رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحمل مسؤوليات التكليف التي وضعها سمو الأمير الوالد على كتفيه..
عبد الله بن حمد العطية.. شمس تاريخ لا تغيب
- أبو حمد صاحب كاريزما حوَّل الصخور والرمال والبحر إلى معجزة
- قصة بناء مدينة رأس لفان وثيقة تاريخية تحكي كيف نفذ بنجاح باهر سياسة القيادة
- في رأس لفان تجلت ثقة الأمير الوالد في العطية الذي عرفه منذ أيام الطفولة
- رسخ مكانة قطر في محافل الطاقة وبنى علاقات إنسانية راسخة مع العالم
- منشآت الطاقة صرح شامخ يجسِّد على أرض الواقع رؤية القيادة الواعية
- اتسم مجلسه بحيوية التواصل الاجتماعي ودفء أجواء التفاعل مع زواره
- وضع الإنسان اللبناني في حدقات عيونه فبادله كثيرون في لبنان الحب بالحب
- التواضع الكامن في أعماقه ميَّزه بالقدرة الفائقة على التواصل مع مجتمعه والخارج
أثار انتقال الفقيد العزيز، عبدالله بن حمد العطية، نائب رئيس الوزراء ووزير الطاقة الأسبق، من دار الفناء، إلى دار البقاء، أصداء واسعة في أوساط القطريين والمقيمين، وفي أوساط دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول كبرى في العالم عرفت بصماته، حينما كان ينفذ بنجاح باهر، سياسة القيادة، ويرسخ مكانة وطنه الذي أحب، في محافل الطاقة، وخصوصا بعد ما تبوأت قطر مكانة رفيعة ضمن قائمة الدول.
شخصيته الودودة، بنبضها الإنساني ونبض التواضع الكامن في أعماقه، ميّزته بالقدرة الفائقة على التواصل مع أهله ومجتمعه ومجتمعات خارج قطر، إذ ارتبط بعلاقات محبة ومودة واحترام متبادل مع أوساط فاعلة في المنطقة والعالم.
في لقاءات اجتماعية، في بيته العامر، اتسم مجلسه بحيوية التواصل الاجتماعي، ودفء أجواء التفاعل مع زواره، وقد بنى شبكة علاقات إنسانية عريضة.
أبو حمد تميز بأنه صاحب كاريزما، وقد بدت واضحة للعيان من خلال شخصيته التي تتمتع بالقدرة على النقاش حول قضايا عدة، وطرح الرؤى وتحليل المعلومات والأفكار، والتعليقات حول الأحداث والتطورات هنا أو هناك.
كان رجل دولة بمقاييس رجل الدولة العصري
في وطنه كان شخصية ملهمة لأنه كان قادرا على تحمل أعباء وتحديات ما كلفته القيادة بإنجازه. وقد نجح في تحمل مسؤوليات التكليف التي وضعها سمو الأمير الوالد على كتفيه حينما قرر سموه تنفيذ بناء مدينة رأس لفان الصناعية، العملاقة.
روى عبد الله بن حمد العطية في تسجيلات متداولة قصة بناء مدينة رأس لفان، بناء على توجيهات سمو الأمير الوالد، وجاءت شهادته بمثابة وثيقة تاريخية تحكي كيف نقل سمو الأمير الوالد دولة قطر من وضع اقتصادي كان يعاني من صعوبات إلى مرحلة بناء صرح اقتصادي عملاق.
قال أبو حمد: «ركز سمو الأمير الوالد على مشروع إنتاج الغاز في رأس لفان واختارني، ورسم خريطة طريق لتنفيذ المشروع».
هنا تجلت ثقة سمو الأمير الوالد في عبد الله بن حمد العطية، الذي عرفه منذ أيام الطفولة، وتشكلت بينهما علاقة صداقة تاريخية.
يقول الراحل في هذا الشأن، في تسجيل متداول «ارتبطت مع سمو الأمير الوالد بعلاقة صداقة منذ الطفولة، في عمر خمس سنوات».
ويلفت في هذا الشأن في شهادة تاريخية مهمة إلى أن سمو الأمير الوالد «كان قياديا منذ أن كان صغيرا، كانت لديه روح القيادة والزعامة» و»حينما نلعب كرة القدم كان هو الكابتن والرئيس» و»كان يقود حتى الأكبر منه سنا».
هذا التلاقي والتفاعل الاجتماعي والإنساني بين سمو الأمير الوالد وعبد الله بن حمد العطية الوزير المسؤول آنذاك عن تنفيذ أكبر مشروع اقتصادي تاريخي في دولة قطر عكس حقائق تاريخية.
وطنيا، أهم ثمار هذه العلاقة بدت في بناء مدينة رأس لفان الصناعية، الصرح الشامخ، الذي جسَّد على أرض الواقع رؤية القيادة الواعية، ونجاح الوزير عبد الله بن حمد الذي حمل أمانة التكليف وأحالها إلى واقع محسوس وملموس، ليس داخل قطر فقط، بل في العالم كله، وهو عالم باتت دولة قطر تمده بإنتاج وفير من الغاز، ما ساهم في تشكيل شبكة علاقات دولية وإقليمية قوامها المصالح المشتركة.
أثنى فقيد الوطن على الدور الكبير الذي قام به حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في تطوير مشاريع النفط والغاز.
وواقع الحال يشهد أن سمو الأمير، دعم مشاريع النهضة التي تحققت في عهد سمو الأمير الوالد، ونجح في تعزيز مسيرة إنتاج الغاز، ووضع دولة قطر في مصاف الدول ذات التأثير العالمي الفعال.
هذا التطور نقل حياة القطريين إلى مستويات أفضل، ووضع دولة قطر في موقع متميز على الخريطة الإقليمية والدولية.
من سمات عبد الله بن حمد العطية أنه وثق لتاريخ مهم.
ومثلما روى خلفيات قصة قرار سمو الأمير الوالد بشأن تنفيذ مشروع مدينة رأس لفان الصناعية فقد لفت في إشارة ذات دلالات إلى أن موقع الانجاز «كان عبارة عن صخور ورمال وبحر»، وكان الراحل سعيدا بقوله «الحمد لله المعجزة تحققت».
كما أشرت فإن من أهم سمات عبد الله بن حمد العطية أنه قد وثق شهادت حيوية، وهذا من أهم مجالات العطاء التي قدمها لوطنه، وللجيل الجديد، وللتاريخ.
سمات الإشراق في شخصية عبد الله بن حمد العطية كثيرة، وتناولها كثيرون، لكنني أود الإشارة إلى شخصيته التي تُجيد قراءة أحداث التاريخ، في المنطقة والعالم وترصد مساراته، إذ كان موسوعة تمشي على الأرض.
كان في هذا الإطار يتمتع بقدرات لافتة، تبدو في قوة الذاكرة، والمهارة باستدعاء المعلومات عن هذا البلد أو ذاك.
أشير إلى أنصع الأمثلة في هذا السياق بدت جلية في معرفته الموسوعية بلبنان، البلد، الشعب، التاريخ، التركيبة السكانية، البيوت السياسية، وكان وضع الإنسان اللبناني في حدقات عيونه، فبادله كثيرون في لبنان، الحب بالحب والتقدير بالتقدير.
ما أصعب الكتابة عن أبو حمد! الإنسان جميل الداخل. الرجل الشهم الكريم. المسؤول الذي أعطى لوطنه الكثير من الجهد والسهر والتعب في سبيل رفعته، ورفع رايته، والدفاع عن سيادته من خلال إنجاح مشاريع كبرى في مجال الغاز
رحل عبد الله بن حمد العطية، لكنه الراحل المُقيم، أي أن سيرته حاضرة بيننا، بعطائه وما حققه لوطنه من انجازات.
فراق عبد الله بن حمد العطية محزن وموجع.
نشتاق إلى أحاديثه النابعة من القلب والعقل.
الذكريات الجميلة ستبقى.
وجوده المُوثّق بالحقائق سيزداد توهجا في الذاكرة الجمعية للقطريين والخليجيين، ولمن زاملوه وتعاملوا معه في دول كبرى والمحافل الدولية.
عبد الله العطية شمس تاريخ لا تغيب، فهو صاحب إرث متميز، وبصمات ناصعة في تاريخ قطر الحديث.
علماء اللغة العربية يرون أن «التاريخ المشرق لا يمكن طمسه أبدا، هو كالشمس التي تضيء العقول وتلهم الأجيال».
أرى أن عبد الله بن حمد العطية شمس تاريخ تنشر الضياء بنورها وإشراقها وعطائها للوطن، تنفيذا لسياسة القيادة القطرية، وتعبيرا عن قدراته الشخصية الفذة التي تجلت في فنون الإدارة والإنجاز والشفافية والنزاهة.
حقق نجاحا باهرا لدولة قطر، واستحق عن جدارة تقدير واحترام ومحبة القيادة، لأنه خدم وطنه بإخلاص وأمانة وجدية.
نسأل الله أن يرحم عبد الله بن حمد العطية رحمة واسعة ويسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء.
اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله..
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● وزير الدولة، الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31260
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
18174
| 16 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4131
| 21 يونيو 2026