئا، فمسلسله قد انتهى وصلاحيته قد نفدت ولابد له أن يسقط، كان مع إسرائيل أو كانت معه، فمن سل سيف البغي قتل به بعد ذلك، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وستبقى سوريا لأبنائها البررة ولو حاول المخطط الإيراني والأسدي أن يقول: لا سوريا بعد الأسد. خسئوا وخابوا.
من الظهور إلى التأثير الرقمي
لم يعد التحول الرقمي خياراً تكميلياً في عالم الأعمال، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة السوق وسلوك المستهلك... اقرأ المزيد
141
| 31 مايو 2026
الأصدقاء عبر الزمن
"قد تكون نفسي بالأمس لا تعرف من أكون الآن؟! ولا أصدقاء اليوم يعرفون ما سأكون عليه في الغد.... اقرأ المزيد
243
| 31 مايو 2026
لمن القول الفصل
خرج علينا الرئيس الأمريكي قبل أيام بتصريح غريب وفي غير موضعه، حيث ربط بين المفاوضات الجارية مع إيران... اقرأ المزيد
153
| 31 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1674
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1542
| 29 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
1329
| 30 مايو 2026