رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد عبدالملك

د. أحمد عبدالملك

مساحة إعلانية

مقالات

3675

د. أحمد عبدالملك

الرواية .. رسمٌ بالكلمات

06 مارس 2017 , 01:14ص

مع تعدُّد الاتجاهات الأدبية، وتداخل الأشكال التعبيرية، ووجود "التباسات" في ثنايا الإبداع، حدث تطوّرُ واضح في مجال الرواية، حيث لم يعُد السردُ المُرتكزَ والأداةَ الرئيسية التي يعتمد عليه البناءُ الروائي. ولقد انفتحت الأشكالُ الروائية على فضاءات واسعة من التجريب والمحاولة، بحسب الظروف المحيطة بالكاتب، والأفكار التي تتفاعل في عقله، والمواقف التي تُحفِّزهُ للفعل الروائي. وكثيرًا ما كانت الرواية حاضنةً للسير الذاتية أو رواية السيرة، وبأشكال متنوعة، تخامرها "أحاييل" يلجأ إليها كاتب السيرة، كي يتخفى عن الأنظار احترازًا من المحاسبة، أو خوفًا من التقريح. لذا، أتت أغلبُ السير الذاتية غير دقيقة وغير صادقة. وكثيرًا ما كان الرمز "المُستَغلق" حاضرًا في كتابة السير الذاتية. ويؤكد النقاد على أن الشخصية لا تكتمل في النص السيرذاتي، إلا بانصهارها مع الخصائص السردية الأخرى (المكان، الزمان، الحدث، جماليات السرد). ولقد ركّز العديد من الكُتاب على قضية السرد فقط، دونما التفاتٍ إلى بقية الخصائص، فجاءت نصوصُهم جامدة غيرَ متحركة ولا مثيرة، وغابَ التماهي بين الشخصية والمكان والزمان والحدث وجماليات السرد، وأصبح النصُ قطعةً صلدة، لا تمنح القارئ شعورًا بالأُلفة مع الحدث. بل أصبحت العديدُ من الروايات "بيانات" أو "حوادث" يحبسُها الكاتب – بين دفتي الكتاب - في شكل تقريري جامد، بلا روح، وبلا رؤية يتعايش معها القارئ، أو يستنتج منها استنتاجاته. الرواية رسمٌ بالكلمات، والذي لا يُحسن الرسمَ هذا، لا يُمكن أن يؤلفَ رواية ناضجة. والرسم بالكلمات يستحضرُ ويستدعي القيمَ الجمالية للسرد، ويُزاوج بينها وبين قَصد المؤلف أو هدفه، تماما كما هو الحال مع الحدث والمكان والزمان. والرسم بالكلمات يعني ضمن ما يعني فن التصوير للحالة الذاتية وما يدور حولها، ونقل المكان والزمان من أي عصر، ليمتزجا مع الحدث المَروي، وهو بطبيعة الحال مجال رحب، حسب رؤية وثقافة المؤلف، وحسب قدرته على استنباط العلاقات وكُنهِها بين الحدث والخصائص الأخرى. كثيرون أصدروا "روايات" علّقوها على حبلٍ افتراضي لا تتحقق عبرهُ المشهَدية الواضحة الجاذبة والمثيرة، ولا يُتيح الفرصة للقارئ للاستمتاع بنوع أدبي جديد، أو تجربة روائية مُبهرة. فجاءت العديد من الأعمال على شكلِ هواجسَ أو مشاهدَ تمثيلية أو وقفات وعظية بعيدة عن فن الرسم بالكلمات، التي هي الرواية. وإذا كانت اللغة هي الجسر الذي يجسر الخصائص المذكورة أعلاه، فإن هذه اللغة إن لم تكن جديدة، جاذبة، مُعبّرةً عن الحدث وعن مكامن الشخصيات وعن زواريب المكان وارتحالات الزمان، فإنها تقترب من التقرير السردي الذي قد يلائم نوعًا من أنواع الكتابة (مثل عرض حالات قضايا الزواج والطلاق في المحاكم، أو تقارير حوادث السرقة والقتل عند الشرطة)، لكنه حتمًا لن يقترب من الفن الروائي. لذا، فإن تجربة الكاتب، وكثرة قراءاته للأشكال والنماذج الروائية تُثري لديه الثروة اللغوية التي تساعده على استنباط وتشكيلِ لغة خاصة به، لم يسبقهُ إليها أي كاتب. إن الخيال الجميل لا يتحقق دون لغة جديدة، رشيقة، قافزة، تأسر القارئ، ولا تُلجئهُ أن يُلقي بالرواية بعد الصفحة الثالثة أو الرابعة. كثيرون منا، حتى أولئك غير المتخصصين في الكتابة الروائية أو النقد، قد يرمون الرواية بعد الصفحة الثالثة؛ لأنهم لم يجدوا شيئًا جديدًا، ولم تتشكل أمامهم اللوحة الفنية التي يحاول الكاتب إيصالها لهم. في الوقت ذاته، فإن رواية جيدة تأسُركَ وتجعلكَ تُخصص وقتًا لإنهائِها خلال يومين أو ثلاثة؛ ولربما أقل من ذلك. وهذا هو الفرق بين العمل المُتقن المرسوم بالكلمات، وبين العمل الجامد، الصارم، المُجهِد، والذي يعتمد فقط على السرد الذي لا يُثير الأسئلة الأخرى، ولا يُحرِّك مشاعرَ القارئ.

مساحة إعلانية