رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حجم الارتباك الذي تلقى به العدو أنباء الاتفاق بين حماس وفتح يدلل على أن المصالحة الفلسطينية هذه المرة جدية ويبشر بأنها ستتم وستفتح آمالا عريضة يلتقي فيها المتغير الفلسطيني مع المتغيرات العربية لحشر العدو في الزاوية (كما قال السيد خالد مشعل) هذا التفاؤل حقيقي والسر في ذلك أن طرفي المصالحة نضجت لديهما كليهما وبالتساوي قناعة - وإن كانت متأخرة وبعد سنوات من التوهان والتشاكل – وبأنه محتاج ومضطر لها لأجل نفسه قبل أن يتمنن بها أو يحس أنه يقدمها لغيره، هذا السر هو الأساس للتفاؤل ؛ ولكنه ليس الوحيد، فقد نضجت مع هذا الأساس جملة من المعطيات جعلت المصالحة ضرورة وطنية وفريضة شرعية في غاية الجدية من أهمها:
1- إن المصالحة الفلسطينية تأتي في وقت يفتقد العدو فيه زمام المبادرة بل يفتقد آلية منهجية لفعل شيء في مواجهتها، وقد صرحت بذلك رئيسة كاديما ووزيرة خارجية الكيان السابقة – تسيبي ليفني – التي أخذت على نتنياهو فوق ذلك أنه كلما تكلم زاد أزمة جديدة، الجديد أيضا والذي يزيد أزمة العدو أنه يتحمل في نظر كثيرين في العالم مسؤولية الانغلاق السياسي، وأنه هو الذي أغلق سبل إعادة التسوية إلى السكة بما في ذلك رفضه مقترحات الرئيس الأمريكي. كل ذلك جعل الموقف الصهيوني في إطار المصالحة داخل ثنائية ؛ إما أن ينهار بالكامل ويقع تراجع غير لائق وغير منطقي تحت وقع هذه المصالحة ولهذا ما له من خطورة مستقبلية على الكيان بما سيعطيه من انطباعات واستخلاصات، أو أن يتمسك بموقفه المتعنت وعندها سيكون متخلفا عن المتغيرات التي ستفرضها المصالحة وسيكون موقفه هذا غير مبرر حتى لدى حلفائه.
2- إن المصالحة تأتي استجابة وتناغما مع المتغيرات (الثورات) العربية الجارية في المنطقة والتي تبشر بأن القيم السياسية التي خدمت العدو وبنى عليها معادلات سياسية وأمنية كثيرة أخذت مع الاستمرار والتتابع صورة المسارات الإستراتيجية، لقد فقد الكيان (حصان طروادة) النظام المصري الساقط، وها هي نظم ما يسمى بمحور الاعتدال كل مشغول بلملمة أوضاعه الداخلية للحيلولة دون انتقال (عدوى) الثورات الشعبية إليه.
3- إن العدو هو الذي خرب مسار التسوية وهو الذي كان دائما يتذرع لذلك بالانقسام الفلسطيني وأن كلمة الفلسطينيين وتمثيلهم ليس كاملا ذلك أعطى لجهود المصالحة وجاهتها كما أعطى للمصالحة عندما تمت مبرراتها، فلما جاءت المصالحة بعد سنوات من هذا التعيير والتخريب أصبح رفضه لها غير منطقي وأصبحت ذرائعه غير ذات بال، ذلك وفر على الفلسطينيين الكثير من الجهد والسعي لإقناع من حولهم بالمصالحة، فوقعت أسهل ويفترض أن تدوم أطول.
4- إن مواقع القوة الفلسطينية هذه المرة أكبر وأكثر منها في أي وقت مضى وبالأخص يوم حوصر عرفات ثم اغتيل ؛ والفلسطينيون إذا توافقوا هذه المرة على الحد الأدنى من البرنامج السياسي لن يستطيع أن يخرج عن إجماعهم إلا من يقبل لنفسه أن يكون خائنا وعميلا مفضوحا، ومن يجرؤ على وضع نفسه في هذا الموضع؟ ولو فعل فبم يستطيع أن يخدم العدو؟ ثم إن السيد عباس لم يغلق باب التسوية ولم ينتقل لخيار المقاومة ولا يتوقع أن يفعل من ذلك ما فعله عرفات عام الـ2000، وبذلك فالعدو لا يملك بديلا ولا رؤية ولا مبررا لفعل ما فعله يوم تخلص من عرفات، هذا يعرفه العدو فتتضاعف أزمته وعجزه وقلة حيلته ويعرفه الشعب الفلسطيني فتقوى عزيمته على المصالحة وعليه أن يستثمر فيه واسعا.
كل هذه المبررات وسواها مما لا يحضرني الآن أو لا يتسع له المقام جعلت المصالحة ضرورة وطنية وفريضة شرعية، فلا يستطيع طرف من المتصالحين أن يدعي أنه مستغن عنها أو أنه يتمنن بها أو أنه أقدم عليها رأفة بالآخر وتخفيفا من أزمته وإحساسا بأخوته. فالسياسة وإن تغطت بالمجاملات فهي لا تنحكم لها، وفي أحيان كثيرة تتحول فنونها وألاعيبها وتملصاتها – للأسف – أهم من كل الاعتبارات بالأخص عندما تثور الدماء وعندما تشتبك المسائل الشخصية بالوطنية وعندما يتوحد الزعيم السياسي بالقضية حلولا واتحادا.
الظن إذن أن المصالحة اليوم صادقة وأن النيات من حولها سليمة وأن الظروف والمتغيرات كلها تخدمها.. لكن (وعلينا أن نتكلم بصراحة ومن واقع الإحساس بالمسؤولية عن نجاح هذه المصالحة) إن المنطق الذي يتحدث به موقع حركة فتح على النت ومواقع أخرى محسوبة عليها حول هذه المصالحة ومبرراتها لا يبشر بخير وإذا جمعنا مع هذه الملاحظة استمرار الاعتقالات في الضفة وتصريحات عدنان الضميري وماجد فرج وأسامة القواسمي المتشائمة والمهددة والمتربصة، فإن من حقنا أن نتوقع أن أشخاصا وجهات لأنهم لا يحسنون التفريق بين رفع السقف السياسي لموقفهم وهو أمر مقبول ومتفهم وبين تحريك الفتنة والتشكيك في أصل المشروع وهو أمر مرفوض ويلقي ظلالا بائسة على المصالحة والمتصالحين، من حقنا في هذه الحالة أن نطالب حركة فتح الحقيقية أن تلجمهم وأن تحيدهم باعتبار وحدة الوطن أولى وأغلى منهم مهما علت رتبتهم، أخشى ما أخشاه أن يتحرك هؤلاء أو يحركهم الاحتلال في الوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ وللفعل الخطأ، وقد حدث مثل هذا في التاريخ الإسلامي والعربي كثيرا، خشية أخرى ينبغي أخذها بنظر الاعتبار وعلى الإخوة في فتح أن يتنبهوا لها وأن يطمئنوا الناس بخصوصها، هي الخشية من أن يحرك العدو في لحظة ما مسار التسوية فيقدم عروضا ووعودا تبدو سخية وجدية أو أن يحرك وساطات مقبولة لدى المفاوض الفلسطيني فيستثير ما في دواخله من وما في ذاكرته من ثقافة التسوية وأن يوقعه في المراجحة بين البدائل فينهار التفاهم مع حماس تحت وقائع هذه المعاوضة.. ثم يدخل الشعب الفلسطيني في متاهة انقسام جديد لا يعلم إلا الله مداه وأمده ومترتباته.
آخر القول: إن توقيع اتفاق المصالحة وبقدر ما هو أمل رائع وفتح مبين إلا أنه ليس آخر المطاف بالتأكيد، ولا هو محصن من نوايا ومساعي العدو.. لذا فالمحافظة عليه وتنفيذه بأمانة بعيدا عن تدخلات الخبثاء والمتشائمين وأصابع الاحتلال الذين يتحركون دائما بالطريقة الخطأ وفي الوقت الخطأ هو الأولوية بعد اليوم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3201
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026